هيام أحمد طه تكتب: الإنسان.. ذلك المجهول

هيام أحمد طه

آن الأوان أن نعترف بجهلنا.. وبأن عدم معرفتنا بحقيقة ذواتنا هو سر تعاسة الإنسان المعاصر واغترابه.. هذا الإنسان الذى أصبح غريبًا عن العالم الذى ابتدعه لأنه باختصار نظم دنياه دون معرفة بطبيعته.

“إن حزن الأم التى فقدت ابنها.. وجزع النفس فى الليل البهيم.. وعذاب مريض السرطان.. كلها حقائق واضحة بالرغم من أنها غير قابلة للقياس.

الألم الذى يصيبنا عندما يجرحنا من يحبوننا.. أو عندما يؤذينا دهاء أعدائنا فيهاجمون شعورنا مثلما يقذف الطيارون إحدى المدن بالقنابل.. بالرغم من جهلهم بجبهاتنا التشريحية.. الملاحظات البسيطة لتلك الأمور الواضحة كانت كافية لتثير السؤال عند الإنسان.. ماهيته وكنهه ؟!

وهو السؤال الذى شجن به “هكسلى”، وحاول “أليكس كارليل” الإجابة عليه فى كتابه “الإنسان.. ذلك المجهول” منطلقًا من وجهة نظر علمية بحتة.. ومن خلاصة تجاربه العلمية والحياتية والمهنية كطبيب وعالم، مستهدفًا تنظيم المعلومات التى لدينا عن أنفسنا.. ومن ثم وصف عددًا كبيرًا من الحقائق الأساسية بطريقة مبسطة.. وعمد إلى إبدال الصورة الصبيانية عن الحقيقة بوصف ما هو معروف والاعتراف بما هو مجهول، مستعينًا بمعلوماته عن عدة علوم لأنه وجد الناس فى عصر فتنتهم فيه علوم الجماد حتى أصبحوا لا يدركون أن أجسامهم ومشاعرهم تخضع أيضًا للقوانين الطبيعية، ولكن الفارق أنها قوانين أكثر غموضًا ولم يدركوا أن الجهل بالقوانين التى تحكم طبيعتنا البشرية سيؤدى حتمًا إلى الاعتداء عليها، وأن هذا سوف يعرضهم للجزاء !

أراد “كارليل” أن يحول اهتمام البشرية من الآلات وعالم الجماد إلى الإنسان.. إلى العمليات العقلية والعضوية التى ابتدعت عالم نيوتن وأينشتاين.. ووصف العمليات الميكانيكية الطبيعية والكيماوية المحتجبة وراء تناسق أفكارنا وأفعالنا، متجاوزًا ثنائية النفس والبدن التى يقع فيها الفلاسفة، ومعاديًا نزعة التقسيم والتخصص التى يقع فيها العلماء.. لأن التقسيم ما هو إلا طريقة نبتدعها نحن.. إلا أن الإنسان سيظل غير قابل للرؤية.. وعلينا أن نحرر أنفسنا من كتلة الأوهام والأخطاء والمشاكل الزائفة التى تولى نشرها أو إثارتها نفر من ضعاف العقول ينتسبون للأسف إلى مملكة العلم.. وأن نحرر أنفسنا من الأبحاث عديمة الجدوى، والدراسات عديمة المعنى.. ومن المناهج المعيبة التى تفضل الظواهر البسيطة وتتجاهل الظواهر المعقدة، أو الحقائق غير القابلة للإيضاح.. علينا أن نعترف أن علوم الإنسان ما زالت “تحبو”.. وأن هذا الكم الهائل من المعلومات والتعريفات عن كل جزء من أجزاء الجسم الإنسانى لم تكن غير مجرد آراء لا تزيد عن كونها تركيبات منطقية أنتجها عقلنا ولكنها لا تنطبق على أى كائن ولا تمس أو تفسر أى شئ فى دنيانا الداخلية.

