فاطمة عبدالله: بين منطقيِّة العلم وحتْميِّة الموت يحضر (العابرون)

 فاطمة عبدالله حسن

إن بعض اللحظات تُقاس عرضاً أو طولاُ، وبعضها يُقاس بالعمق، و(عمق اللحظة) هو ما يميَز هذا العمل الأدبى الذى قد يراه البعض قصة قصيرة استطال حدثها المحصور فى ساعات.. وأراها روائية الشكل شاعرية اللغة والحالة.

المدهش فى رواية (العابرون) للكاتب محمد إبراهيم طه أنها تقع فى مائة وست وستين صفحة من القطع المتوسط، لكنها تضم عوالم تتدافع بحراك درامى عالٍ، فى تنامٍ مطَرد وهدوء مفاجئ!!

نعم تموج هذه الصفحات، القليلة، بحيوات مختلفة.. تتدافع من بين واقع قابل للإزاحة بقوة الذاكرة.. وكان من المألوف، أحياناً، أن تكون اللوحات التشكيلية ذات إلهام أدبى، فيبدع الأديب أو الشاعر مستوحياً من روح اللوحة، وربما أحدث هذه الاستلهامات والإضافات القراءة التشكيلية التى أضافها (دان براون) فى (شفرة دافنشى)، وقد يحدث العكس بأن يستوحى التشكيلى بعض لوحاته من قصائد شعرية، أما الجميل فى (العابرون) أن الرواية تكاد تكون هوامش دالة على تجليات قصيدة (شراب الوصل) للإمام فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبد البرهانى، وهى فى الحقيقة ديوان شعرىَ يضم أربعمائة وثلاثة وعشرين بيتاً.

منذ اللحظة الأولى تأخذك خصوصية الحال.. فالإهداء: (تحضرون دائماً ويغيب الحاضرون).. فالحال له خصوصية التصوف من حيث مصطلح الغياب والحضور وخصوصية الذاكرة التى تستحيى من تشاء وتجعله حاضراً وتزيح من تشاء وتغيّبه.

كذلك انطلاق الكتابة من روح (من ذاق عرف.. ومن عرف غرف) حيث لا يمكن الزعم ببعد الكاتب عن حال الوجد الصوفى.. أما القارئ فيُدرك أن الكاتب ليس مجرد قارئ جيد للصوفية بل يكاد يكون من أهلها أحياناً ومن خاصتهم أحياناً أُخر، فهو يدرك مراتب العارفين، وسبل الانتقال بين هذه المراتب، والحالات والفيوضات المصاحبة.. نراه يقول مثلاً: (أوضح لشيخه مستعيناً بيديه أن ثمة حاجزاً بين الوعى واللاوعى، يمنع المعلومات القديمة والمهملة فى اللاشعور من الاختلاط بالمعلومات والأحداث الحديثة فى الشعور. وأن هذا الحاجز هو الذى يحافظ علينا متزنين، إذ لا يسمح بمرور أحداث من هنا إلى هناك إلا فى نطاق بسيط فى الأحلام أثناء النوم، أو بدرجة كبيرة فى بعض مراحل التخدير الكلى، بينما ينهار تماماً هذا الحاجز فى حالات الجنون وقد يلتئم أحيانًا هذا الحاجز عند بعض المرضى بالعلاج أو بالحجز فى المصحات النفسية، وقد لا يلتئم بالرغم من ذلك.

متنهداً وافقه شيخه تماماً فيما يقول لكن باعتبار ذلك من العلم المكتوب، أما بحسب العلم غير المكتوب، وهو الموهوب من لدن علَام الغيوب، فإن “نعمات” ليست سوى مجذوبة تقف فى دركها الخاص، الذى غيَرته بالأمس، والمجاذيب لا يتركون عادة دركهم الخاص إلا بالموت، أو إذا كان ترتيبا كبيراً سيحدث فى الباطن يستدعى تنقلاتهم. المجاذيب يولون ويُعزلون، يؤدون وظيفة منوطة بهم فى تصريف شئون دركهم، فيمنعون ملاعب الجان، ويخففون ما يحل من بلايا وكوارث عن أهل دركهم، ألا تراهم ممتلئين بالقمل والقاذورات والعاهات!! المجاذيب فى الأصل محبون لم تستوعب قلوبهم الأنوار، فانجذبوا وانفصلوا عن الواقع، وفعلوا ما تراه شاذًا).

هذا المقطع يقدَم تفسيرين يمثلان صراعاً ما بين علم مكتوب وعلم من لدن علَام الغيوب.. وما كان لأحد أن يهديك تفسيراً مشابهاً إلا إن كان عارفاً وذائقاً ومن ثمَ جاءك غارفاً.

