فاطمة عبدالله تكتب: تعويذة الصخب فى “الحجرة 13” لـ:هويدا صالح

فاطمة عبد الله + هويدا صالح

مقبض باب يغريك بالفتح والولوج، ولو على استحياء، توقفك ورقة معلقة به تعتقدها ما يشبه: ممنوع الازعاج، أو تدقق لتتاكد “الحجرة 13” فيتداعى للذاكرة كل حجرة ذات رقم: حجرات الغول الـ39 والحجرة الـ40 المحرمة، أو الحجرة 8 للشاعر أمل دنقل، أو الحجرة ذات السرير للمريض رقم 13 للروائى الفلسطينى غسان كنفانى، أو حتى الشهر الثالث عشر فى يوميات بشر الصوفى الحافى لدى صلاح عبد الصبور، لكن الرقم 13 نفسه يجلب رجفةً من الذاكرة الجمعية عنه !! فتضطر أن تتجاوز الأمر لتدلف من باب موارب على الإهداء، باب يتردد بين صرير القطع الحازم فى (بالطبع إلى الكاتب سعيد نوح أبو سعاد ابنتى) وبين الاعتراف والإقرار (ولا طعم الهوى طاب لى).. ليستقر الباب الموارب فى التسليم (هذا فؤادى فامتلك أمره، وانصفه إن أحببت أو فاعذلى).. مما يغريك بالمضى قُدُماً نحو (امراة اللبن الرائب) لتتبع (خطواتها الخمس نحو ممر ضيق) ثم لتستعيد معها (ذكريات قديمة وحديثة لذلك الجسد المريض) وأخيرا تختم رحلتك بالاطلاع على (يوميات أخرى لذات المرأة)، فتتكوَن لك ذاكرة متسقة حول (تعويذة الصخب) التى تصنعها الكاتبة، وأسئلتها فتعود مطمئنا إلى المقبض.. تشد الباب خلفك، حابسا حد المسرة حد الشجن عالما يدور بمهارة كتابية عالية الجودة فى مونتاج متوازٍ بين ما هو ديناميكى جدا وبين ما هو استاتيكى!! فيتردد إيقاع الحكايا فى نص يعتمد على خلخلة لحظة التوتر والتحدث عن: (نساء شغفات) و(روح ضاجة بالحياة).. ديناميكية الحال فى مقابل متتالية تُسقطك فى حيرة السؤال: من الراوية ؟ من المحكىَ عنها، الـ (هى) و(الأنا) أحيانا- ومن الـ (هو) الحاضر الغائب فى تلك المتتالية ؟؟ ومن ثم تشارك الكاتبة لحظة (اللازم واللا رؤية) التى ُتفضى إلى ضجة السؤال وتفجَر الحيوية فى النص، وكأنك تشاركها لحظة استقبال وارد صوفى: فترتجف معها.. تشفَ.. ترقَ وترقى.. وتتخبط أحيانا فى تُرابيَّتك ويصبح للزمن منطق آخر مكتوب فى (خطوات خمس نحو ممر ضيق).

(خطوة أولى): مكتوبة بلغة ذات تورية تُبشَر فى ظاهرها بجنين مُنتظر يتكون (يمتص رحيق روحها) لتصطدم فى آخر سطر بكنه ما يتكون من أورام يكشفها سؤال: (ما الذى سيتبقى من امرأة كانت دوما صاخبة وشغوفة؟).

(خطوة ثانية): وصفتها الكاتبة بأنها (مهمة لاستكمال الكادر).. وهى ترشدنا بذلك العنوان لاستكمال التساؤل عن خريطة لتلك المتتالية القصصية، كخرائط الطرق المؤدية لمكان سرى يُراد استكشافه، وكأن الكاتبة تستحث المتلقى على تقبُل العمل كلا متكاملا فيقرأه متصلا حتى يجيب، بعد إتمام القراءة واستكمال الكادر كله، أو يعرف على الأقل الإجابة عن: (من منهم سيلاحظ انطفاء الرعشة فى صوتها وهى تحكى حكاياتها المدهشة عن نسائها الشغوفات).. وليتساءل القارئ بدوره عن: (هم) الذين يعود عليهم الضمير فى (منهم) و(هى) فى (صوتها) و(هن) فى (نسائها الشغوفات). وعن الراوية الأخرى التى تتشارك بضمير المتكلم فى (الحجرة 13 أورام)، وكأن الكاتبة بهذا الحث تساعد القارئ الدالف إلى العمل، تشاركه فك الطلسم ومعرفة تعويذة المرور.

وهكذا.. ينطبق الأمر نفسه على الثلاث خطوات الأخر ليظل السؤال عاملا مشتركا طوال الرحلة، حيث نادرا ما تخلو لقطة فى هذه المتتالية القصصية من تساؤل أو أكثر: (كيف أواجه جسدى غدا؟) – (كيف أردم حفرتى العميقة داخلى؟) – (هل يستفيق العالم على تحقق المعجزات؟) – (هل تستطيع امرأة تقليل المسافة بينها وبين طريق حلمت بقطعه طوال عمرها فقط لمجرد أن رأت رجلا يجلس إلى مائدتها ويشدها من يدها ليريها عصافير ومطرا ينهمر؟) – (هل مجيئك الآن سيصنع فرقا ولو قليلا؟) – (هل المسافة بيننا قصرت أم أنا التى تخيلت ذلك؟) – (ماذا سيضيرنى لو أنى حكيت لتلك الغريبة عن حياتى التى تمر الآن أمام عينى كشريط سينما، ماذا سيضيرنى لو أمسكت تلك الغريبة بأصابع يدى المرتعشة وقالت: معلش يا بنتى كل الولايا زيك كده مظاليم، ليهم رب اسمه الكريم).

