ثروت الخرباوى يفضح «سر المعبد»

سر المعبد ثروت الخرباوي

كتبت: هيام أحمد طه

◄ أستاذ اللغة العربية كان سبب دخوله الجماعة واصطحبه بعد سنوات إلى بطن الإخوان الممتلئ بالدهاليز

◄  صرخ فيه مأمون الهضيبى “هل تظن أن دخول الحمام كما الخروج” فاستعاذت روحه من الخبث والخبائث وحسم قرار النهاية

◄ مصطفى مشهور راجع كتاب حسن البنا وحذف منه كل ما يتعلق بتاريخ “الاسم والشعار”

◄ أفكار شكرى مصطفى انتشرت بين قيادات الشباب فى الإسكندرية لدرجة أنهم استحلوا الزنا بغير المسلمات !!

◄ بذور التكفير موجودة فى الجماعة منذ البداية فهى كلها “الجيش المسلم” ولدهشته اكتشف أنه هو ذاته أحد أفراد هذا الجيش دون أن يعلم

◄ أذهله التطابق بين تنظيم الإخوان والماسون وكأنهما توأم

حين تسربت روحه إلى جماعة الإخوان باحثًا عن كنزه الأسطورى نسى نفسه.. تلاشى كقطرة ماء تبخرت.. وحين يوم وقعت قطرة الماء من السحابة فتألم.. ومن الألم نبتت الشجرة.. شجرة الكنز.. الذى ظل يبحث عنه لأن الطريق غشيت عينيه.. أنقذته ثورة الروح.. فمن يطلب الحقيقة عليه أن يتحرر من الطريقة.. فكان الخروج نحو كنزه المنشود “قل لا إله إلا الله ثم استقم”.

أدرك أن الجماعة ما هى إلا سلسلة طويلة أشبه بسلسلة العبيد، إلا أنها أشد وأنكى من عبودية “كونتا كنتى”.. فهى عبودية الأجساد والأرواح والأنفس.. أشبه بعبودية “فاوست” الذى باع، برغبته، روحه للشيطان.. ماأقسى أن ترهن روحك للآخرين حتى لو كانوا ملائكة.. كم من العبوديات ترتكب باسم الله.

حسم تردده فى الانسحاب من الجماعة عام 2002 إثر نصيحة صديقه عاطف عواد: ما قيمة الفضيلة إذا لم توجد حرية، الإصلاحيون لا يستطيعون التنفس داخل جماعة “كتم النفس”.. عبد المنعم أبو الفتوح يظن أنه يستطيع الإصلاح ولكن الفريق الذى سرق القطار يقوم بدوره بنجاح.. وأصبح “عبد المنعم” يجلس فى الجماعة بلا عمل، وسيدرك أن قطار الجماعة قد ابتعد ومضى به سارقوه.

خاتمة قصته مع الجماعة كانت فى لقائه الأخير مع مأمون الهضيبى حين صرخ فيه “هل تظن أن دخول الحمام كما الخروج، لن يقولوا خرج واحدًا بل سيقولون صف أعوج، نحن نتحالف مع من يستطيع أن يقربنا من دوائر القرار.. فاستعاذت روحه من الخبث والخبائث وحسم قرار النهاية.

أما البداية فكانت مع أحمد إبراهيم أبو غالى.. أستاذه فى اللغة العربية بالمدرسة الثانوية.. والذى كان سببًا فى دخوله الجماعة من فرط إعجابه به، وشاءت الأقدار أن تنغلق الدائرة ويلتقى به بعد سبعة وعشرين عاما ليصبح شيخه الحكيم الذى اصطحبه إلى بطن الإخوان الواعر.. الممتلئ بالدهاليز.. عالم الأفكار والتنظيمات السرية.. كل ما هو ظاهر غير حقيقى.. إنشقاقات وهمية.. واعتقالات صورية.. وحملات أمنية يبتهج بها الإخوان.. والأسرار لا يعرفها غير الكهنة.. حراس المعبد يتوارثونها جيلا بعد جيل.