الللغة خير الأوعية التى توسَّلها الكاتب فى عمله، فمن خلالها يقدم العالم المرئىَ من مشاهد المداحين، والمترنحين فى (حضرات الِذكر) والجالسين بأشكال غريبة فى أماكن تراها عيناك، وهى نفس الوسيلة التى توسَّلها ليحلل ويبرر ويعلل، فيصحبك معه من سبب لمسب.. من علة لنتيجة.. من ظاهر غياب “نعمات” على أنها بالمستشفى لباطن (حالها) حيث غيَرت (دركها).. يفسر لك ما التبس داخلك، فما تراه على أنه جهل هو درجة من درجات العلم أو درجات الترقّى، وما هذه الملامح سوى المدخل الخاص للمراتب أوالتراتُب.

والكاتب يُؤمِّنك على عهد المحبة الذى ما انفرطت حباته فى هذا العمل إلا بإحكام من يُمسك حبائله بيده.. يُؤمِّنك على العهد فقد أُوتيت غاليا فاحْفظْه، فأنت حين تقرأ لا تستطيع الخروج من الأسر الوجدانى الذى قيَّدك به الكاتب.. تدخل معه الحضرة مشاهداً، فمتواصلاً، حتى تسحبك يده الحريرية لحال آخر، انظر: ص 14: (دمعت عيناه واقترح أن يقيم حضرة. عاونه المنشدون بصوتهم المنغَم فى ضبط إيقاع ألله..ألله.. ألله. مُطَت اللام مطاً شديداً لتخرج الهاء مع نهاية الالتفات لليمين، فتهادت الأجساد فى صَّفىْ البُسط بطيئة.. ثم لم تلبث أن التأمت، فتمايل كل صف كتلة واحدة، فى اتجاه معاكس للصف المقابل، ليصبح اتجاه الصفين – فيما لو انفردا- واحداً. انضبط الإيقاع وتسارع ألله ألله فيما لم يزل الذاكرون فى الظلمة الخافتة بعيونهم المفتوحة بكامل وعيهم: تسارع أكثر. نقراته المحفزة والمتسارعة أدغمت اللامين فى واحدة، ثم أسرعت فلم يعد بالإمكان سوى نطق الألف والهاء، كأنهم يتأوهون، ينحبس هواء الصدور خلف لسان المزمار، ثم يخرج مكتوماً دفعة واحدة، يغدو الذاكر لهاثاً وصعوداً إلى الذرى فتتوارى نقراته فى الخلفية، تغمض العيون، ينبثق الضوء الداخلى، كعود ثقاب يشتعل، يضئ أفقاً أوسع بكثير من مكان الحضرة، تتحرر الأرواح من الأجساد، تتبع الضوء، تسبح فى فضاء وملكوت آخر، وتخف الأجساد، كلٌ حسب مقامه، فيغيبون عن الحضرة الأرضية، يتحررون من سجن الجسد، ويتناهى الِذكر إليهم من بعيد كأنه لأناس خارج هذا الكون حتى تجذبهم يده بخيوط رفيعة إلى الحضرة الأرضية، ليعود وعيهم تدريجياً بالمكان بإيقاعه الهادئ. أنشد قصيدته الفاصلة قبل الطبقة الثانية من الحضرة، انتشوا بالسماع، وتمايلت أجسادهم فى شجن القصائد النورانية، بعضهم يدمع، وبعضهم ينهنه، والآخر يعوى كمن قرصه ثعبان).

هكذا كاتبنا الذى يجعلك تسبح معه فوق سرج (الحصان البنى ذى القوائم البيضاء) فتتفتح لك عوالم من فضة.. من لجين الروح تنسدل.. تدخل معه عالم (أروى وراشد)، (مضحك الملوك)، وتتمثل (علىِّ الدين خادم الملك)، بل لتكاد تتنسَّم رائحة البرتقال.

إن هذه اللغة المنسابة انسياب الحال الوجدانى.. المتصوفة تصوُّف الرقى.. الهابطة لمادية اللحظة.. والمتغيِّرة لتغيُّر الحدث، هى اللغة المغاِيرة التى عبَّر بها الكاتب عن لقاء (الراوى) بـ(عائشة) فى لحظة رآها (عائشة) أخرى.. لتصبح بعد عودتها من أسوان تلك العائشة الأخرى.. (عائشة) العادية التى ساعدها فى إنجاب آخر العنقود.

هى نفس اللغة التى يكتبها مقالا مناسباً لمقام مقصود. مُلْبِساً إياها الحال الذى يريد فتكون مقالاً مناسباً لمقام مقصود. ألم يدهشك استخدامه لهذه اللغة الشعرية الإيحاء والتكثيف، الروائية الوصف والذكر؟ فهو مقصود يكاد يدفعك بلغته إلى اللهاث فى محاولة دعم الراوى فى وقف نزيف (أروى) حتى تكاد تشعر أن الطبيب ليس وحده، إن يدك تحاول أن تمتد لأوراق الرواية لتساعده على دفع الرحم من أسفل ليتمكن الطبيب من تعليق المحاليل.. أو أنك تود اللهاث لإحضار قِرْبة دم رغم رغبتك الجارفة فى الوقوف للاطمئنان على (أروى).

