هيام أحمد طه تكتب عن: أسياد العالم الجدد ومن يقاومونهم

هيام أحمد طه على هامش البشرية المتضامنة تقف كائنات ضائعة لا تنتمى إلى أى مدرسة فكرية، ولا تعرف جذورا تاريخية، ولا تعقد تحالفات إلا مع أشباهها.. كائنات ليست من اليمين أو اليسار، وليست من الجنوب أو الشمال، وما من فكر جماعي ترك فيها أثرا مميزًا.. كائنات لا تعرف الكلمة أو الحوار.. بل تمضى لأفعالها في صمت.. ولا تثق بغير غرائزها وليس لديها أي حافز في ما عدا السلطة والمال.. ولا تبنى شيئا.. وتكتسب مرتزقة فى كل مكان.. باختصار.. هم “سادة العالم”.. الوحوش الضارية لرأس المال المعولم الذين اختاروا الإمبراطورية الأمريكية لمواجهة الديمقراطية الكوكبية.. “فهبط النسر” ليقود كوكب البشر نحو ظلامية جديدة تلغى أي مبادرة إنسانية، وأي فعل تاريخي، وتفرض بالضرورة عالما غير قابل للتغيير، وبين القبضة المرئية واليد الخفية لمرتزقتهم تدور أحداث المأساة “الحرب العالمية الرابعة”، ولكنها في هذه المرة ضد أغلبية سكان هذا الكوكب.. ضد “الفقراء”.

ولأن الأمل له دائما مناضلون، وكما استطاع “روسو” في كتاب “العقد الاجتماعي” تقويض وإسقاط شرعية الحكومات المستبدة، يأمل هذا الكتاب إسقاط شرعية قانون السادة.. “سادة العالم الجدد ومن يقاومونهم”، تأليف جاز زنجلر، ترجمة محمد مستجير، والذي يبدأ بتعرية أيديولوجيتهم الخادعة والكشف عن مرتزقتهم وأتباعهم، والتعرف على سر قوتهم وأساليب إغوائهم وسر خلودهم، والكشف عن أقوالهم وأفعالهم وحجم جرائمهم، والأهم من كل ذلك مؤشرات حضورهم.

كما يهدف هذا الكتاب إلى التقديم لمجتمع كوكبي جديد ينبعث من بين أنقاض الدولة القومية التي تم تدميرها أو انتحارها.. فما هي إيديولوجية السادة ؟ إنها “النيوليبرالية” النبيلة كما يدعون، تلك التي تضفى مشروعية على “العولمة” فتنسب نفسها إلى بذور تاريخية للعقيدة الليبرالية التي اعتقدت في تدفق رأس المال الحر كحل وحيد لإسعاد البشر الممثل في سذاجة الاعتقاد بأن المليونير عندما يزيد ثراؤه حتما سيزيد راتب سائقه.

والحقيقة أن “النيوليبرالية” أو “الليبرالية الجديدة” تعرف أن المال يرتبط بالسلطة، وأنه وسيلة للسيطرة، وإرادة السيطرة ليس لها حدود “إما يقتل أو تقتل” to kill or to be killed .. إيديولوجية السادة باختصار هي اتفاقات “جنتل مان” عُقدت طيلة الثمانينيات وصيغت كلها في “توافق واشنطن” عام 1989 م الذى استهدف تصفية كل هيئة أو تنظيم في كل أنحاء الأرض، والتحرير الكامل لكل الأسواق وخصخصة العالم لتفرض حتمية اقتصادية تبدو كل مقاومة لها عبثا.. “الليبرالية الجديدة” هى إيدز العصر الذي يدمر جهاز المناعة للضحايا فتموت متأثرة بأمراضها.

