روح بغداد مكنونة في قلوب العاشقين.. هكذا رأت لطيفة الدليمى فى «سيدات زحل»

فاطمة عبد الله

 

فاطمة عبد الله

كمنجز عبور البرزخ لامرأة في التاسعة والثلاثين من العمر، حملت اسم حياة البابلى، تقدم الكاتبة العراقية لطيفة الدليمى بطلة رواية “سيدات زحل” مؤدية طقسًا صوفيًا تقتبس فيه شهية الفتح, لتحتفى بالجمال كأسمى تجليات الحب, من خلال حيوات أبطال مهمشين بالحرب ولتنازل الكثيرين عن إنسانيتهم, منتظرة بعث “العراقى” وعودته لسابق عهده فى صنع الحضارة وتسابيح الإبداع.

“حياة” في نهار القتل والموتى, ورعب المداهمات تلج سرداب منزلهم، سرداب الرؤيا، مكابدة اضطراب الذاكرة وجنوح المخيلة بالأوهام، فتنعش ذاكرة حبيب وهمي سمته “ناجي”، وجعلته حارس الوعود ومقامات الأمل. وكآتيةٍ من كواليس ألف ليلة وليلة تروى مأساة سيدات زحل الشاهدات انحطاط الرجال وتوحشهم, والباقيات حكاية تروى عن بلاد جنون فوضت الموت ليكون اختزالا أيسر لحيوات النساء.

كان السرداب مخبأ العم الشيخ “قيدار”, حين لاحقوه بتهم الجمعية السرية التي أسسها، وكان منبعاً لأحلامه وفتوحاته الروحانية، واكتشافه أن روح بغداد مكنونة في قلوب العاشقين, لذلك اعتنقت ابنة أخيه “حياة” شعار الحب في زمن الموتى، وجازفت لترتِّق ضياع المعالم في نسيج حكايات تستلهم الخرافة عن التاريخ, وأهل الخلافة والبرابرة وأهل الظرافة، وفي نفس السرداب تلقت “حياة” مؤازرة الموتى ومؤانستهم, لكن حكاياتها ظلت خالية من الأسرار لأنها قصص أناس معروفين وبلادٌ جُعلت مجهولة.

أكثر من ثلاثين كراسة دونتها “حياة” طوال كارثة الحصار وحرب الاحتلال، وكانت تفاجأ باختفاء الأسماء، كلما أنهت واحدة منها فاختلطت الأحداث، لتصبح الحكايات منسوبة للجميع، وظلت تكتب وتكتب حتى غلب التشوش، ولم يعد اختفاء الأسماء يعنيها، فالحكايات لهم جميعا وهم يتداولون الأحزان والمسرات والموت بتبادل مواقعهم، ما يجعل الأسماء ميراثا يتم تقاسمه مع الزوال والنسيان.

الكلمات’ كعباءة من نور، تغطيها، فيشف الجسد في بهجته، وتنتفض الروح في يقظتها، وينهض مدد يقاوم الموت وجنون البلاد، فارضا سؤالا موجعا: “هل يعرف الآخرون من نكون حين نجهل ذواتنا؟ أيمكن أن يعرفنا الآخرون أفضل مما نعرف أنفسنا؟” كهاجس يرغب فى إعادة تشكيل المدينة المحطمة وأناسها المهمشين.

تعريف الذات ممكن في الحب، هذا ما تعتبره لطيفة الدليمي، أما في الحرب فالبشر محض نكرات وأرقام غُفل، بلا ماض ولا مستقبل، ما يغربها عن تملك المعنى وإدراك الكينونة، وفراغ العواطف الإنسانية الجياشة لإنسان الحرب، ويُتم الأحلام المتهاوية, وظمأ القلب، نقلتها لغة الكاتبة لتتخذ فلسفة الحلاج في الحلول مكانها المتميز في الرواية، فحملت البطلة ذاكرة امرأتين: “حياة” و”زبيدة”، وبينهما تماوجت ذاكرات نساء أخر، قصصهن طوفان يصعب التحكم فيه، فتنبض الحكايات مشتبكة بواقعة العشق لتضيء المناطق المعتمة في رأس “حياة” خلال سيرورة الأحداث, فتتطور فكرة الزمن ليستحيل دوامات تلتف حول الأبطال، وأحداثا ماضية تستعاد بين دورات التعاقب، ويعود الحلول ليمسك “ناجى” كشريك عاطفي تخلل حيوات البطلة في تناوب بين عشق وتخلٍ وترحال، واستحال التباساً عنيداً يطارد “حياة” في الصحو والمنام، يحرك طواف ذاكرتها في الأمكنة، كي تقطف ثمار الحكايات من شجر الزمان، رغم زلزلة الملابسات واشتباهها بما تخلفه في الوعي من جراح.

