هيام أحمد طه تكتب: سوسيولوجية الثورات

هيام أحمد طه
في سياق المحاولات البحثية من قبل المؤرخين وأصحاب النظريات وعلماء الاجتماع لفهم ظاهرة “الثورة”، يعد كتاب “سوسيولوجية الثورات”، لصاحبه “أندره ديكوفيل” ترجمة د. خليل الجر، أشبه بمحاولة تحذيرية مبكرة لكل المعنيين بهذا الحقل من خطر الانزلاق وراء التفسيرات المنقوصة، والبحث المبتسر الناتج عن النزعة إلى التوحيد بين “الثورة والمثال”، أو الشغف بإخضاع “الثورة” لمبضع الباحث على منضدة أصحاب المذاهب والنظريات، فضلا عن تجميدها في مفاهيم كلاسيكية جل اهتمامها التمييز بينها وبين مفاهيم أخرى تبدو لباحثيها أقل غموضا, مثل “الثورة والإصلاح”، “الثورة والعنف والعصيان المسلح”، الثورة والتمرد”.. الخ.. باذلين جهدا لا طائل من ورائه لأن “الثورة” من الظواهر الاجتماعية الكلية التي لا يمكن دراستها بمعزل عن سياقها العام، الذي يرتبط في نفس الوقت بطبيعتها الخاصة، وكونها تقع خارج كل هذه المحاولات، ومجالها الحقيقي هو “الدوام”، وفى العلاقة الجدلية بين “المجموعة البشرية” و”التاريخ”, ولا ثمة نموذج لثورة، فكل ثورة تدرك ذاتها في طبيعتها الخاصة فيما هو “يومي ونهائي”، في نفس الوقت فإنها تبدو كلحظة حاضرة أبدية مما يضفى عليها تاريخية خاصة، وبوسعها أن تتبنى سوسيولوجيتها الخاصة بها، كما بوسعها أن تؤمن لها الدعامة العلمية.

وكثيرا ما عمد بعض المؤرخين المناهضين للثورة إلى تشويه المفاهيم الواصفة لطبيعتها مثل “العنف الثوري” فيصورونه على أنه عنف مجرد لا مبرر له، أو عنف همجي وحشي، في حين أن العنف الثوري هو العنف الوحيد المبرر، وهو العنف الذي يملك تحديد ذاته، ويتلخص في هذا التعبير الصيني “لا حرية لأعداء الحرية” ولا يمكن فصل “العنف الثوري” عن جملة الخصائص الأخرى لها، وما تتميز به من عفوية قد تحدث الفوضى، أو طيبة قلب تصل إلى حد السذاجة، أو نبل يصل إلى حد الزهد وبذل النفس من أجل حياة أفضل لأجيال أخرى, ولا يمكن فصله عن “التيقظ” الذي يصل مداه حين يستشعر ضرورة حماية الثورة من مناهضيها, أو اتباع “ديكتاتورية السلامة العامة”، شريطة ارتباطها بما هدفت إليه وليس بأى شيء آخر، والتي تصبح في نفس الوقت جرثومة القضاء على الديكتاتورية في بنيتها الأساسية والقضاء على الثورة المضادة.

وقياسا إلى رأى المفكر هنا آرت “إن النزاع الذى يقسم العالم اليوم والذى يتعلق به أمور كثيرة، تكون الغلبة فيه للذين يفهمون الثورة”، ما يجعل عالم الاجتماع هو رجل الفكر المتمتع بامتياز، حيث أن مجال اختياره يقترن بحجم إسهامه فى الأزمة التى يمر بها مجتمع ما، وحيث أن القضية فى نظره هى قضية النزاع بين حضارة “الحرية” والمقصود حضارة “السوق” وبين حضارة “المساواة”، لابد أن ننتبه إلى علم الاجتماع المسيطر اليوم وهو علم الاجتماع الامريكى! الذى ما زال يعانى من الصدمة الثورية منذ الثورة الروسية عام 1917 وامتدادها فى الغرب الأوروبى, هؤلاء الاجتماعيون المصدومون يمثلون الآن “أكبر مشروع معاصر لمشروع الثورة المضادة”، فإنهم يحدثون انقلابًا دلاليًا للمفاهيم، وبعد عملية تنقية للآراء الثورية من عنفها ولا أخلاقياتها (المزعومة) يحقن بها جسم المجتمع الصناعى بمحقنة عالم الاجتماع المفعمة!

هكذا يبالغون فى التركيز على انحراف النظريات الإنسانية المتعلقة بالسبات الثورى، وانحراف حس الملكية فى علاقات العمل، والسلوك الجنسى، والمواقف الدينية والخلقية والجمالية، إلى حد أن يحدثنا أحدهم وهو “ٍسوروكين “عن الأوهام الثورية ويشبه الثورة بامرأة عاهرة تشوش النظام ألاجتماعى الجليل ممثلا الثورة المعاكسة فى أوضح معانيها.