وفى متاهات الحتمية السلعية تنسحق كل حرية وفردية، عندما يشكلون للأفراد احتياجاتهم، فيستبدلون الاحتياجات الأصلية بمتع عابرة، وقناعاتهم الفردية باعتقادات نمطية تشكل عقلية جماهيرية واحدة يسيطر عليها الاهتمام بالأشياء.. فتمتلكها الأشياء.. كائنات هشة ضعيفة معزولة عن بعضها البعض تصبح آلات خادمة لجلاديها.. هكذا تنطلق اليد الخفية لمرتزقة السادة وأتباعهم في كل مكان، ومنها منظمة التجارة الدولية التي تسيطر عليها الشركات عابرة القارات، وتشغل فيها الولايات المتحدة المركز السائد.. فهي ليست مجرد منظمة تجارية بل جهاز بالغ التعقيد يمارس سلطات قسر وعقوبة غير شرعية لأي معارضة.. أكبر آلة حرب في يد السادة.. أما مرتزقة البنك الدولي، وما له من سلطة على كل أنحاء الكوكب، فهو وحده الذي يعطى قروضا للبلدان الأكثر حرمانا، ويعمل بميثاق يستبعد أي مشروطية سياسية، وتسود فيه ديمقراطية من نوع خاص، حيث تصوت الدول الأعضاء، وعددها 182 دولة، كل حسب ثرائه “صوت لكل دولار”، ومن يريد نقودا طازجة عليه خصخصة الصناعات والموارد الأصلية وتصفية المرافق العامة، بداية بالمدارس والمستشفيات، وشفافية الميزانية وتخفيضها.. ولكي تكون الجريمة منظمة وهادئة لابد من التواطؤ مع فساد النخب في الحكومات، ورشوة حكامها، وإصابة مثقفيها بالعمى الإيديولوجى.

تبدأ الحكومات الفاسدة أداء أدوارها بدعوى أن الديمقراطية تشجع المجتمع المدنى على الوجود.. “تحتويه” حتى يؤدى اللعبة المزدوجة، فتنشأ منظمات ومكاتب وجمعيات فى كل مكان ليس لها علاقة بأسمائها.. “مكتب مكافحة الفساد” مهمته جمع المعلومات عن الساخطين و”مناهضى الفساد”.. مهمته التكيف الهيكلي ووضع برامج الخصخصة، وكلاهما يبدآن فى تنفيذ “جريمة تفصيل” لكل دولة بغية تدمير اقتصادها.. تدمير الرعى فى غينيا.. تدمير زراعة الكاكاو فى الأرخبيل.. تدمير الملكية الجماعية للمشايخ فى موريتانيا.. وأثناء كل ذلك لا يتوقفون عن المضي فى التربح وجنى الأموال الملوثة بدماء ضحاياهم.. فى باكستان فتيات صغيرات وصبية ينسجون سجاجيد الحرير التى تباع بأسعار فلكية فى الشانزليزيه وكارناب ونيويورك.. الأصابع الصغيرة وحدها هى التى يمكن أن تعالج خيوط الحرير، ولأن العمل مرهق للعيون يفقد الكثير منهم بصرهم ويتم تسريحهم عميانا فى سن المراهقة.. أما “ورش العرق” فى جزيرة تاهيتى فيقوم عمال وعاملات بالخدمة وطهى اللحم البتلو لكلاب والت ديزنى الشهيرة فى بيوت أعدت خصيصا للكلاب.. بيوت ذات مصابيح للتدفئة ووسائد ناعمة.. ثم ينصرفون للنوم على الأرض، يحلمون بقطعة لحم لا سبيل إليها.

هكذا أصبحت خصخصة العالم مرادفة للقهر والاستبداد والانغلاق الإقليمى للفقراء، وهكذا أيضًا أصبح أغلب العالم الثالث مسجونين فى بلادهم، إما أن يتعرضوا للموت جوعا، أو يخرجوا شحنات بشرية مهاجرة تحتضر فى البحار أو الصحراء قبل الوصول.

