د. سيد ضيف الله يكتب: سردٌ يليق بسكران

د. سيد ضيف الله

“يليق بسكران” متتالية قصصية صدرت مؤخرًا للقاص المخلص للقصة القصيرة محمد أبو الدهب، والذي صدرت له قبل هذه المتتالية ست مجموعات قصصية بدءا من “أوراق صفراء” في 1997 مرورا بـ”آخر الموتى”، “نصف لحية كثيفة”، “نزهة في المقبرة”، “البر الآخر”، وصولاً لـ”نصوص الأشباح” في 2011.

وتأتي هذه المتتالية “يليق بسكران” تتويجًا لرحلة “أبو الدهب” القصصية في رحاب الموت والموتى، وكأنه في معراج داخلي مستمر داخل نفس بشرية على قيد الحياة لكنها تجد نزهتها في المقبرة باعتبارها الحياة دون قيد.

تختلف تجربة “أبو الدهب” في التعامل مع الموت عن المألوف في التراث السردي العربي، سواء عند الإمام المحاسبي في كتابه “التوهم” أو عند المعري في “رسالة الغفران”، فالمألوف في التراث السردي عن الموت هو التعامل مع الموت باعتباره حكاية مثله مثل الحياة. أما “أبو الدهب” فيتعامل مع الموت بما يليق به باعتباره موتًا للحكاية، ومن ثم وسيلة لتمزيق ثوب الحكاية الذي ترتديه الحياة والمنسوج لنا بإحكام ومع سبق الإصرار ليكون لها معنى.

ليس ثمة وسيلة لعيش الموت باعتباره موتًا للحكاية سوى الدخول في تجربة السُكر، حيث يحضر العقل ليبني حكاية / حياة، ثم يغيب العقل ليهدم بغيابه كل الحكايات وهي قيد البناء، إذ تتداخل الشخوص وتسقط الحدود وتندمج الأجساد وتتبادل الأرواح مواقعها، وتفقد اللغة منطقها. وتلك سمات لسرد يليق بسكران، ومن ثم فلا حكاية يمكنني الإمساك بها وتقديمها في هذه السطور، وإنما شذرات من حكايات متداخلة يقذف بها عقل مخمور وينتقل بينها بخفة تليق به ليس باعتباره راويًا فحسب وإنما باعتباره مرويًا له في آن. فالسُكر وحيدًا سياق سرديٌ يتوحد فيه الراوي والمروي له فيصبح موت الحكاية مؤكدًا بتواطؤ متبادل بينهما.

لا تُبنى الحكاية من شذرات الحكايات، وإنما تُهدم كل الحكايات بالخلط بين شذرات كل الحكايات، وهو ما يفعله “أبو الدهب” بانتقاله من شذرة البيت الذي لن يكون له فيه ولد، لشذرة الرسائل الجنسية عبر المحمول التي لا يأتي رد عليها، أو لشذرة عادة التحليل في عيادات الذكورة والعقم، وتجاور هذه وتلك مع شذرة الطرد من الميكرباص، والانتقال لشذرة الصلاة ركعتين لله خصمًا مما على المخمور من صلوات متأخرة، وتجاور هذا وذاك مع تاريخ الأخصائي الاجتماعي المخمور مع طليقاته وهروبه منه للاندماج بفئة الأدباء، واكتشاف أن الادباء أخصائيون اجتماعيون مخمورون هاربون من زوجاتهم!

إن الثمالة تهدم أيضًا فكرة الوجود المستقل والمتفرد للشخوص من خلال منح المخمور القدرة على إعادة تركيب الأجساد على النحو الذي يروق لرغباته الجسدية والروحية. “قابلت سلوى أولاً، فأدركت – في لحظة – أن نصفها العلوي هو نصف الأنثى، أما الآخر فلأي شئ آخر! (…) بعد خمس دقائق، تقريبًا، دخلت عالية، فكدت أصرخ، قابضًا على نصفها السفلي، المصبوب في بنطلون جينز، سينفجر في أي لحظة، (هذا مسروق من سلوى!) (…) وشطرت جسديهما من الوسط تمامًا وأعطيت نصف سلوى العلوى نصف عالية السفلي لتصير الأنثى الأصلية وأسميتها (سالية)”.

إن القفز بين شذرة وأخرى، والخلط بين جسد وآخر، يتحدد مداه واتجاهه فقط بمدى وصول الراوي لدرجة الثمالة، وكلما أوغل الراوي في الثمالة أوغل في هدم الحكايات وإسقاط الحدود بين الشخوص، حتى لو حاولت هذه الحكايات وتلك الشخوص التسرب إليه قبل الوصول إلى الثمالة. “ورأيت أن لي بيتًا من طابقين، أدخله، وأن لي ولدًا في طابقه العلوي، أهشتكه، ويضحك لي، ولا أعرف له أما، وأن البيت على بحيرة عميقة مظلمة، في مصارينها السحيقة جثث معارفي ترقد منتحرة.. وكنت كلما ارتشفت رشفة، مستنى روح منهم، وزال كل شئ إلا: هذا جسد مقرفص ومقطوع الرأس”.

فالزوال هو المصير والمآل لكل الحكايات والأشياء، وتلك هي الحقيقة التي لا يصمد أمامها سوى حقيقة أن الخمر تمنح المخمور اليقين بأنه لم يمت، بينما هو يرى جسده مقرفصًا مقطوع الرأس. وذلك بقدر ما تمنحه الشك في مجئ أمه إلى الحياة، بينما كان يعيش معها سبعة وثلاثين عامًا. “عشت معها سبعة وثلاثين عامًا، وبعد موتها بشهور، لم أعد موقنًا إن كانت قد خلقت يومًا”.

إن السكران يهدم حكاية الحياة لا ليقيم حكاية الموت وإنما ليكشف لنا أنه اختار الخمر حبًا في الحياة، ورفضًا لأن يتحول لحكاية من حكايات مصاصي الدماء. “أشرب الخمر، وتشربون من دماء بعضكم، بعد أربع ساعات أصير سكرانًا، وتصيرون مصاصي دماء”.

سردٌ يليق بسكران
سردٌ يليق بسكران
Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s