هيام أحمد طه تكتب: يوسف القرضاوى.. حوار اللا حوار !!

يوسف القرضاوي

عندما تُناقش قضايا المرأة مع المفكرين الإسلاميين غالباً ما نجد منهم من يتقدم بآراء تبدو في ظاهرها أقل تشدداً، وكأنها تتسم بالجدة والمعاصرة، إلا أن بمجرد أن يقع فى حوار ما نتبين ما يجويه الخطاب الإسلامى من تناقض وربما تعمد الانفصال بين ما هو ظاهر وما هو باطن.

فى حوار ما سابق للشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وقع الرجل فى تناقضه “المبيَّت”.

عندما سئل عن إمكانية تولي المرأة رئاسة الدولة، ومنصب الإفتاء وعضوية البرلمان، فضلاً عن حقها في التصويت، منطلقاً من رؤيته، التى يدعيها، بأن المرأة كائن “كامل الأهلية”.. يلخص القرضاوي القضية فى أن “مشكلتنا بخصوص قضايا المرأة تكمن في كوننا نقع دائماً بين طرفي الإفراط والتفريط، فهناك من ينظر إلى عمل المرأة، على سبيل المثال، باعتبارها كائناً ناقص الأهلية، ومن ثم فإن عليها أن تقع تحت أسر الرجل حبيسة بين الجدران الأربعة، على أن فريقاً آخر يريد أن يُخرج المرأة من بيتها ومن وظيفتها ومن أولادها، لتذهب يميناً وشمالاً بلا قاعدة ولا ضوابط، وكلا الطرفين مرفوض في نظره لأنه يخالف الموقف الإسلامي، وهو الموقف الوسط المعتدل بين الطغيان والانحسار، وهذا الموقف تمثل في نظره بأن المرأة لها أن تعمل ولكن بشروط وضوابط، لأن الإسلام يقيم أحكامه للمرأة على أمرين أساسيين، الأول احترام الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والله تعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى جنسين لحكمة وليس عبثاً، وأما الأمر الثاني فهو احترام وظيفة كل منهما بناء على هذه الفطرة، حيث لكل منهما وظيفة، فالرجل لا يحمل ولا يلد ولا يُرضع، وكون هذا من وظيفة المرأة فليس من المعقول أن نكلف المرأة بمثل ما نكلف الرجل، وعلى هذا تأتى الضوابط والشروط”.

وهنا نتوقف عند الضوابط والشروط، التي قال بها القرضاوي، فنشير إلى أن الأمرين الأساسيين اللذين قال بهما، هما في حقيقتهما أمر واحد، ينطلق من الفطرة التي يتميز بها كل جنس، إلا أن القرضاوي اعتبر فطرة المرأة هي وظيفتها، وهي رؤية لا تنطبق بحال على قضية المرأة التي يناقشها، وإلا كان للرجل أيضاً وظيفته المنطلقة من فطرته، والتي لم يحددها القرضاوي !!! وإذا كانت الفطرة هي الأقرب إلى الحالة الطبيعية فنحن نجد في مملكة الحيوان، والأمر هنا ليس له علاقة بالمقارنة، ما يخالف رأيه هذا، حيث لكل جنس دوره في ملحمة البقاء، سواء في تكاثر النوع أو في السعي من أجل بقاء هذا النوع، وكل من الذكر والأنثى يسعيان من أجل الرزق وإطعام الصغار.

وعندما تعرض القرضاوي لتقنين عمل المرأة، وعلى الرغم من اعترافه بأن المرأة كائن كامل الأهلية، فإنه لم يضع ضوابط وشروطاً لعمل الرجل، مبرراً هذا بقوله “لا يجوز أن تعمل المرأة في عمل غير مشروع، كما لا يجوز للرجل أن يعمل في عمل غير مشروع، لكن توجد أشياء تجوز للرجل ولا تجوز للمرأة، فلا يجوز أن تعمل راقصة مثلاً ولا يجوز أن تعمل سكرتيرة خاصة لرجل يغلق عليها مكتبًا وتضاء لمبة حمراء، فلا يجوز الدخول لأن خلوة المرأة بالرجل بلا زوج ولا محرم محرمة بيقين وبالإجماع”.

هذا الضابط الذي وضعه القرضاوي يخالف تماماً رأيه بأن المرأة كائن كامل الأهلية استناداً إلى الحديث النبوي ذاته الذي استشهد به، والذي يقول “إنما النساء شقائق الرجال”، كما أنه يتناقض مع المشروعية التي استند إليها أو تعلل بها، لأن الخلوة إذا كانت غير مشروعة للمرأة فإنها تستند على علة تجنب الوقوع في الفحشاء، وعلى هذا تصبح غير مشروعة للرجل أيضاً، بل وتصبح، أعني الخلوة، شرطاً لعمل الرجل تماماً مثل عمل المرأة، وكونه وضعها شرطاً للمرأة فقط يعني ضمناً إجازة الفحشاء للرجل، وقياساً على هذا فإنه لا يجوز للرجل أن يعمل سكرتيراً لمديرة مثلاً، كما أن مفهوم الخلوة الذي يتناوله الشيخ القرضاوي حرفياً ويطبقه على الحياة المعاصرة يصبح بعيداً تماماً عن سياق الحياة المدنية المعاصرة، والمشحونة بكل مظاهر الإيجابيات والسلبيات.. فقد يستلزم عملاً جاداً معقداً مثل عمل سكرتيرة على الكمبيوتر تعمل على كتابة موضوع مهم وبأقصى سرعة على لسان مديرها، قد يستلزم هذا إغلاق باب وعدم وجود آخر، فضلاً عن أن من يريد استغلال الخلوة لفعلٍ فاحش لا يمنعه وجود ثالث أو حتى رابع، وكثيراً ما نسمع باشتراك الجميع في الفاحشة بلا خلوة ولا يحزنون، ما يعني أن الأمر لا يتعلق بالخلوة بقدر ما يتعلق بإرادة الأفراد.

