زرادشت.. نبىٌ مات مقتولاً فى المحراب

زرادشت

نديم مصطفى

بأذنيك استمع إلى هذه الحقيقة وبعقلك افهمها وبقلبك يجب أن تحبها.. انهض أيها النائم أيها الغافل أيها الكسول، وانشر كلمات الإله في كل مكان نمت فيه أو صحوت فيه أو أكلت أو شربت.. انهض وقل كلمة الإله ولا تكن أخرس في الحق ولا تكن متهاونا في الخير.. هذه نصيحتي.

(زرادشت)

زرادشت.. هو مؤسس الديانة الزردشتية.. عاش في مناطق أذربيجان وكردستان وإيران، وانتشرت تعاليمه وديانته في مناطق واسعة من وسط آسيا إلى موطنه الاصلي إیران حتى ظهور الإسلام.

اسمه مركب من كلمتين معناها “معاكس الجمل” لأنه كان في صباه يعبث بالجمال، ويذهب البعض إلى أن اسمه يعني “ذهب الصحراء”، ويرى آخرون أن الاسم يعني: “قيادة الجمل”، أو: “الجمل الأصفر”، أو “شوق للجِمَال” أو “رغبة في الجِمَال”.

وُلد زرادشت في مدينة أذربيجان، وكان اسم والده “بوروزهازيو” ووالدته “دوغدما” وهما من قبيلة “سبيتاما”، وحسب الكتابات الزرادشتية التي تتحدث عن معجزة ميلاد زرادشت، فإن والده كان يرعي في الحقل ثم ظهر له شبحان وأعطياه غصنًا من نبات الهوما المقدس، وأمراه أن يقدمه لزوجته، فمزج الغصن مع النبات وشربه هو وزوجته، فحملت زوجته بعد شهور وحلمت بسحابة سوداء أحاطت بيتها وانتزعت طفلها من رحمها وأرادت قتله، ثم صرخت الأم وجاء شعاع من السماء مزق السحابة فاختفت، وظهر من الشعاع شاب يشع بالنور وأعاد الطفل إلى أمه ونبأها بأنه سيكون نبيًا، وحينما ولد الطفل لم يبكِ مثل الأطفال بل ضحك بصوت عالٍ اهتز له البيت الذي كان مليئًا بالنور الإلهي وهربت الأراوح الشريرة.

ثمة أساطير كثيرة تتحدث عما حدث بعد ميلاده، منها أن كبير سحرة إيران “دورسروه” ونائب الملك في المقاطعة سمعا بميلاد النبي الذي سيقضي على السحر والوثنية، فأرسل كبير السحرة ثلاثة سحرة ليحضره إليه في معبد النار، وعندما جاءوا بالطفل وضعوه في النار، ولما عادت والدة الطفل إلى المنزل ولم تجده ذهبت إلى معبد النار لتدعو الآلهة أن ترده، وهناك وجدت ابنها يعبث داخل النار ويلهو فأخذته، ودبَّر كبير السحرة مكيدة أخرى، فأمر السحرة بإحضار الطفل مرة أخرى ووضعه وسط طريق يمر به قطيع كبير من الماشية، ولكن حينما مر القطيع جاءت أول بقرة وقامت بحماية الطفل من بقية القطيع، وعندما جاءت والدته رأته يلهو على الطريق أخذته للمنزل، وفكر كبيرة السحرة بمؤامرة أخرى، فأخذ الطفل ووضعه في جحر ذئاب، إلا أن الذئاب حينما عادت لجحرها سكنت في مكانها، وعجزت عن التحرك، وظهرت عنزتان في الجحر وأرضعتا الطفل.

عندما بلغ زرادشت سن السابعة ذهب ليدرس مع حكيم اسمه “بورزين كوروس”، وظل يدرس معه ثمانى سنين، درس العقيدة والزراعة وتربية المواشي وعلاج المرضى، ثم عاد إلى بلده وارتدى القميص المقدس ولبس الحزام، وهذا كله رمز لتعميده في عقيدة شعبه، وهو في هذه السن غزا التورانيون إيران من الإقليم المجاور، فتطوع زرادشت وذهب إلى ميدان القتال للمساعدة في معالجة جرحى الحرب، وبعد الحرب انتشرت المجاعة في إيران واشتد المرض، فتطوع لخدمة المرضى والمحتاجين، وظل يعمل تطوعيًا لمدة خمس سنين، ثم عاد إلى منزله فطلب منه والده أن يترك عمله التطوعي ويتزوج، فتزوج امرأة اسمها “هافويه” أنجبت له بنتًا وولدين، وواصل عمله التطوعي لمدة عشر سنين أخرى.

بدأت الأسئلة الروحية تدور في ذهن زرادشت، وبدأ يتساءل عن الخير والشر، وتمنى لو أنه يستطيع تحقيق السعادة للناس كلهم.. هنا يوجد خلاف حول سنة نزول الوحي على زرادشت، فالبعض يقول إنه كان في العشرين من عمره، والبعض يقول إنه كان في الثلاثين من عمره، والبعض يقول إنه كان في الأربعين.