هكذا.. وفى محاولة لفهم الإنسان أراد “أليكس كارليل” الاهتمام بالآراء الفعالة التى تستطيع أن تحدد ما يحتاجه الإنسان العصرى.. ويرى أن ما يحتاجه الإنسان المعاصر الآن هو: التوازن العقلى، وقوة الأعصاب، وأصالة الحكم، والشجاعة البدنية والأدبية، وقوة الاحتمال.. وعلى هذا يجب بداية أن نفهم ما يحيط بنا.. وكيف يتعرض الشعور للهجوم.. وفهم طبيعة أجسامنا.. فالجسم الإنسانى يقاوم العالم الكونى بقوة أكثر مما يقاوم بها العالم النفسى.. فهو محمى ضد غارات أعدائه الطبيعية والكيميائية بواسطة الجلد والأغشية المخاطية.. أما حدود العقل والشعور فهى مفتوحة تمامًا ومن ثم تتعرض دائمًا للهجوم.. وتبعًا لطبيعة هذا الهجوم ينمو العقل إما بطريقة طبيعية أو ناقصة.. وفيما يبدو أن الحضارة بالطريقة العصرية عاجزة عن إنجاب موهوبين من ناحية الخيال والذكاء والشجاعة.. ففى كل بلد أصبح هناك تناقض مستمر فى المستوى العقلى والأدبى لأولئك المسئولين عن الشئون العامة.. كما أن الذين اهتموا بتنظيم الحياة الصناعية أهملوا تأثير ذلك على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال.. وأصبحت الصناعة العصرية الآن تقوم على مبدأ الحد الأقصى من الإنتاج بأقل التكاليف.. حتى يستطيع فرد واحد أن يحصل على أكبر قدر من المال.. والذين يهتمون بالتخطيط للمدن الكبرى وبناء العمارات الضخمة وناطحات السحاب، بينما تمتلئ شوارعها برائحة البترول، لم يقيموا وزنًا لخير ساكنيها.. والإعلانات التجارية التى جعلت من المنتجات الضارة منتجات ضرورية.. ويكفى أن نتأمل ما أوهمت الدعاية به الجمهور بأن الخبز الأبيض أفضل من الخبز الأسمر، فأصبح لابد أن ينخل الدقيق مرة بعد أخرى ليتجرد من عناصره الغذائية النافعة.. لا لشئ سوى أن هذا يسمح بالاحتفاظ به فترات طويلة كما يسهل صناعته، ولا مانع أن تدخل العناصر الغذائية فى منتجات أخرى تجلب ربحًا أكبر!!

يرى “كارليل” أن مشكلة الصحة العقلية هى أهم المشاكل التى يواجهها المجتمع العصرى.. حيث تشير الإحصائيات إلى أن المصحات العقلية بنيويورك الآن تستقبل فى كل عام 86 ألف حالة جديدة.. وأن هذا المعدل إذا استمر فإن حوالى مليون من الأطفال والشباب الذين يذهبون إلى المدارس سوف يدخلون المصحات العقلية إن عاجلاً أو آجلاً.
فى المقابل يشير إلى أن الطبقة الغبية آخذة فى الازدياد لأن البرامج السخيفة التى توضع بالمدارس وبرامج التسلية العامة تناهض نمو العقل والشعور.. كما أن البيئة الاجتماعية ووسائل الإعلام صنعت للأطفال أبطالاً من أثرياء رجال العصابات.. أما رجال الدين فقد جعلوا الدين شبيهًا بـ”التموين”.. فهم عبثًا يعظون أصحاب الأخلاق الضعيفة، ولكنهم يساعدون الأغنياء لكى يحافظوا على إطار المجتمع.. بينما أولئك الذين يميزون الخير من الشر، ورجال العلم ذوو النظرة البعيدة، والفنانون والأدباء الذين يزودون المجتمع بالصحة والجمال، أصبح ينظر إليهم بضيق وتأفف، ويعيشون ويموتون فقراء.

“الإنسان.. ذلك المجهول” كتاب يهم كل من يبحث عن فكرة أخرى للتقدم البشرى.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s