“أبو غالى” حفيد الشيخ طنطاوى الجوهرى، وصديق البنا فى طور التكوين، ومن مذكرات جده تتبعا أول الخيط.. الأصول الفكرية لحسن البنا الذى التحق بالطريقة الحصافية الصوفية فى صباه.. وتعلم منها التنظيم والسمع والطاعة.. لم يستهوه طريق العلم والفقه.. بل قطف من كل معرفة زهرة تكون زاده فى طريقه الذى اختاره “صناعة الرجال”.. كانت العلامة الفارقة فى حياة البنا لقاءه مع الشيخ رشيد رضا، والشيخ محب الدين الخطيب، بعد انقلابهما على فكر أستاذهما محمد عبده ومذهبه الحنفى الأشعرى.. وراهنا على “عبد العزيز آل سعود” فى استعادة الخلافة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد أتاتورك، وتبنى كلاهما المذهب الوهابى الحنبلى.. إلا أن حسن البنا راهن على نفسه.. فهو “المهدى” المنتظر الذى سيحقق دولة الخلافة الإسلامية، وسوف تشرق من اليمن.. وما دولة عبد العزيز آل سعود إلا بروفة لدولته العظمى.. وتبلور حلمه حول “الفكرة – والقوة”.. الفكرة هى ذاته صاحب الدعوة.. فلا فرق بين الدعوة والداعى.. والقوة استلهمها من جيش الإخوان الذى استطاع به عبد العزيز آل سعود قهر أعدائه وتوحيد الجزيرة العربية.. وعلى هذا أنشأ جماعته، جماعة الإخوان المسلمين.. إلا أن القوة عند حسن البنا متدرجة فى أطوار ثلاثة.. قوة العقيدة والإيمان.. قوة الجماعة والوحدة والارتباط.. ثم قوة الساعد والسلاح.. ونهى عن استخدام القوة فى مرحلة الاستضعاف.

عندما صرح البنا للشيخ طنطاوى الجوهرى بنيته فى تكوين النظام الخاص، المختص بالعمليات العسكرية، هاله ما يفكر فيه.. وهدده بأنها ستكون الفرقة بينهما: عبد العزيز آل سعود أنشأ دولة من اللا دولة.. فكيف تفكر أن تنشئ دولة فى مصر وهى دولة منذ آلاف السنين.. هل ستنشئ دولة فوق الدولة ؟!

تريث حسن البنا احترامًا للجوهرى ولكنه أنشأ النظام الخاص بطريقة سرية قبل وفاة الجوهرى بشهور قليلة.. وجعل من السيفين شعارًا للجماعة.. ووضع المصحف بين السيفين ثم كلمة قرآنية هى “وأعدوا” وهى التى أصبحت شعارًا لقسم الوحدات فيما بعد.

الحقيقة أن كل القافزين من القطار “الجماعة” ومن انتقدهم وهو داخلهم كانت الفكرة المحركة لذلك هى اقتناعهم بأن التنظيم القطبى والفكر التكفيرى قد سيطر على مقادير الجماعة.. إلا أنه اكتشف أن الأمر كان أخطر من ذلك.

أخذ يقلب فى الكتب باحثا عن جذور التكفير.. حتى وجد كتاب المفكر الإخوانى سعيد حوى “المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين”.. أكد فيه أن مواصفات جماعة المسلمين التى أنشأها شكرى مصطفى، وعرفت بجماعة “التكفير والهجرة”، موجودة فى جماعة الإخوان كما أقامها حسن البنا، وأن بذور التكفير موجودة فى جماعة الإخوان منذ البداية.. بل أن الجماعة كلها هى الجيش المسلم.. ولدهشته اكتشف أنه، هو ذاته، كان أحد أفراد هذا الجيش دون أن يعلم.. فكم تلقى تدريبات رياضية.. سباحة.. كونغ فو.. بنادى الشمس الذى كان يفتح خصيصًا للإخوان ليلاً.. وكم ذهب إلى معسكرات اعتقادًا منه أنها أنشطة للجماعة.. ألم يقل له مصطفى مشهور يومًا: نريدكم أصحاء أقوياء فى يوم التمكين (!).. نواة لجيش مسلم نقهر بكم اليهود.
مصطفى مشهور كان أول من تحمس للشاب الغامض شكرى مصطفى عام 1972.. وزكاه لدى خالد الزعفرانى وهو فى سجنه وقال له “إنه منا”.. وما لبث أن خرج الأخير عليه واتهمه بأنه “خوارجى”.. فقد كان أشدهم تطرفًا وتمسكًا بـ”فقه المعصية”.. فكان أشد العجب بالنسبة له أن يدافع مصطفى مشهور عن شكرى مصطفى عندما قتل الشيخ الذهبى.. وغضبه الشديد من عمر التلمسانى عندما كتب إلى مسئولى الإخوان بالسعودية وقطر والخليج “إحذروا تنظيم العشرات فهم ليسوا من الإخوان، فهم تنظيم سيد قطب من أصحاب الفكر التكفيرى”، وعظم غضبه عندما عرف أن الرسالة تضمنت العديد من الأسماء التى تدين له بالولاء والطاعة، مثل محمود عزت ومحمد بديع وخيرت الشاطر.. كم كانت دهشته عندما دافع “مشهور” عن أفكار شكرى مصطفى التى انتشرت بين قيادات الشباب فى الإسكندرية لدرجة أنهم استحلوا الزنا بالأجنبيات وغير المسلمات (!!)