ولأن المعارك تبتدع فى الميدان، بدأت حركات كثيرة تتألف فى القارات الخمس لتظهر ملامح مجتمع كوكبى مضاد.. عولمى المطالب والتضامن.. وأصبح يشكل جبهات للمقاومة وجبهات للضمائر الانتقادية، أشهرها “منظمة اتاك”، لاستئصال الأسس الإيديولوجية لمنطق “السادة”، ويدرسون استراتيجية الحرب الجديدة وأهمها: تحطيم صمت السادة.. تطوير أساليب النضال والمعارضة الشديدة لأى مؤشر لتوغل إمبراطورية رأس المال، وتكوين شبكة قادرة على جمع الأفراد وتوحيدهم فى ظروف لا تسمح بالسيطرة أو التقليل من شأن الآخرين، والمحافظة على كل الموارد المرتبطة بتنوع الخبرات ووجهات النظر.. ولأن كفاءة كل مجموعة مرهونة بتجانسها فلا أحد يستطيع أن يهدم عالمًا ما لم يكن لديه ذاكرة جماعية وهوية مؤكدة، ومن أهم إنجازات هذه الجماعات: المسيرة التى نتجت عن الاجتماع الأول للمجتمع الكوكبى الجديد الذى عقد فى سياتل فى الساحل الغربى للولايات المتحدة، نوفمبر 1999، والتى حركها “كريستوف ايجولين” مؤلف كتاب “العالم ملك لنا”، ومسيرة جنوه فى يوليو 2001 ضد قمة مجموعة الثمانية، واشترك فيها مائتا ألف ينتمون إلى 83 دولة وثمانمائة حركة شعبية ونقابة ومنظمة غير حكومية.

يمكن القول إن المجتمع الكوكبى المضاد أصبح قادرًا على تكوين جبهات مقاومة فى كل مكان، وجماعات وحركات بالغة الاختلاف، ولكنهم يجتمعون فى إيديولوجيه واحدة.. وإستراتيجية “خطوة بخطوة”، وأساليب جديدة للنضال، ومن أهم هذه الجبهات جماعات مناهضى العولمة، والحركات العلاجية مثل “منظمة ميا كاميسينا” تضم 100 مليون من الفلاحين والرعاة على مستوى العالم.. و”اتحاد فلاحى فرنسا” و”نقابة الهنود المنهوبين”، ومنظمة “العمال المعدومين فى البرازيل”.. وجبهات مقاومة النساء اللاتى يناضلن ضد التمييز الجنسى، ونجحت فى ضم تحالفات من الخمس قارات اشتركت كلها فى مسيرة واحدة، بالإضافة إلى الشعوب الأصلية للمجتمعات التقليدية ما قبل العولمة، والتى تعمل على بقاء الذاكرة الجماعية فى شكل أعياد وطقوس ولغات وأساطير ومعتقدات، وتقف عقبة ضد التوحيد المعولم، بالإضافة إلى الأفراد المقاومين للتشيؤ وأصحاب فلسفة “كن ذاتك”..

هكذا يرد المجتمع الكوكبى الجديد على تمركز السادة.. مقاومة متعددة الرؤوس تعمل وفق إستراتيجية تعتمد على المقاومة الشرسة الذكية.. تنظم المسيرات الكبرى والمحافل.. وتستخدم بمهارة تكنولوجيا الاتصال، ولا تعطى السادة فرصة لالتقاط الأنفاس.

ومن أهم نجاحاتهم إفشال المؤتمر الوزارى لمنظمة التجارة العالمى عام 1999 الذى تم إزعاجه بتعبئة النقابات والحركات الشعبية المختلفة الأصول، وهكذا أخذ المجتمع الكوكبى الجديد ينظم نفسه، وفى كل مرة يجتمع فيها السادة ومرتزقتهم يأتى رجال ونساء من جميع أنحاء العالم فى تعبئة شبه دائمة، وأحيانا فى نفس الوقت ينظمون فى بلادهم المحافل، ويستولون على الفضاء العام، ويسرقون أجهزة إعلام وصحفيين، جاءوا من أجل السادة، لتوظيف مطالبهم أو عرض مسرحياتهم أو أنشطتهم فى مهرجان ضخم يحق لكل إنسان أن يدخل فيه بابتسامة… وخلف كل محفل عمل إستراتيجى منظم تم التخطيط له قبلها بشهور.

رجال ونساء المجتمع الجديد هم نتاج ذاكرات جماعية متنوعة.. يواجهون مرتزقة متنوعى الوجوه.. يتحدثون بلغات مختلفة.. شبكة الإنترنت تعينهم، والمحافل البديلة توحدهم.. إنهم قوم مسالمون يجمعهم العطاء الذى يتولد من حاسة التمرد والإيمان بالضرورة الأخلاقية لوجود عالم أفضل.. على جناحى حمامة ستأتى الثورة.. ولا ينبغى أن نرى فى ساعة الحرائق سوى أنوارها !.. “سادة العالم الجدد” كتاب أساسى لكل من يؤمن بكرامة الإنسان.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s