عاش زرادشت، الأب المؤسس للزرادشتية، في هضاب آسيا الوسطى في شمال وشرق إيران منذ 628 حتى 551 قبل الميلاد، غير أن بعض الباحثين يقترحون أنه عاش بين 1400 و1200 قبل الميلاد.

انتقلت17  أرجوزة من تعاليمه عبر الأجيال.. تقول بأن على كل شخص أن يختار لنفسه ما بين قوى الخير وقوى الشر.. قلة من صور بقيت لنبى آسيا الوسطى، منها الرسمة الجدارية التي ترجع للقرن الثالث للميلاد، والتي اكتشفت في دورا اوربوس “الصالحية”، وهي موقع متقدم للإمبراطورية البارثية.

ما يؤكده المؤرخون أنه ولد في منطقة صحراء توركمان (تركمانستان حالياً) في شمال شرق إيران.. وبعض المؤرخين يقولون إنه من أصول الأوغوزية، وقسم يقول إن أُم والده آذرية.. وينسب الآذريون زرادشت إليهم ويستدلون بذلك في قصة تخت سليمان ومكان تخت سليمان الموجود في آذربيجان، ولكن هذا الدليل غير قوي.. نعم الديانة زردشتية كانت منتشرة في آسيا الوسطى وأفغانستان وإيران وشمال العراق وحتى سوريا وأكبر دليل على صحة ذلك هو مكان ولادة زرادشت في صحراء توركمان.

زرادشت2

من أجل الحقيقة تُترك الجميلات!!

استأذن زرادشت زوجته “هافويه” في أن يعيش بعيدًا عنها ناسكًا لفترة يفكر في الشر والخير، وانطلق إلى جبل “سابلان”، وعزم ألا يعود لبيته حتى يكتسب الحكمة، وظل هناك وحيدًا يفكر لشهور لعله يجد تفسيرًا للخير والشر، غير أنه لم يهتدِ لشيء، وذات يوم تأمل في غروب الشمس وحلول الظلام بعد النور، وحاول أن يكتشف الحكمة من ذلك، ورأى أن اليوم يتكون من ليل ونهار، نور وظلام، والعالم أيضا يتكون من خير وشر؛ لذلك فالخير لا يمكن أن يصبح شرًا، والشر لا يمكن أن يصبح خيرًا، والكهنة والسحرة الذين يعبدون الأوثان والأصنام لا بد أنهم على خطأ؛ لأن معتقداتهم كانت أن الآلهة والأوثان التي يعبدونها هي آلهة الشر، وأنهم يتقربون إليها اتقاء لشرها، وهم كذلك يتقربون إلى إله الشر ليصنع لهم الخير.

ورأى أن تاريخ العالم يتمثل في الصراع بين الخير، الذي يمثله الإله “أهورامزدا”، والشر الذي يمثله الإله “أهرمان”، وأهورامزدا لا يمكن أن يكون مسئولا عن الشر؛ لأن الشر جوهر، مثله مثل الخير، كما أن هاتين القوتين وجهان للموجود الأول الواحد؛ لذلك لا بد أن يكون بعد الموت حياة أخرى، بعدما ينتصر الإله الأوحد على الشر، عندئذ يُبعث الموتى، ويحيا الناس مرة أخرى، وتنطلق الأرواح الخيرة إلى الجنة، أما روح الشر وأتباعها من الخبثاء فيحترقون في المعدن الملتهب.. عندها يبدأ العالم السعيد الخير الذي لا شر فيه ويدوم سرمديًا.

هكذا ظل زرادشت على جبل سابلان يستوضح أفكاره، فيما أفكاره تخرج في بطء شديد كأنها ولادة متعثرة، وتزعم الأساطير أنه وهو واقف على الجبل رأى نورًا يسطع فوقه، وإذا به “فاهومانا” كبير الملائكة، قد جاء ليقود زرادشت إلى السماء حتى يحظى بشرف لقاء الرب، ويستمع إلى تكليفه بأمر النبوة، فصدع للأمر، ثم قال بعدها: سأنزل إلى الناس، وأقود شعبي باسم أهورامزدا من الظلام إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الشر إلى الخير.

الملائكة تلقنه الحكمة

قرر زرادشت أن يدعو قومه إلى تعاليمه والإيمان بها، واستمر في دعوتهم عشر سنوات، لقي فيها عنتًا واضطهادًا، ولم يؤمن به أحد، وتخلت عنه عشيرته وأسرته، بل طُرد من بلده، فتنقل بين البلاد والأقاليم، إلا أن الناس تجنبوه، وأغلقوا دونه الأبواب؛ لأنه رجل يسب الدين والكهنة، فتطرق اليأس إلى قلبه.. وتزعم الأساطير أن أهورامزدا ظهر له، وأن الملائكة لقنته أصول الحكمة، وحقيقة النار المقدسة، وكثيرًا من الأسرار؛ فبدأت سحابة اليأس المظلمة تنقشع عن قلبه بعدما آمن به ابن عمه “ميتوماه” الذي نصحه أن يدعو المتعلمين من قومه إلى تعاليمه؛ لأن تعاليمه الجديدة صعبة على فهم غير المتعلمين.

