رضوان آدم يكتب.. سمسمية

رضوان آدم
عندما كنت صغيرًا، سألت أمي، مرّات، عن الموت، ولا ترد. ولما زاد الأمر عن حده في القرية، تغير موقفها. مات أربعة رجال دفعة واحدة في حادثة سير، في العراق (منتصف الثمانينيات)، ذهبت، لأول مرة، برفقتها إلى حلقة عَديد في بيت إحدى الزوجات المنكوبات. كان زوجها ضخم الجثة، وأسنانه تؤكد أنه من أكلة لحوم البشر، وهذا حفزني لسؤالها، وعدم سؤالها. اسم المرأة لا يهم كثيرًا، لأنها تضحك الآن، وتتابع قنوات روتانا، وباسم يوسف، ونسّيت تقريبًا تفاصيل الحدوتة. كانت ملامحها شامية. بيضاء وممتلئة، لكن بطنها كانت كبيرة بأحد أبنائها الذي يعمل الآن في السعودية محاسبًا في شركة مقاولات، ويتفادى ركوب السيارات لأنني حكيت له، طفلا في الخامسة، أساطير عن العفاريت الموجودة بالسيارات. لما رأتني أمه أهرب من حِجر أمي (ست سنوات تقريبًا)، احتضنتني، وقبلت جبهتي، فشعرت بسخونة غير عادية، لكنني ضحكت، وهي ضحكت، وأمي ضحكت، وباقي فريق النسوة كان يولول على الجمل الذي بَرَك. لا أعرف لماذا ضحكن، وأنا لم أسألهن، ولو فعلت، لضحكن أكثر. اكتفيت أنا بالنظر في وجه أمي. كانت روحها مرتاحة لأنني لن أطاردها بأسئلتي. اكتفيت بمسح دموع الخالة التي انفرجت أساريرها، وعدت لأمي، لكن جلست إلى جوارها، استمتع بنقاش النسوة عن الطبيخ، والبطاطس. تحدثن فجأة عن العروس الفقرية التي تأخر زواجها، من الشاب العائد من السعودية. أمي اقترحت أن تتزوج الفتاة بعد القطعية (ختام أيام العزاء)، بشهر. سكتت النسوة، وهللت أنا. كان النور مقطوعا منذ الفجر. قبل أن يتناوبن تحليل الموقف، زعقت أمي بوجهي: “اتلِحد، وبطل ضَج”. بعد ساعة بالضبط. بعد أن غادرت نسوة غريبات العزاء، فُتحت الجلسة للتنكيت والضحك حتى الدموع. بدأت الفقرة الثانية، بالعروس العِفشة، وشعرها المكتكِت “الخشن”، ووجهها الذي يشبه كرنيف النخل. أصواتهن كانت قريبة من المندرة الجوانية، لذا أغلقن الباب، وجهزن طبيخا قارفا (من دون لحم) وأكلت معهن. كان في جيبي لوح من السمسمية، اشتريته بخمسة قروش. قضمت جزءا في السر، وأعدت البقية إلى سيّالة جلبابي. جريمة. الحلوى ممنوعة على الكبار في المآتم، ويجدر بي أن أشم الموقف. بعد سنوات طويلة (قبل عامين) قابلت الخالة التي لم أذكر اسمها، فسألتني عن أحوالي كثيرًا، وعن الثورة. لم تنس أن تحذرني للمرة السابعة والتسعين بعد الألف: “خلي بالك من عربيات مصر يا وليدي، سريعة، وواعرة، زي عربيات العراق. فاكرها؟”.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s