أيضاً لم يتعرض القرضاوي لأعمال أو مهن أخرى تتعرض فيها المرأة للخلوة، مثل العمل كممرضة، أو خادمة على سبيل المثال وليس الحصر، وهذا في حد ذاته يعني أن الاعتراض قائم على نوع العمل، وليس على عمل المرأة عموماً، حيث لا نأبه بالخلوة في الأعمال الدنيا، ولا نسمع عن أي اعتراض إلا إذا تقلدت المرأة وظائف أكثر رقياً ! وكأنه ما زال قيد مقولة “ملك اليمين” أى أن كل من يعمل فى الأعمال االدنيا عبد ملك اليمين له مشروعيته فى نسقه الخاص.

أما عن رأي القرضاوي في جواز أن تدلي المرأة بصوتها في الأمور الانتخابية فقال “إن تكييفي وتصويري للانتخاب وهذا من خمسين سنة وأكثر هو أنه شهادة والرجل يشهد والمرأة تشهد بأن هذا الرجل أصلح من غيره” لم يذكر القرضاوي ما يتعلق بـ “تنصيف” شهادة المرأة في هذا المجال، وهل ستعد صوتاً كاملاً كما هو حادث أم نصف صوت ؟ وفق ما يعتقد الكثيرون بخصوص شهادة المرأة. فهل فى عقود الزواج مثلا يجوز الاعتراف بشهادتين لامرأتين وشهادة رجل ؟!

ولكن وعلى الرغم من حق المرأة في الإدلاء بصوتها، فإن القرضاوي يصرح بأن على المرأة طاعة زوجها أو أبيها إذا منعاها من الإدلاء بصوتها، واعتبر هذا نوعاً من التعارض بين الحقوق الخاصة والحقوق العامة، فإذا أدى هذا التعارض إلى تفاقم يؤدي إلى انهيار الأسرة تصبح طاعة الزوج أو الأب واجبة والإسلام يراعي هذا ! هنا بالضبط لم نفهم ما يعنيه القرضاوي بالحقوق الخاصة، وعما إذا كانت فقط تتمحور حول حق الزوج والأب في منع الزوجة من الإدلاء بصوتها !

من الواضح أن القرضاوي يتحدث هنا عن حقوق المنع وفقط، في الوقت الذي يذهب فيه إلى القول بأن المرأة هي نصف المجتمع، حيث لا ضرر ولا ضرار في الدين، ومن الضرر والضرار أن لا يعطي نصف المجتمع، وربما أكثر من نصفه كما يرى، صوته في الانتخابات.. كما أن أكبر الضرر هو أن يكون هذا النصف، وفقًا لوجهة نظرنا، عليه الطاعة، فيعطي صوته وفقاً لذات القانون، ما يعد ضمناً تزويراً في الانتخابات، لأنه تزوير فى الإرادة الشعبية، وهو أمر نشكو منه كثيراً، بينما نحن نصنعه بأيدينا !

يفاجئنا القرضاوي برأي معاصر وهو جواز تولي المرأة رئاسة الدولة، مبيناً أن الحديث الشريف “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” قيل حادثة عين، أي أنه حديث عام يراد به الخاص، إشارة إلى تولي بنت كسرى بعد وفاة والدها، مؤكداً صلاحية المرأة لرئاسة الدولة، واستشهد بملكة سبأ وحكمتها.. ويبدو أن تراث القرضاوى المعرفى مثل “السوبر ماركت” يأخذ منه ما يفيده فى اللحظة ولكن ليس لديه رؤية قيمية متكاملة ولهذا سنتجاوز عن سقطات التنظير، ونخوض فى رأيه مباشرة وفى المعوقات التى وضعها لتحقيق رأي يدعى أنه رأيه.

فلنا أن نتصور، قياساً على رأيه، وضع امرأة لا يجوز لها أن تدلي بصوتها في الانتخابات من دون طاعة زوجها، ولا تخرج للعمل إذا تعارض ذلك مع إرادة زوجها، أو مع وظيفتها المنزلية، ولا يجوز أن تكون هناك خلوة بينها وبين رجل تحت أي شكل من أشكال المعاملات، لنا أن نتصور كيف يجوز لامرأة حالها هكذا أن تتولى رئاسة الجمهورية ؟ يقيني إن امرأة من هذا النوع، إذا قُدر لها تولي هذا المنصب، مع استحالته، ستكون في الحقيقة فاقدة لكل أهلية وسيكون زوجها هو الذي يحكم فعلياً ! مثلما فكروا هم فى لحظة ما أن يستحضروا “الأخوات” لمناهضة الحركة النسائية وإجهاضها.. محض تزييف للأوراق وتزييف للمشكلات.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s