مصطفى مشهور ذاته هو الذى راجع كتاب حسن البنا “الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ”، وحذف منه كل ما يتعلق بتاريخ “الاسم والشعار”.. وهو ذاته الذى أصبح مرشدًا للجماعة عام 1996 فلا غرابة إذن فى الرابطة الأخوية التى استشعرها بين عامى 1965 و1992.. أما شكرى مصطفى فهو المؤسس الثالث لجماعة الإخوان.. إذن لم يكن “التلمسانى” غير صمام الأمان لهذه الجماعة فى مرحلته كما قال إبراهيم سعدة.

تحدث مع شيخه الحكيم عن البيعة فى النظام الخاص.. واستلفتت نظره السرية التى تتم بها البيعة، كما وصفها أحد كبارهم محمود الصباغ فى كتابه عن النظام الخاص.. كانوا يؤدونها فى غرفة مظلمة.. يقسمون على مصحف ومسدس.. ولم يكن يباح لمن يبايع أن يعرف من بايع.. وتبدأ البيعة بالتذكير بآيات الله التى تحض على القتال وتجعله فرض عين.. وتؤخذ البيعة على الجهاد فى سبيل الله حتى ينتصر الإسلام أو تهلك.. والالتزام بالكتمان والطاعة.

حال أن وقع فى يده كتاب “الأسطورة الماسونية” للكاتب الأمريكى “جى كى” أذهله التطابق بين تنظيم الإخوان والماسون.. وكأنهما توأم افترقا، أحدهما فى أمريكا والآخر فى مصر.. التنظيم الماسونى يشبه من حيث البناء التنظيمى جماعة الإخوان: درجات الانتماء.. أخ مبتدئ، أخ زميل من أهل الصنعة، أخ خبير… وأعلى درجات العضوية فى الماسون هى الأستاذية.. وحسن البنا نفسه استخدم هذه الكلمة للدلالة على أعلى درجة يريدها لتنظيم الإخوان.. وهى درجة الأستاذية.. والمفاجأة كانت الصلة القوية بين شعار الإخوان وشعار الماسون، من حيث الشكل الهندسى، فكلاهما ينتمى إلى “الخاموس”.. خمس نقاط تتصل ببعض.. السيقان المتقاطعان، والمصحف وسط السيفين يشكل المركز.. فهل كان هناك من أراد، عند اختيار حسن البنا شعار جماعته، أن يضع بصمة الماسون (؟!)

استحضر من زاوية مهجورة فى ذاكرته عبارة قرأها عن الشيخ محمد الغزالى “إن المرشد الثانى حسن الهضيبى كان ماسونيًا” (!) عندئذ تلقى العبارة كالصفعة ونبذها.. فالمرء لا يجب أن يرى مكروهًا فيمن يحب.. ولكنه فى رحلة البحث عن الحقيقة وجد مقالات لسيد قطب كتبها فى جريدة “التاج المصرى” التى كانت لسان حال المحفل الماسونى المصرى، وكان محظورًا أن يكتب فيها من هو خارج جمعية الماسون.. وتذكر قول الغزالى فى “ملامح الحق” إن سيد قطب انحرف عن طريق البنا.. وإن المتحاقدين الضعاف من أعضاء مكتب الإرشاد استقدموا رجلاً غريبًا ليتولى قيادته، وأكاد أوقن أن وراء هذا الاستقدام أصابع هيئات سرية عالمية (!!).

انتهى طور “التكوين” وبدأ طور “التمكين” وفق خطة كاملة تعتمد السيطرة على القضاء والإعلام والجيش.. وبدأت مع نقابة المهنيين، ومنها إلى السيطرة على نقابة المحامين التى اعتبرها البعض الزلزال الأعظم لمصر.. ثم نقابة الأطباء.. المهندسين.. وصولاً إلى القضاء.

أما قسم الوحدات، الذى تأسس فى عهد حسن البنا وكان معنيًا بنشاط الإخوان فى الداخلية والجيش ومسئولاً عنه وقتها الصاغ محمد لبيب فلم يتوقف عمله، وبذل إبراهيم شرف، الذى كان ضابطًا بالجيش، جهدًا كبيرًا فى تفعيله حتى عام 1999، فيما كانت الطرق الصوفية بمثابة “حصان طروادة” الذى اختبأ فيه قسم الوحدات بعيدًا عن أعين الأجهزة المخابراتية، وكان العميد حسين الصوفى، صاحب الطريقة الحصافية الذى واتته المنية بعد الخامس والعشرين من يناير 2012، مسئولاً عن أنشطة الجماعة داخل الجيش، بينما كان ضابط سابق بالنيابة العسكرية “أرسلنى له بديع يوماً فى قضية النقابيين”.