ويظل للسؤال صخب يُحدث جدل وديناميكية البحث عن إجابة، كما تُحمَل الكاتبة بعض الأسئلة صفات نفس الإجابة المنتظرة (هل مجيئك الآن سيصنع فرقا ولو قليلا؟) فكأن إقرار الإجابة هو نفسه عين السؤال !!، ثم لا تلبث أن تُشبِّع السؤال بخاصية أخرى حيث تصنع به “مونتاج” متوازيا بين ديناميكية الحكى / صخب النساء الشغوفات، وبين استاتيكية التذكَر عند الراوية كمونتاج الذئبة الأم وهى تدفع بنيها ص 29، وبين تساؤل الراوية عن ابنتها: (تُرى يا صغيرتى من يدفعك بعد الرحيل ؟).. وبين ديناميكية ما تحكيه العجوز المريضة من لقطات متكاملة مصحوبة بصوت وصورة عن حياتها، فى (بئر مغلق لا يطلع عليه أحد) ص 27، وبين ما تسترجعه الراوية فى صمت بلا بوح (وكأن البوح سيعيبها) وتسترجعه من خلال التساؤل (ماذا سيضيرنى لو حكيت لتلك الغريبة عن حياتى التى تمر الآن أمام عينى كشريط سينما؟).

وسط ذلك تطل (دوزنة على وتر واحد مشدود) تطل كجوهرة عقد تمنح العمل جوهر الكشف عن كُنه روح الكاتبة الذى يبدو شبه غامض فى كلام العجوز كتعويذة مرورها من النفق الضيق البارد: (حين تريدين سيأتى، على أن تكون إرادة قوية حتى يأتى، إنه مختبئ فى عمق روحك، وحين تمتلكين إرادتك بيدك سيتشكل أمام ناظريك) ص 19.

كما يبدو مُفصَلا فى ألفاظ رسالة “الموبايل”: (سعيد وأنا أراك تتفتحين كما زهرة برية، لا تهتمى بالصيغ ولا بالترابط ولا بتحديد المعنى، انتقلى من موضوع لآخر، لأن لحظات البوح قانونها صدق وتحرر بلا ضفاف.. أنتظر هطولك، فقد امتلكت الجوهرى فى الأنوثة، والعميق فى الإنسان، قولى لك دوزنة على وتر وحيد مشدود على قوس تشكل من يقين عندى بأنك ما زلت تصخبين بثراء الأنثى الخلاقة، وما تتصورين أنه قد انسل منكِ ليبقى فى فراغات ذلك المستشفى لم يغادرك قط، بل ازداد عمقا ورسوخا وتعتقا ونضجا فيك. عيونك بوابة، وروحك الأشد حزنا، فى عيونك تسكن روحك. وحين يأتى من يرى روحك الصادقة سترين نفسك فى عيونه جميلة وشهية ومغوية) ص 21.. وكأن كنه روحها يتحقق باستحضار ذلك الـ (هو) من عالم الحلم إلى دنيا الواقع لتقاوم به الفقد!! الـ (هو) الذى يتراءى لها فى الحلم، والتقته روحها على السطوح بين وقود الفرن، والذى تستحضره لتُحدِث به ضخب اللقاء فى حجرتها مع زوجها الذى يدفعها بقسوة، وهو نفسه الـ (هو) الذى التقته على سلم المدرسة، وهو صاحب رسائل التليفون.

نساء شغوفات: كل نساء المتتالية شغوفات للحياة.. المرأة العجوز المريضة التى تقاوم الفقد بالتذكَر.. صفاء ابنة التاسعة التى تقاوم الخوف على أمها بالسؤال: (هل الألم صعب؟).. الأم التى تقاوم فكرة تدنيس شال الاب الأبيض تقاومه بالختان كعرس أول.. الست تركية التى تقاوم العادات السائدة بهروب مع زوجها الخواجة ثم تعود لتقاوم الوحدة بغليون فتمارس عادات بلاد الفرنسيس وبلاد الجنوب مجتمعة.. وابتسام وناهد والتلميذات اللاتى يسعدن بالأولاد.. والصبيِّة التى تسعدها أنامل المصور.. المدرسات اللاتى يفضلن ظل رجل على ظل الوحدة.. والمدرسة التى تحاول تصيد كل مدرس جديد لتفوز به كزوج.

(الحجرة 13).. متتالية من فسيفساء نساء شغوفات يهاجمهن شبح الفقد.. وراوية تتسربل روحها باقتناص روائح من يجرونها حين تمتلئ بهم.. كل تلك الفسيفساء تُشكَل عالما من فضاءات الفقد جمعته الكاتبة هويدا صالح بحرفية لتصنع به صخبا تقاوم به الموت الهادئ.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s