أشرف الجمّال يقرأ “ماكينة الأحلام”

أيمن عامر
(ماكينة الأحلام) مجموعة قصصية للقاص المصري أيمن عامر.. صدرت عن دار النسيم.. وهي من المجموعات القليلة التي تثير في القارئ إحساسا بالدهشة الجمالية.. تلك الدهشة التي تعني بالنسبة لي إحداث تغيير في طريقة رؤيتنا للعالم وإعادة إنتاج تصوراتنا عن الأشياء.. ولا يمكن أن تلقي هذه المجموعة حجرا في بحيرة الروح لتحرك ماءها الكاسد إلا إذا كانت تملك من الأدوات الفنية ما يمكنها من غايتها.. وبقراءة قصص المجموعة ومنها (النفق – المنتظر- حزمة جرجير – السفينة – ماكينة الأحلام – مادة لزجة خضراء – واقعة الظلال – الدراجة) لاحظت أن من أبرز ما يميز التعبير القصصي عند أيمن عامر هو اعتماده على التعبير بالصورة الرمزية بحيث يمكن القول إن الصورة الرمزية هي المفتاح الذي يمكن من خلاله الولوج إلى الرؤية والتحليل الجمالي لأدوات القص عنده.. حيث تمثل القصة عند الكاتب لوحة فنية كلية يتخللها لوحات صغرى تتفاعل في دينامية قصصية مرهونة بالزمان والمكان لتشكل المقصود القصصي والمحتوى الدلالي فينفتح من خلال الرمز – الذي هو بمثابة وسيط استاطيقي بين عالم المادة وعالم الأخيلة – عالم القص لديه برحابة الدلالة المعرفية والجمالية غير الأحادية التي تسمح بقراءات عدة للنص ولا تحصره، إذ أن لغة الرمز تلمّح ولا تصرّح, تشير ولا تقرر, تخاطب روح المعنى ولا تؤطر لجسد اللفظ.. فالرمز لدى أيمن عامر هو وسيلة لنقل المدركات العميقة من (اللاوعي) إلى (الوعي) لأن اللغة التقريرية تقف عاجزة عن رصد البنى الشعورية الموغلة في اللاشعور، وبهذا فإن أيمن عامر يفتح أفقا غير سلطوي للفهم بحيث لا يكون القاص بمثابة النبي المرشد الذي يقدم أطروحته المعرفية باعتبارها يقينا مضاء، وإنما هو واحد من منظومة الوجود يعبر عن نفسه في انكسار عقلي كجزء من معادلة المعرفة الإنسانية المأزومة التي تقبل التساؤل والشك والحيرة.. ومن خلال عالم الرموز واللغة المجازية تتجلى جزئيات العالم المحسوس لدى أيمن عامر باعتبارها أقنعة للتعبير عن الأفكار المجردة في إعادة تشكيل لمفرداتها بحيث يمكن إنتاج تصورات عن العالم مغايرة للتصورات النمطية للوجود والأشياء.

وهنا تتدفق دراما القصة من خلال السرد والوصف، ليس فقط عبر تنامي الحدث وإنما عن طريق إثارة الرمز للمكنون التراثي المجازي والأسطوري (العفاريت – الديناصورات – الرّخ – الحيوانات المنقرضة – الضفادع المتناسلة) الضارب بجذوره في أعماق الذاكرة الجمعية للمتلقي الافتراضي، من أجل تحقيق وثبة شعورية داخل القارئ تحدثها فلاشات الصورة وليس الحدث في تناميه التقليدي.. فاللغة الرمزية هي أنسب لغة للتعبير عن الحلم واللامعقول والميتافيزيقي وما يمس تابوهات الدين والجنس والسياسة.. حيث تسمح بمساحة من الحرية والحركة غير المقيدة.. كما أنها تفقد الأشياء معقوليتها النمطية والمسطحة لقاء معقولية أكثر عمقا وأشد فرادة تكتسب في عالم اللاشعور الفرويدي، بحيث يكون اللاوعي شريكا أصيلا وفاعلا في إنتاج الوعي.. إن الحلم عند أيمن عامر واقع غير مرئي، والغائب حاضر، والطقس حركة داخل الكمون.. إننا أمام قاص يجيد حياكة المستتر ونحت غير المعلن, يتلاعب باللغة المجازية ليمنح قصصه مذاق الأسطورة ومرونة الحلم وأفقه الرحب لتجلي الدلالة عبر الزمان والمكان اللذين يشكلان فضاء القصة, وهما خطان وهميان يمثلان مسرحا افتراضيا داخل نصوص أدبية ذات طابع مجازي يلزمك بصيرة وذائقة جمالية لتقتحم خصوصيته، وتدرك الفوارق الفاصلة بين الحاضر غير المقصود والغائب المقصود. فاللغة عند الكاتب لغة مراوغة تتلوى كي لا تقع حبيسة شراك النمطي.. تتخطي وظيفتها الاتصالية لتفجؤ مكمن الشعوري والفني.. ترواغ في مسرح الظاهر الشعوري لتستدعي ما وراء الظاهر.. تتمرد لكسر الدلالة المعرفية لصنع دلالتها الجمالية.. تستمد مشروعية المعنى من معقولية بنائها النحوي فلا حذف ولا تقديم ولا استتار ولا إحالة.. ولكنها تصنع لا معقوليتها من رمزيتها وتواجدها المجازي في جسد الحكاية.

