هيام أحمد طه تكتب: الجهاد بين الإسلاميين من التفكير إلى التكفير

بن لادن

ربما يكون مفهوم الجهاد من أكثر المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً في حياة الشعوب، وغالباً ما يتوقف عليه تطور الشعوب وتقدمها، هذا إذا كانت قادرة على تحديد من هو العدو.. ومن هذا المنطلق يتصور العلمانيون أنفسهم حركة جهادية بدأت في الغرب المسيحي ضد طغيان الكنيسة ورجال الدين، وضد محاكم التفتيش، حين ابتعد الدين عن الناسوت، وبدأ أكثر اقتراباً من الطاغوت، واستطاع الغرب أن يفرق بين مسيحية المسيح، ومسيحية رجال الدين، فأصبحت مقولة مارسيل غوشيه “الخروج من الدين” هي المقولة المعرفية التأسيسية للحداثة، ولا يجب أن تُفسر هذه المقولة على أنها “الخروج على الدين” كما يفهمها البعض، بدليل أن إرهاصات العلمانية قد بدأت بحركة الإصلاح الديني البروتستانتي، وهي العلمنة الدينية، والتي حصرت الدين في المجال الشخصي، ومهدت لعدم وجود تعارض بين الإيمان الديني وقيم الحداثة، وربما ساعدت مقولة غوشيه على بقاء الدين كما أراده المسيح في المجتمع الإنساني الغربي، حيث كان فصل السياسي عن الديني حافظاً لقيم المسيح أكثر من مسيحية العصور القروسطية المظلمة، وإلا ما قال محمد عبده قولته الشهيرة “رأيت في الغرب إسلاماً بلا مسلمين ورأيت في ديار الإسلام مسلمين بلا إسلام”.

هذا عن جهاد العلمانية في الغرب، فماذا عن الجهاد الإسلامي الذي تباينت فيه التفسيرات، وساءت فيه المفاهيم حتى أصبح هناك مسافة كبيرة بين جهاد الأفغاني وجهاد ابن لادن، ما يجعلنا ننظر إلى تطور مفهوم الجهاد عند المسلمين نظرة شك عميقة، تتطلب منا رصد منحنى التدهور بحثاً عن أسبابه.

منذ بداية التاريخ الإسلامي كانت الدعوة للجهاد ترتبط بالدفاع عن البلاد، والزود عنها ضد غزو خارجي يهدد بالنهب والطرد والقتل، أي ترتبط بالدفاع عن النفس، وهو ما يُعرف بالمبادأة، أو رد الباغي والمعتدي، أي لا قتال إلا لمن يبدأ المسلمين بالقتال، نزولاً لقوله تعالى “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” – الآية 190 ، 192 من سورة البقرة- فضلاً عن ارتباطه بالمقابلة، أي رد العدوان بمثله، لا أقل ولا أكثر، أي غير باغٍ ولا معتدٍ، كما يقول تعالى “فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا”- الآية 9 من سورة النساء- ويمكن الرجوع في ذلك للدكتور عبد المعطي بيومي والذي يرى أن الإسلام قد أقر الحرية الدينية لغير المسلمين، بل يذهب لأبعد من ذلك حين يأمر بالإحسان والبر في معاملة غير المسلمين، كما يمكن القول بأن الروح العامة للإسلام تجعلنا نغلّب الرأي بحرية العقيدة، وعدم معاقبة المرتد ما لم يكن معتدياً.

ما يعني أن الجهاد في دولة الرسول كان مرتبطاً برد الاعتداء، سواء كان المعتدون من الكافرين أو المنافقين أو المرتدين، أما غير المعتدين من هؤلاء فليس لهم عقوبة دنيوية.

وإذا كان المعجم العربي الإسلامي قد عرَّف العلمانية بأنها جهاد في سبيل الدنيا، كخيار بديل عن الجهاد في سبيل الآخرة، فإن هذا التعريف لا يبتعد كثيراً عن الجهاد الإسلامي في بداياته الأولى، فما جاء الإسلام إلا لإصلاح أمور الدنيا، ومن صلحت دنياه صلحت آخرته، وكان ورثة هذا المفهوم هم رواد الإصلاح الديني، وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني، الذي نادى بوحدة النوع الإنساني ونبذ التفرقة الدينية، وحطم الحاجز بين الدين والفلسفة، مؤكداً أن الإسلام دين العقل والنظر، وكان الجهاد عنده يعني دفاع المسلمين عن أوطانهم ضد الاستعمار، مركزاً على الطابع الدفاعي لمفهوم القتال، بوصف مفهوم الجهاد أوسع من مفهوم القتال، وهذا ما بينه تلميذه محمد عبده، الذي دعا إلى التأليف بين الأديان ونبذ التعصب، والتكفير، وأنه ليس لأحد بعد الله ورسوله سلطان على عقيدة أحد.

هكذا تبلور مفهوم الجهاد في الفكر الإصلاحي بوصفه نضالاً من أجل الإصلاح، لدى كل من الكواكبي والثعالبي، بوسائل تثقيف العقول وتخليص العقيدة الإسلامية من ربقة الجهل والتعصب.

كان من الممكن أن يحقق الجهاد الإصلاحي دوره في تقدم الشعوب العربية، ما لم تنحرف الدعوة الإصلاحية مع رشيد رضا، الذي يعد بداية تحور مفهوم الجهاد من أجل الإصلاح، إلى الجهاد من أجل السلطة، وهو ما تلقفته جماعة الإخوان المسلمين، وحركات الإسلام السياسي، تلك التي حصرت الإسلام في دارين، دار الإسلام ودار الحرب، وأن على غير المسلمين أن يختاروا بين القتال أو الدخول في الإسلام، ومن ثم أصبح مفهوم الجهاد الآن مرتبطاً بالاعتداء وليس بالدفاع، وبالدمار وليس بالإصلاح.

Advertisements

3 responses to “هيام أحمد طه تكتب: الجهاد بين الإسلاميين من التفكير إلى التكفير

  1. كم نحن فى حاجه لمثل هذه التوضيحات لفهم ما يفعله الاسلام السياسى فى امة الاسلام وتشويه التراث

    إعجاب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s