تفاصيل انهيار المجتمع المدني البغدادي هو ما بدقةٍ تضع الكاتبة يدها عليه فاضحةً متاهة الدم التي أفرغت بغداد من الأسماء، ليبدأ انهيار اللغة مع تحريم حراس الفضائل من فوق المنابر تداول الشعر والروايات والقصص، ويتزامن ذلك مع تفجير المكتبات وحرق مخازن الكتب، ما أفقد الناس اللغة اليومية التي كانوا يتحايلون بها على تأويلات حراس الحاكم، لتحل محلها كلمات غريبة يتداولونها من دون أن يعوا طلاسم مدلولاتها.

في دوار الحب، وضجيج الحرب وتشوش الأشياء، لم يعد المُستلبون يملكون براهين لإثبات ذواتهم، فالأسماء لم تعد تدل على معنى أو أحد، هكذا نذرت “حياة” نفسها للكتابة عن الأفول الكبير! ولأن المعنى هو مهبط الأسماء، تعود “حياة” إلى قصص “المنسيين في أضرحة مفتوحة”، كما سماهم “حامد” المدرس الذي بُتر لسانه.

في تدوين ذاكرة المدينة التى تكاد تتلاشى يحتل كتاب الحب موضعا أسمى، فالبطل “ناجي” يرفض جغرافيا الدم التي تُرسم بها المدن العربية على وجه التاريخ الملفق، ويعتبر “حياة” بدأه ومنتهاه، ويسميها المرأة السؤال، الإجابات والتأويل والإحالة، الظل الذي آن له أن يحط في محطة أو ميناء! بالمقابل تعتبر “حياة” أن الحب هو إعادة خلق الزمن والمصير بالأصابع المشتعلة، وليس ارتباط جسدين وحوار روحين فحسب، وإنما هو ميلاد من جسد الحرب، ضوء من حريق الماضي، نفحة من رياض الحقيقة التي غادرت هيولى الحلم إلى التشكل بين أيديهم.

تكشف “حياة”، أثناء رحلة النفس نحو أعماق الداخل، عن جذور بغداد، كصورة المتحققة للجحيم، وكيف استخلصها الخليفة المنصور من أحلام سابقيه، فكانت بغداد مدينة تولد من النار، وتستوجب الأضحية البشرية، ممتثلة بمقتل أبي حنيفة النعمان، وصلب الحلاج اللذين جاهرا بالرأي في بلاد الموت، التي تجعل شعباً كاملا يقيم في هوية القناع.

لطيفة الدليمي عرفت نفسها بـ”كائن له ذاكرة وحلم”، واعتبرت الجمال هو الحب في أعلى تجلياته، هو الحقيقة الوحيدة في الحب والموت، فأن تحب يعني أن تكون شجاعاً لتنجو من كل عقدة أو عقيدة، ولاح في نهاية الرواية ما يشبه الأمل حين التقت “حياة” أقرانها الذين نذروا أنفسهم لحراسة ما آل إليهم من تراث الجمال، وأذكت العبارة البليغة لصديقتها “راوية”: “لن نموت قبل أن يُظهر الحب كراماته في خرابنا” هذا التوجه وأكدته.. وهكذا أنهت روايتها بطواف تخيلي يقودنا في متاهات الشغف، بشاعرية تمتزج بعبق التاريخ ورهان الحاضر على البقاء، تنتقي أسماء أبطالها بذكاء يستجيب لألفة تبدد ظلال اليأس رغم عتبة الفناء المطبق، وتجلى المعنى وفق صور مختلفة تتواءم مع احتضار الإنسان وسقوط الحضارة. 

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s