توقع مصطفى مشهور أن الجماعة ستصل لحكم مصر عام 2018، فقد قطعوا شوطًا كبيرًا على حد قوله فى “وأعدوا”.. يبدو أن كل شئ أصبح ممهدًا.. حتى الاستقواء بالغرب أنجزه سعد الدين إبراهيم عندما لبى طلب عصام العريان، وهما فى السجن، بالوساطة بين الإخوان وأمريكا.. فلا بأس “من الاستعانة بكافر فى سبيل الوصول إلى الحكم، كما استعان الرسول (ص) بكافر ليدله على الأثر وهو فى هجرته للمدينة (!!)

وبالفعل تطورت العلاقة مع أمريكا.. لقاءات واتفاقات.. و”علمت أن المتفاوضين هم خيرت الشاطر وعصام العريان، وأشخاص آخرون لهم مهام محددة، وأن هذه المعلومات متكتم عليها ولا تناقش فى مكتب الإرشاد، وتم معرفتها من خطاب مجهول لخيرت الشاطر المعروف لديهم بـBig أى الرئيس، أو الكبير أو الهام”.. الخطاب “الكارثى” تضمن تقبل وجود إسرائيل بالمنطقة، وأن تدعم الإدارة الأمريكية التحول الديمقراطى، ويُدفع بحزب للإخوان وتدعيمه خلال عام !! والغريب أنه تضمن ضرورة الحفاظ على الكيان الحاكم، وعدم خلخلته دستوريًا أو شعبيًا (!!)

وقبل الخامس والعشرين بعام ونصف طالعنا وجه د. محمد مرسى مدافعًا عن سيد قطب ضد هجوم القرضاوى فى برنامج “منابر ومدافع” قائلاً: “عشت كتاباته فصارت جزءًا منى… صحيح أن سيد قطب يقول نصوصًا تكفيرية ولكنا لا نراها كذلك، وإذا كان القرضاوى يتقن العربية كما يتقن التركستمانية لعرف أن ما يقوله قطب هو الإسلام”.. فهل بدأ الطور الثالث لجماعة الإخوان.

رغم ولوج الكاتب فى بحر الأسرار الخفية للجماعة، إلا أن المعبد ما زال يحوى الكثير من الأسرار التى استغلقت على فهمه.. وطرحت العديد من الأسئلة فى ذهن القارئ: ما سر اليمن لدى كل من حسن البنا ومصطفى شكرى ؟ ما حقيقة “الماسيوإخوانية” ومتى بدأت ؟ وهل ثمة علاقة بين حسن البنا والبنائين الأحرار وهو الاسم القديم للجماعة الماسونية ؟ هل لم ينزل الإخوان فى أول أيام الثورة عملاً بوصايا “الخطاب المجهول” ؟ ولماذا تصرفوا عكس ذلك وشاركوا بكثافة فيما بعد ؟ وهل لعب “قسم الوحدات” فى الجيش دورًا فى أحداث ميدان التحرير ؟ وهل قسم الوحدات هو “الطرف الثالث” (؟!)

أما السؤال الرئيسى الذى شغل الكاتب فهو: لماذا الإخوان “كاذبون” ؟ والسؤال الأهم: كيف يقنعون مريديهم وهم كاذبون ؟!.. فكانت الإجابة هو استخدام أدوات الفقه فى غير موضعها.. و”فقه الإخوان” يعتمد على قاعدة أساسية تقول”لا حرام فى ضرورة”.. الخلافة فريضة ولابد من الوصول إليها بكل الوسائل حتى لو كانت “مفسدة”.. وهكذا تتسع ضرورات الإخوان أكثر فأكثر.. وتتسع معها خطاياهم.

ثروت الخرباوى أهدى كتابه “سر المعبد” إلى الشهيد المبتسم.. فالشهيد لا يموت.. والشهداء يصعدون بدمائهم المقدسة، التى منحتنا الحرية، إلى سماء الحقيقة المطلقة.. ونحن فى أرض الحقيقة النسبية لا نملك غير الكتابة.. فالكتابة هى الفريضة الغائبة.. “والقلم وما يسطرون”.

 

Advertisements

One response to “ثروت الخرباوى يفضح «سر المعبد»

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s