رحاب إبراهيم تكتب: ليست هناك حكاية بريئة (1)

رحاب إبراهيم

قراءة في كتاب أندريه ميكيل “سبع حكايات من ألف ليلة وليلة”                                                   

“أي ليل كان ليلك شهرزاد ؟ سرد وحكاية, قصة ورواية, تحميها من بطش راعيها حتى طلوع النهار.. فإذا بزغ الفجر وبنوره لاح, غدت تتطلع لحلول ليل جديد.. صار ملاذها الوحيد, فالليل والسمر سعادة تختطف من يد القدر.

هذا ليل شهرزاد, فماذا عن ليلنا يا ترى ؟ إن راوي الليالي وكاتبها يواجهان تحدي القارئ أو السامع العربي الذي يسعيان لإرضائه.. ولكن هل المتعة التي يعطيها الكتاب بمثل ما تبدو عليه من البراءة ؟ إن نهج الراوي الذي يحكيه, والمتخصص الذي يحاول أن يقتفي أثره, أكثر وعورة من ذلك.. فطالما ظل سحر الحديث يجر وراءه الرغبة في الإقناع, فأي نص بوسعه أن يبلغ الرسالة أفضل من هذه الحكايات وفي بساطة لا تلفت الأنظار”.

هكذا بدأ الكاتب الفرنسي أندريه ميكيل مقدمة كتابه “سبع حكايات من ألف ليلة وليلة” الصادر عن دار الفكر المعاصر, ترجمة د. هيام أبو الحسن ود. سامية أسعد.

الكتاب، كما هو واضح من اسمه، يعرض باختصار حكايات مختارة من كتاب ألف ليلة وليلة, ولكنه لا يكتفي بعرض الأحداث التي نعرفها جميعا, بل يحاول أن يكشف ما قد يكون وراء هذه الأحداث من معانٍ ومفاهيم سياسية واجتماعية تتسرب إلى الأذهان جيلا بعد جيل.

أتوقف أولاً عند حكاية عبد الله البري وعبد الله البحري.. القصة ببساطة عن صياد فقير لا يجد قوت يومه حتى أنه في لحظة يأس يقرر أن يمزق شبكته، مصدر رزقه، ولكن خبازا طيب القلب يرأف به ويمنحه ما يؤمن حياته هو وأولاده لمدة أربعين يوما, قبل انتهاء المدة وأثناء محاولاته في الصيد يخرج له في الشبكة قرين بحري له نفس اسمه يجلب له من أعماق البحر اللآلئ والمجوهرات التي ما إن يحاول بيعها في السوق حتى يتم القبض عليه ثم يُساق لقصر السلطان حيث تظهر براءته بعد ذلك ويعينه السلطان وزيرا, بل ويزوجه من ابنته.

من الواضح أن الراوي هنا حساس للظواهر الاقتصادية, فالخباز لم يأت لذاته بل لكون الخبز هو الحد الأدنى من الغذاء.. هذا النوع من التضامن متعارف عليه في الطبقات الفقيرة، أو هذا ما ينبغي أن يكون، فليس من العدل أن يهلك الفقير, ولكن هذا النوع من العدالة يختلف جذريا عن العدالة الاجتماعية, فليس من المعتاد هنا أيضا أن يصبح الفقير غنيا, وكل استثناء لهذه القاعدة يتطلب معجزة ما, وحتى حين تحدث هذه المعجزة فإن من واجب الفقير أن يخفيها كي لا تصبح ظاهرة طبيعية.. وإذا ما حدثت هذه المعجزة وجب انتقال الفقير فورا من وسط طبقته ليلتحق بالطبقة العليا, فيتزوج الصياد من ابنة السلطان ويعين وزيراً.

موضوع العدالة الاجتماعية إذن مستبعد تماما من القصة, بقي سؤال هام: هل يستطيع الفرد أن يعتمد على قدراته الشخصية كي يصبح غنياً في إطار نظام اقتصادي يتيح له إمكانية الكسب بشكل أكبر، ويمكنه من الاستثمار حسبما يسمح له جهده ومواهبه ؟ أم أن الطريق مغلق وعلى كل شخص أن يظل في مكانه وأن يقنع بالعيش حسب الحال, لا أكثر ولا أقل, اللهم إلا إذا أتته معجزة ؟

إن هذا السؤال من الأسئلة التي لا تكف “ألف ليلة” عن طرحها, والتي يختلف الرد عليها من حكاية إلى أخرى, فالسندباد البحري يمثل مسلكا متفائلا وطوعيا, فهو يعتمد بلا شك على الحظ, ولكنه يطوع هذا الحظ ويحوله إلى مبدأ فعال لتنمية الإمكانيات الشخصية, في إطار مجتمع يشيد بالتجارة في المناطق النائية ويغذي روح المجازفة.

ولكن الصياد يعيش في مجتمع متحجر, يكاد الراوي يقول له فيه “قد تموت من الجوع ولكن على الأقل لن يرتاب أحد في أمرك ولن يغار منك أحد ولن تعرف من المشاكل ما قاساه عبد الله البري, الذي لولا تدخل السلطان لدفع غاليا ثمن الحظ الذي واتاه”.

في الجزء الثاني من القصة, يذهب عبد الله البري إلى أعماق البحر مع صديقه عبد الله البحري, حيث يشاهد عجائب الكنوز والمخلوقات البحرية, هذه المخلوقات التي تدين بالإسلام, ويشاهد عاداتها وتقاليدها, ويفاجأ حين يرى طقوس الفرح والاحتفالات بالوفاة إيمانا من سكان البحر أن الروح أمانة وجب الاحتفال بها حين ترد إلى خالقها.. وفي الوقت نفسه يصدم عبد الله البحري حين يعرف من صديقه عادات الجنائز والبكاء على المتوفي في حياة البر, ويعد هذه الطقوس قلة إيمان, للدرجة التي يفقد معها الثقة في صديقه فينفصلان كل إلى عالمه.

وهكذا فإن الخاتمة الفجائية للقصة تتماشى مع هدفين: فمن الناحية الفنية تنتهي القصة بنهاية مريحة للغاية, فمغامرة الصياد لا تدوم سوى عام واحد, إذ أنه لا يدري، لا هو ولا السامع، ما الذي يفعله بثروة تتزايد بانتظام, ومن ناحية أخرى، وهي الأهم، يظهر الغرض الحقيقي من القصة, وهو اختبار الإيمان بوصفه المحرك الأساسي للأحداث.. الإيمان العميق عمق البحر.. إيمان الإنسان أن الرزق من عند الله, وأن عليه السعي والتمسك بالأمل, لكن عليه أيضا أن يبقى في المكان الذي يخصصه له المجتمع.

أهي حكمة شعبية إذن ؟ حذار من تلك التسميات, ففي هذه الحالة وجب أن نتساءل: هل الشعب هو الذي وضع هذه الحكمة أم أنه قبلها واقتنع بها لأن هناك من أقنعه بها ؟

وبالرغم من اللبس والغموض الذي يتضمنه تعبير “الشعب” فإن القصة قد وُضعت بالفعل من أجله, وهي لا تعطي صورة لهذا الشعب بقدر ما تعمل على ضم صفوفه, وإعطائه راحة نفسية في ظل المعتقدات التي تسعى البنية العليا لأن يعتنقها ذلك الشعب.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s