زرادشت 3

عالج حصان الملك فأفرج عنه!!

تآمر الكهنة على زرادشت، ودبروا مكيدة له، انتهت بأن أصدر الملك كاشتاسب أمرًا بالقبض عليه وإلقائه في السجن، وأمر الناس أن يعودوا إلى عبادة الآباء والأجداد، ونفض عنه الإيمان بأهورامزدا. وتصادف في ذلك الوقت إصابة جواد الملك بمرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، ولم تنفع دعوات الكهنة للآلهة في شفائه، ولما علم زرادشت أرسل إلى الملك بأنه يستطيع شفاء الجواد شرط أن يعود الملك إلى تعاليمه التي هجرها، ووافق الملك على ذلك، وشُفي الجواد، وصدر الأمر بالإفراج عن زرادشت، وعاد الملك إلى تعاليمه وآمنت المملكة به، وازداد إيمان الملك عندما رأى كثيرًا من المعجزات تتحقق على يد زرادشت، الذي أصبح كبير كهنة الملك في بلاد بلخ بإيران.

يقول الزرادشيتون: “إن كاشتاسب أمر بذبح اثنتي عشرة ألف بقرة، دُبغت جلودها، ورُبطت بخيوط الذهب الخالص، وكُتب عليها بحروف من الذهب جميع تعاليم زرادشت، التي عرفت باسم “الآفيستا”، ويقال إن الإسكندر الأكبر أحرقها عندما فتح فارس عام 330 ق.م، وأن بقايا الأفيستا جمعت بعد ذلك، وتُرجمت إلى اللغة الفارسية، كما أن أقدم مخطوط لهذا الكتاب يعود إلى سنة 1258 ميلادية.

وكان لزرادشت ابنة صغيرة جميلة عاقلة تسمى “بوروكيستا” نالت إعجاب الأسرة المالكة، أعجب بها رئيس الوزراء وتزوجها، وبذلك دعم الرجل مركزه الديني بمصاهرة سياسية، ثم تشجع وحضّ الملك على أن ينشر تعاليم أهورامزدا في كل مكان؛ لذلك أرسل الرسل إلى الممالك والأقاليم المجاورة للدعوة إلى الأفيستا، ووصلت هذه التعاليم إلى جميع أنحاء إيران وإلى اليونان والهند.

جعلوه نبيًّا وجعلوا فلسفته دينًا

هذا هو الملخص تقريبا لمسيرة هذا الرجل؛ فقد بدأ طبيبًا بارعًا، وحكيمًا وفيلسوفًا، حاول الوصول إلى سر الكون بالنظر والتأمل العقلي.. تعرض للاضطهاد في بادئ أمره، ثم لما مرض حصان الملك وعالجه كافأه الملك بأن أذاع نبوته، ونشر عقيدته، ولما تزوج رئيس الوزراء ابنته كافأه بأن فرض ديانته على الشعوب المجاورة.. لكن ما لبثت هذه الشعوب أن قتلته!!

النورانيون يقتلون النبى

ولما بلغ زرادشت ستين سنة رأى أن يفرض الملك تعاليمه على شعب نوران المجاور لإيران، ودارت رحى الحرب بين المملكتين حول عقيدة زرادشت، وبعد معارك رهيبة شرسة انتصر الإيرانيون، وفرضوا عقيدتهم على الشعب المجاور، وأصبح زرادشت بطلا قومياً؛ كلمته قانون، وتعاليمه مقدسة، غير أن العقيدة لا تُفرض على القلوب، ولا تُصَب مبادئها في العقول، والدين اقتناع لا إكراه؛ لذلك كره شعب نوران زرادشت وتعاليمه، ولم يكفوا عن المقاومة طيلة سبعة عشر عامًا، حتى استطاعوا أن يشعلوا نار حرب أخرى كبيرة، والتقى الجمعان في ساحة القتال، أما زرادشت فذهب إلى المعبد مع ثمانين من كبار الكهنة يصلون من أجل أن تنقذ أسوار مدينتهم التي تتهاوى أمام شعب نوران.

وتعالت دعوات زرادشت وهو راكع أمام الناس أن ينقذ شعبه وتعاليمه، غير أن الهزيمة كانت أقوى من الدعوات؛ فدخل النورانيون المعبد، وطعنوا زرادشت في ظهره بحربة، وقتلوا جميع الكهنة، وسالت الدماء في المعبد حتى أطفأت النار.

انتهت حياة زرادشت وهو في السابعة والسبعين من عمره، وانتقم الملك لمقتله بعد ذلك وانتصر على النورانيين، ولم يقبل منهم صلحًا حتى وعدوه باعتناق الزرادشتية.

Advertisements

One response to “زرادشت.. نبىٌ مات مقتولاً فى المحراب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s