أحد مهام الكتاب تقديم البرهان على أن الثوره تستعصى على فهم أى باحث أو مؤرخ، ولا بد من الاستعانة بالرؤية الفلسفية لفهم طبيعتها الكلية، فهى كما عبر عنها “ميرلوبنتى” بتحديد بسيط هو “أن الثورة فى نهاية المطاف ليست سوى خلق مجموعة تاريخية.. خلق لا يمكن تبريره ببضع عبارات”، ويضيف “إن الاستيلاء على الباستيل لم يكن سوى اكتشاف لحظة حرية رهيبة مشتركة بواسطة تجمع جديد يقضى بنبذ العقم !”، وهى كما وصفها “سارتر”: “سياق استرجاع جماعى من قبل ناس موجودين فى مشروع وهو المشروع الثورى يصبح رهن التطبيق العملى المشترك لنبذ العقم فى نمط من النظام الجماعى يكون فيه كل واحد هو الآخر، ويمكن استبداله من أى واحد آخر.. يتصف هذا المشروع الثورى بـ”الكلية والتاريخية “وكل من الثورة ومشروعها وجهان لواقع واحد” فالثورة مجمدة فى أبدية مشروعها الذى هو باحتصار “الإنسان”.. مشروع ملازم لتاريخ تحرير البشر من الآلهة والأسياد والبشر أنفسهم ليتحقق الإنسان كاملا سيدا لنفسه وسيدا لهذا العالم.

إن الثورة ليست لحظة خارج التاريخ، أو لحظة توقف فيها التاريخ، بل هى التاريخ .. إنها نسخة التاريخ غير المنظور.. التاريخ الواقعى فى المجتمع الأخوى الذى يتم تجاهله ليمضى التاريخ المنظور فى عنفه وجوره، ولكنه على الرغم من هذا التجاهل يسكن ذاكرة البشر ووجدانهم, ولحظة وعى واحدة بهذا التاريخ تحدث توزيعة جديدة للتاريخ وتبديلا فى الشروط والعلاقات الإنسانية.. والثوريون الحقيقيون يعيشون ملحمة تبدل وجه الإنسان وتحوله من إنسان فرد إلى إنسان كلى.. هذا الإنسان العام هو محمول الثورة وموضوعها.

وغالبا ما تحدث الثورة تبدلا فى أحداث العالم.. تبدل فجائى وعنيف فى السياسة وقيادة الدول، وهى فى مفهومها المجرد عداء للماضى وبحث عن مستفبل جديد.

ومن جانب آخر نتبين خطأ التفسيرات التى تربط بين الثورة والبؤس الشامل, فالبؤس لا يستطيع تفسير التمرد حتى يمكنه تفسير الثورة، بل أن كلا من البؤس المعمم فى البلدان المتخلفة والفقر الرسوبى فى البدان الصناعية يخلفان حالة، ونمط حياة، ونظام قيم غير قادر على المجابهة أو التغيير أو تكوين هذا التوق الجماعى إلى عالم أفضل.

وكما للثورة “مشروع ثورى” للثوره المضاده مشروعها الذى لا يقل جذرية عن المشروع الثورى ولا يقل عنه لبسا وغموضا، ولكن يمكن وصفه بمقولات مختلفة كل الاختلاف، ليس ثمة تاريخية ذات محتوى جديد بل تاريخ تقليدى هو “تاريخ الأقوياء”، وليس ثمة توق إلى الكلية والشمولية بل سلسلة من الأفعال الخاصة لا مبرر لها إلا العودة إلى العالم القديم، وتستمد من الثورة طرائقها، وتستخدم مفرادتها، وتحاول أن تكون صورة مقلوبة منها، وتبذل الجهد فى استمالة القلوب بالإقناع, وإذا فشلت يتكشف وجه العنف والقمع فتظهر حرب العصابات المضادة، والإرهاب المضاد، وتنظيم “الشعب المضاد” واستراتيجية دفاعية مضادة، وفى آخر المطاف هجوم مضاد عام.

وعلى الرغم من هذا التنظيم فى مقابل عفوية الثورة ولا تنظيمها، يتكشف ما فى الثورة المضادة من قلق وضيق ومأساوية، لأنها لا تستطيع خلال وضعها موضع التحقق أن تعطى جوابا أو خيارا مقبولا للمشروع الثورى، وتفشل كل محاولاتها فى أن تحل محل الثورة فى الوجدان الجماعى, ومن المفروض “حقيقة” أن يوكل أمرها إلى التحليل النفسى وليس إلى عالم الاجتماع.

Advertisements

3 responses to “هيام أحمد طه تكتب: سوسيولوجية الثورات

  1. اعتقد ان الثورة الحقيقية لم تقم بعد حتى الان لان مفهوم الثورة هو كسر البيروقراطية وتوصيل مشروع الثورة الى المؤسسات وتحقيق اهداف الثورة اذا لم تم ثورة حتى الان

    إعجاب

  2. هذا عرض لكتاب عميق حاولت عرضه بطربقه بسيطه الى حد ما الا ان راى الكاتب ان الثوره تستمر حتى تحقبق اهدافهامهما طال الوقت او ضلت الطريق وعلى هذا ليست ثمة ثوره ثانيه او ثالثه كل هذا تداعيات للثوره الام

    إعجاب

  3. نفسى اسال كاتبة هذا الكتاب شىء واحد هل ترى ان مستقبل مصر سوف يستقر على هذه الثورة ام ان العدالة الانتقالية سوف تطبق من الاسفل وسوف يقوم الشعب بثورة ثالثة كما زر فى رواية باب الخروج ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

    إعجاب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s