هيام أحمد طه تقرأ “تربية المقهورين”

هيام أحمد طه

من شمال شرق البرازيل انطلق فكر المعلم “باولو فرايرى” ليعم قارة بأسرها، محدثا ثورة ليس فى مجال تعليم الكبار فحسب بل فى مجال النضال من أجل التقدم الإنسانى.

ومن هنا تكمن خطورة كتابه “تعليم المقهورين” فى أنه تعبير أصيل عن تجربة إنسانية معاشة, وعن رؤية حقيقية لاحتياجات المقهورين فى عالم تتعدد فيه صور الاستلاب.

راهن “فرايرى” على كيفية أن يصبح التعليم أداة للتحرر، فضلا عن كيفية أن يمتلك البشر بالتعليم وسائل تغيير العالم.

“تعليم المقهورين” لابد وأن يعتمد على فهم حقيقى لمعنى الاستلاب الذى يتعرض له كل من القاهر والمقهور، بوصف القهر استلابا لإنسانية كليهما.

تعليم المقهورين لدى فرايرى هو الأداة النقدية التى تكشف للمقهورين حقيقة أنفسهم وحقيقة قاهريهم.

ورأى أن علاقة المقهور بالقاهر تتسم بالتناقض والتواطؤ فى آن، ومن أجل فهم ذلك فإنه يعالج فكرة “الخوف من الحرية” التى تصيب المقهور وتقذف به إلى ثقافة الصمت.. وهى الثقافة التى تعمل النظم التعليمية على تكريسها، وتعمد لاستمرارها وهو ما يصب فى صالح القاهر.

ثمة تأكيد على أن القاهر يمعن فى الامتلاك والسيطرة، بينما يشعر المقهور بشئ من التوافق مع قاهره، حتى أنه يقلده كلما سنحت الفرصة، فإذا بالمقهور يمارس اضطهاده على من هم أدنى.

“فرايرى” إذن على يقين من أن المقهور يثق فى من يفوقه قدرة وعلما، ومن ثم فهو ينجذب عاطفيا لقاهره بوصفه تجسيدا لرجولته الضائعة.. ومن ثم تصبح صورة الإنسان فى مخيلته هى صورة القاهر، وليس صورة أناه، وهنا تكمن الأزمة المأساوية للمقهورين.

إذن الخوف من الحرية ناتج عن احتدام الصراع بين الإبقاء على شخصية القاهر فى ضمير المقهور أو انتزاعها.. فالقاهر هو القوى الذكى القادر على العمل.. بينما المقهور هو الضعيف الغبى الكسول.

ولمحاربة هذه الازدواجية لابد أن ينتزع المقهور من صدره صورة قاهره، وأن يتجرد من كل شبهة إعجاب به، ولذلك يذهب “فرايرى” إلى حتمية الوصول إلى نظم تعليمية ترتبط فيها المعرفة بالعمل، حيث أن المعرفة وحدها ما هى إلا ادعاء ورطانة.. فى حين أن العمل هو الفعل الحقيقى الذى يكشف للمقهور عن مواطن إبداعه وحقيقة ذاته وقدرته على الفعل.. والأهم من ذلك يكشف له “تصدع شخصية القاهر” ويكسبه القدرة على التمييز بين قاهريه، فضلا عن الصور المختلفة للقهر التى أوضحها وعددها فى كتابه، وميز “فرايرى” القاهرين الأكثر خطورة فهم أولئك الذين يلجأون إلى قضايا المقهورين، وهم مشغولون بأدوات طبقاتهم القديمة ولا يثقون إلا بأنفسهم، وبكرم زائف يسلبون المقهورين حق الدفاع عن أنفسهم.. فالذى ينحاز إلى قضايا الناس ويتهمهم بالجهل هو فى حقيقته مخادع لنفسه وللناس أيضا.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s