هذه اللغة هى نفسها ما صنع اللهاث.. لهاث الصعود والترقِّى والخلع والتلبُّس والانفراد فى مشهد صعود (أروى) بطبيبها، وتجاوزهما الحُجُب، وانكشاف هذه الحجب أمام الطبيب، إنها لغة السر، أو هى سر العمل الأدبى ها هنا وأكسير حياته.(ص 160-161).

إن هذا الكاتب.. الرائع فى عمله الإضافة.. أظهر كثيراً من المراتب والأسماء والمراحل.. أورد أرقاماً لابد وأن تكون ذات مدلولات.. فهل هى أرقامٌ حقَّةُ يعرفها خاصة المتصوفة؟ أم أنها أرقام يتعارف عليها أهل العلم، أم أنها أُطلِقت على علَّاتها لوضع القارئ فى حال معين؟

(العشرة الكرام البررة، خير الناس الحمزة والعباس، السِبطيْن ذوىْ الإخلاص والصفا.. ومن تناسل منهما.. وعن أختهما السيدة زينب، وعن أمهما السيدة فاطمة الزهراء.. وعن جدتهم السيدة خديجة الكبرى، وعن السيدة عائشة أم المؤمنين، وأربعة خلفاء رسول الله الراشدين، وأربعة أئمة الدين، وأربع سيدات نساء العالمين، وعن الأربعة الأقطاب، وعن السبعة العلماء، وذكر له أهل السلسلة والباقين من المائة وأربعة وعشرين ألفاً من أهل الطرق الصوفية وأهل الديوان) + (ص 125 الأرقام فى رحلة أروى).

كذلك تنقلنا اللغة لحال يكاد يشبه حال أبى بكر الشبلى والحلَاج، وهى حال ذات علاقة ما بالراوى ومُعلِّمه.. مع الفارق فى المكانة.. فيقول الشبلى: (كنت أنا والحلَاج شيئاً واحداً، غير أنه أظهَر وكتمتُ).

فالراوى كلما أظهر.. خرج من الحال حتى قال له معلمه كيف تكون معه وتفكِّر فى سواه؟ فالإظهار عند الصوفية فتْشٌ لسر نزَّله الله على قلب محبوب أخذ عليه عهدَ المحبة، وعهدُ المحبة الكتمان.

غير أن الراوى الطبيب كان أرقَّ من أن يحتمل.. وكانت رُؤاه أدقَّ من أن تُوصَف.. لكنه أحياناً كان يُخطئ تمام الوصف.. ولم يتجلَّد التجلُّد الكافى.. وبالرغم من ذلك كانت روحه أكبر من عقله وهذا هو المأزق الكبير الذى جعل منطقية العلم لا تصمد كثيراً أمام حتمية الموت.. فرغم أنه نجح فى ألف وثلاثمائة وخمسة وثلاثين حالة وُلدن وعشن على يديه، إلا أن حتمية موت ثلاث حالات لـ(نهلة وعزيزة وزينب) ظلت جاثمة على ذاكرة الراوى، وظلت حتمية الموت هى الدافع ليظل الأمل طوال الرواية فى صراع بين الموت والحياة رغبةً فى إنقاذ (أروى) والتى ماتت فى النهاية لتُعلِن بموتها فشلَ العلم أمام سطوة الموت.

إن العابرين كُثُر وحاضرون من عالم الذاكرة حتى غيَّبوا المُقيمين.. فما عدنا ندرك لأى زمن ننتمى.. فكلما سبح الراوى فى عالم الذاكرة نقلنا معه من زمن لآخر.. حتى أصبح هذا التنقُّل السلِس بين الأزمنة هو ما يعطى للرواية دينيماكية الحركة.

الشكر إذن لمحمد ابراهيم طه ذلك الدراماتورجى الجميل والسارد الجميل الذى غاص بنا فى لُجين الروح فعبرنا حاجز الواقع المعيشى للواقع المُراد والمُتخيَّل.

Advertisements

3 responses to “فاطمة عبدالله: بين منطقيِّة العلم وحتْميِّة الموت يحضر (العابرون)

  1. الأستاذة / فاطمة عبد الله في كتبتها عن رواية ( العبرون ) كالطبيب الجراح، القادر على الوصل إلى خلايا النسيج البشري، فقد حددت الخلية الأولى في النسيج السردي للرواية، وبوصف أخر كانت الأستاذة الناقدة ( جواهرجي ) قديرة على فرز وفصل وإبراز جواهر العمل، كانت قادرة على تقيمها وتثمينها. أحسنت أستاذة فاطمة، فقرأتك للعمل كانت قرأة واعية عميقة فاحصة.

    إعجاب

  2. شكرا جزيلا للناقدة المبدعة الأستاذة فاطمة عبد الله، دائما تصيب رؤيتك النقدية كبد الرواية، ودائما ما تسعدني هذه الكتابة الصادقة والمحبة

    إعجاب

  3. كل الشكر لفاطمة عبد الله على إضاءتها لرواية العابرون للصديق الدكتور محمد ابراهيم طه.

    إعجاب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s