شاعرية المعرفة فى “قبل أن يعرف البحر اسمه” للقاص محمد الفخرانى

فاطمة عبدالله

فاطمة عبد الله حسن

فى البدء كانت الكلمة وما زالت مُوجِدة مُعرِّفة ومانحة: مُوجدة لوجود، ومُعّرفة بالحياة، ومانحة للأشياء صفاتها وكينوناتها.. والكلمة وسيلة المسافر فى عالم الخيال، يرسم بها لوحات فنية، وقطعاً أدبية، ليعيد تشكيل العالم، ويمنحنا معرفة مغايرة، وهذا ما فعله الكاتب محمد الفخرانى فى مجموعته “قبل أن يعرف البحر اسمه”.. فالكاتب، وإن أفصح عن لعبته الممتعة التى سيمارسها على القارئ وعلى العاَلم المعرفى لديه بقوله فيما قد يعد مدخلاً أو تنويهاً: (لا شئ أجمل من أن تخترع العالم)، إلا أنه أمسك بكل خيوط اللعبة، ونوَّم قارءه بفعل لغة شاعرية محكمة، وقدم له بها اكسير متعة، تجعل المتلقى ينسى هذا التنويه، ويستسيغ الطرح المغاير، ولا يشعر بالكاتب وهو يتلذذ بتأمل وقع ذلك على القارئ، إذ يقول فى “قارب وسحابة” ص 36: (اكتشفت أن من أجمل الأشياء التى يمكن لأحد أن يفعلها أن يتأمل حبيبه أثناء نومه) فما نوَّمنا “الفخرانى” إلا بلغة شاعرة، تجعلك تقبل تراسل الحواس بمتعة شديدة وأنت تقرأ (من أين يأتينى صوت الضوء؟ وإحساس الماء؟ والألوان المسكوبة؟) أو(يرش على الأشياء مرحاً خفيفاً، وشجناً له ملمس شعر خشن)، كما تجعلك تتقبل توسله بالمونتاج المتوازى لغةً تصنع المفارقة، أو الملازمة بين الأشياء، كأن يقول ص 58 (امرأة لها جسم تحبه الحياة، تتوقف وتضع يدها على وسطها، فيضع ثلاثون رجلاً يعملون فى الصحراء الحجارة عن أكتافهم، ويرتاحون بشكل مفاجئ)، وكذا تقبلنا لمنطق خاص تمنحه مخلوقات الكاتب لنفسها، متخذة، مثلا، تقويماً مغايراً يمنحها خصوصية ما أراده لها (وُلدت يوم “الحب فى قلبه” وهو اليوم التاسع من أيام الأسبوع، قبل أن تصدر قوانين بتسميات وتقويمات جديدة وفيه عاش العالم احتفالاً كبيراً من المطر والريح)، أو وهو يمنحنا معرفة مثل: (لا أنام سوى الساعة الوحيدة التى لا يكون الليل والنهار موجودين فيها، حتى لا أفقد منهما دقيقة) ص 96.

والكاتب، إضافة لما سبق، لا يتوقف لحظة عن “منتجة” القارئ، فيقدم له القصة تلو الأخرى، فى متعة تترى، وتتابع جميل، ليفاجئنا ب‘مكانية إيجاد رابط بين قصص تبدو متناثرة أو متواترة فى “حلقة قص” بما يجعلها فى نهاية حلقة من الحلقات المَنتجَة المقصودة، تقوم مقام الفسيفساء.. ففى قصة “البحر” يقول: (وبدأت تظهر كلمات مثل كلمة عميق، ورائحة مثل اليود، وطيور مثل النورس).. لكنه لم يمنح البحر لونه إلا فى قصة “أزرق”.. أو أن يجعلك تُوجِد تسلسلاً مترابطاً بين آخر مقطع فى قصة وبين عنوان القصة التالية له، فيقول فى آخر “أزرق” (أزرق يريد أن يكون وحيداً) ص29 يداعب ص31، و(حياة “ب” تبتسم لأول ثلاثة وترقص مع الرابع)، وهكذا وصف طفل السعادة ص38 بأنه (قلب يرتدى البنفسج) و(منحت الحياة مائة قيثارة) ص54 و(موسيقى متجولة وشارع مغامر) ص55.

فى مرحلة وسطى من “المنتَجَة” يقدم محمد الفخرانى عنواناً لقصة تكتشف بعد قراءتك لها أن العنوان يكاد يكون المقطع الختامى لها لا العنوان!: (دافئة، تستعملها المرأة والعصافير وأسماك النهر، يمكن أن تكون بيتاً أو قارباً أو عشاً على شجرة وتقول أحبك أحبك).

كذلك يقدم جملاً فى قصص تفسر أخرى سابقة عليها، فى قصص أخرى، فيقدم تفسيراً لاختفاء الشمس فى قصة “بحر فى حصان” ص94.

وبحيله الأدبية، يعيد “الفخرانى” تشكيل هوية المخلوقات، أو كما يسميها “الأشياء”، أو لتقل شخوص قصصه، مُبيناً طريقة اكتسابها لكينونتها (ملح الوحدة) ص8، (هوية الغابة والذئب ونار الغابات والنمر) ص 101: 107.. ورغم أنه يقدم ذلك بطريقة مغايرة لِما هو بمثابة الثابت المعرفى لدى القارئ، إلا أنه، وبلغته الشاعرة وبمنطقه الذى يمنحه للأحداث، يجعلك تتقبل هذا التفسير المغاير، وقد لا تناقشه، تحت وطأة المتعة الأدبية، وسَبك المنطقية الذاتية للأشياء والأحداث، كأنه يمسك بكاميرا محمولة يسجل بها الحدث الأول فى الوجود، بما يكاد يشبه وجودها فى عالم المثل لا عالم الماديات (سأشكل العالم من جديد، أتخيله، وأمنحه أصوات، وألواناً، وأشكالاً جديدة، أبتكر للدنيا خطوات وإيقاعات تُفاجئها وتحبها، فتفاجئنى هى أيضاً بإيقاعات جديدة تبتكرها لى وأحبها فوراً).

محمد الفخرانى تؤكد كتاباته القصصية أنه يؤسس لمشروعه الخاص، فيا ليت أعيننا لا تبتعد كثيرا عن خطوه الإبداعى وهو يكمل مسيرة الإمتاع.

Advertisements

4 responses to “شاعرية المعرفة فى “قبل أن يعرف البحر اسمه” للقاص محمد الفخرانى

  1. القاص الفخرانى الصغير له سمات ابداعية خاصة , ولقد نجحت الأستاذة فاطمة فى القاء الضوء النقدى على جانب من تلك السمات فأبدعت , تحية خاصة لكما .

    إعجاب

  2. دورالناقد تضويء النص وتقديه للقارئ فيتلقاه بذائقةجديدةجٍدةالنص ذاته ،وجميل استخدام الناقدة لمصطلح:”مَنْتَجةالقارئ” قاصدةَ أن الكاتب يقوم بعملية مونتاج لتلقّى القارئ واستقباله له

    إعجاب

    • بكلماتك الناقدة ورؤيتك المحللة منحت القارئ رؤية تعينه على خوض غمار التجربة مع المنتج الأدبي بشكل مغاير .. وألقيت الضوء على إبداع جديد له سماته المميزة وعلى قاص نرى أنه يسجل بإبداعه بصمة خاصة ومكانة متميزة .. أبدعت أستاذتي كما أنت دائما .

      إعجاب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s