لهذا فإنك تجد نفسك كقارئ أمام شكل غير نمطي في الكتابة يصعب التعامل معه بالأدوات النمطية، فتارة يستخدم الكاتب الطريقة التقليدية للحكاية (انظر: النفق – حزمة جرجير) وتمتاز باتباعها التطور السببي المنطقي، حيث يتدرج القاص بحدثه من المقدمة إلى العقدة فالنهاية, وتارة يشرع فيها بعرض حدث قصته من لحظة التأزم، أو “العقدة”، ثم يعود إلى الماضي أو إلى الخلف ليروي بداية حدث قصته. مستعيناً في ذلك ببعض الفنيات والأساليب كتيار اللاشعور والمناجاة والذكريات (الدراجة – واقعة الظلال) وقد يلجأ القاص إلى سرد الأحداث بلسان شخصية من شخصيات قصته، مستخدماً ضمير المتكلم (المنتظر) ويقدم الشخصيات من خلال وجهة نظره الخاصة، فيحللها تحليلاً نفسياً، متقمصاً شخصية البطل, وأحيانا يلجأ إلى طريقة السرد المباشر وفيها يقدم الكاتب الأحداث في صيغة ضمير الغائب، يحلل شخصياته، وأفعالها تحليلاً دقيقاً وعميقاً دون قيود، بحيث يصعب تفسير التجربة بأنها ذاتية وإنما هي من صميم الإنشاء الفني) .انظر: السفينة – ماكينة الأحلام).

ويعتمد القاص في بناء الحبكة على الشخصيات وما يصدر عنها من أفعال، وما يجول في قلوبها من عواطف، ولا يجيء الحدث هنا لذاته، بل لتفسير الشخصيات التي تسيطر على الأحداث، حسب ردود أفعالها وآرائها وتوجهاتها العاطفية والعقلية, لذلك فإن الشخصية عند الكاتب مجرد علامة أو أيقونة ليست مقصودة في ذاتها وإنما هي في ديمومة النص وسريانه بمثابة نقطة إسقاط.. رمز.. قيمة مدركة لمضمون.. بحيث يمكن إحلال القيمة والمضمون محل الشخصية.

(شخصية الحكيم في النفق – الأم في المنتظر – العمدة في المعزى البوليسية– والحلاق في حزمة جرجير – الصديق في الدراجة) فلا نجد القاص يسمي شخصياته، وقليلا ما يرسم ملامحها الجسدية وإنما يكتفي بحضورها النفسي والعاطفي وتجليها الفكري ليصنع منها فكرة مشحونة في صورة إنسان، تتحرك وتومض النص، وتؤدي دورها الوظيفي على مستوى الحدث القصصي إلى جانب دورها التأثيري الجمالي في المتلقي.

وإذا كانت القصة القصيرة هي (فن الشخصية) فإن الشخصية لا يكون لها معنى إلا في حضور صراع.. ويأخذ الصراع عند الكاتب أشكالا كثيرة وأبرز أنواع الصراع لديه هو (الصراع الذهني) انطلاقا من رؤيته الفنية المشغولة بقضايا الوجود والمعرفة، وقناعاته بنسبية المعرفة وإشكالية تفسير العالم (النفق) وانطماس إرادة الفرد أمام عماء وجبرية المادة (السفينة – المنتظر) واستلاب الهوية (حزمة جرجير – المعزى البوليسية) والإحساس بالعدمية وسيادة الفوضى.

وانتصار الموت (مادة لزجة خضراء- واقعة الظلال).. ولكن تحت ستار هذا الصراع الرئيس تتلوى أشكال صغرى من الصراع هي سر توهج القصة فنيا.. فثمة صراع بين اللغة الاتصالية التي تقرر المعنى ولغة المجاز التي تأبى تقييده.. بين الحنين إلى إثبات الذات والحرية.. وبين جبرية المادة وانعدام الجزء في الكل والذات في الموضوع.. وهناك صراع يشكله الأفق الزماني للقص بين الماضي بما يمثله من قاعدية وسلطة فرض قدرية لا تسمح بالتغيير، وبين الحاضر بما يمثله من حرارة للفعل والحركة الحرة ووجود للذات الفاعلة حتى وإن كان وجودا متخيلا أو متوهما.

أما المكان فهو يمثل مسرح الصراع، وقد دار أغلبه في محيط مجتمع القرية المصرية بما يمثله من صورة بكر للوجود والهوية في نقائها بحيث يظهر عليها جليا أثر التشوه والسلب الوجودي وسرقة الهوية والتحول من الوجد إلى الفقد والحياة إلى الموت.. إن التحولات الدينامية التي رصدها القاص في مجتمع القرية المصرية تمثل جرحا فنيا ينكأ ذائقة المتلقي ليعرف كم تكبد الوعي والذات من خسائر فادحة بفعل الغزو والاستغلال الثقافي والعبودية للدخيل على الوعي والغريزي والفطري للإنسان.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s