عربي كمال يكتب: “غالية بن علي”.. غجرية بطعم التصوف

غالية بن علي

هل أنت من المفتونين بالغجر.. أيقتلك الشغف، والجنون، والحرية مثل “كارمن” الغجرية.. هل تأتيك لحظات تجد نفسك وأنت في وسط الطريق لا تبالي بالناس، ولا الكون، فتترك فمك يطلق صفيرًا يتراقص عليه جسدك، وفي مخليتك “زوربا اليوناني” وهو يقول: “وبينما كان الآخرون يبكون بدأت بالرقص.. نعم الرقص.. وقال الآخرون عني لقد جُنَّ زوربا.. لو لم أكن رقصت لكنت متّ”.

1

إذا كنت من هؤلاء عزيزى القارئ، فليس من سبيل لاستدعاء هذا الشغف سوى أن تسمع وتشاهد “غالية بن علي” تغني فتحلق روحك.. إيقاع حروفها يعانق إيقاع جسدها، فيتمايل جسدك معها طربا وشغفا.

“غالية” تمتلك ذكاء غير عادي كي تستدرجك لعوالمها، فترتدي لصوتها حُلى إيقاعية مدهشة، وتغلف جسدها بملابس غير تقليدية، فيلتبس عليك الأمر في أول الرؤية: هل هذا الفستان ما كانت ترتديه “كارمن” الغجرية، أم هو رداء الصوفية حين يؤدون رقصة “المولوية في حضرة الحبيب.

اختلاط الرؤية لا يصنع تشتتا، بل توحدا فى الحالتين، “الغجرية / الصوفية”.. امتزاج بين المقدس والدنيوي، مما يصنع حالة بهجة في النفس.

 غالية بن علي

2

“ته دلالا”.. هذا هو حال “غالية بن علي” وما تصنعه في جمهورها.. روح حرة منطلقة.. عصية على الترويض.. حتى إيقاع الموسيقى لا يؤطر صوتها، بل تصر في تحدٍ عجيب على أن تصنع وسط الإيقاع عزفًا منفردًا لا يكسر اللحن، وإنما يزيده ثراء وتجديدا.. فما يميز “غالية بن علي” أنها حين تغني للمطربين القدامى لا تقلدهم.. لا تتوحد بهم، فهي تدرك أن كل صوت له خصوصيته، وأن محاولة التقليد تصنع صورة مشوهة، لا تضيف لرصيد الفنان شيئا، لذا هي حين تغني مثلا أغنية لـ “أم كلثوم” لا تنتظر منها أن تكون مجرد صوت يتلامس معها، بل صوت له طريقة خاصة.

3

يقول الصوفية لكل شيخ طريقة و”غالية بن علي” شيخٌ يُدخلك حضرته لا حضرة غيره، وإن رتّل ورد غيره.. مزج عجيب بين الموسيقى العربية والغربية.. تستحم في رحابه “غالية” لتخرج لك منه بيضاء من غير سوء، وتسكب في أذنك موسيقى سائغة للشاربين.. موسيقى حرة من أى قيود، يتأرجح فيها صوتها، فتتأرجح معها روحك التواقة للتحرر.

4

في تصريح لها قالت: “لم نعد نستمع إلى الموسيقى الجميلة خاصّة مع الغزو – الروتاني – للآذان”.. وهو توصيف حقيقي للواقع الغنائي الذي نعيشه، حيث أصبح الغناء سلعة تجارية غايته الربح لا المتعة، وهدفه التسويق لأنصاف الموهيين لا اكتشاف المبدعين.

5

لا تتعجب إذا قلت لك إن “غالية بن علي” لم تدرس الموسيقى، فالموهبة الحقيقية لا تحتاج لعود ثقاب كي تشتعل، إنها كبركان ينفجر دونما سبب.. الاحتراف يأتي فيما بعد، مهمته تنظيم الجنون الداخلي.

بدأت “غالية بن علي” الغناء كهواية ومتعة، تحسها فتشارك فيها الجميع شغفها، وكانت أم كلثوم ملهمتها، ومشعلة بداخلها أشواق الفن وتجلياته، وحين سكر العشاق منها بدأت خطوات الاحتراف الذي جذب إليها جمهورا من كل حدب وصوب، سواء في حفلاتها في تونس الخضراء، موطنها، أو جولاتها الفنية في أوروبا.

6

“غالية بن علي” تُقيم حوارا مع الآلات الموسيقية المصاحبة لها.. تصغي إليها جيدا.. تخاطبها كي يأتلفا.. تدمج أحيانا في موسيقاها بين “السيتار” الهندي وموسيقى الجاز والفلامنكو.. هذا المزج الصعب الذي تروضه “غالية بن علي” فتمتطيه كفرس جامح.. تروضه فتاة غجرية بطعم الدهشة والمتعة.. تأخذك بموشح “هيمتني تيمتني”، كلمات الشيخ أمين المهدي، إلى عوالم الوجع والدهشة.

“هيمتني تيمتني

عن سواها أشغلتني

أخت شمس ذات أنس

دون كاس أسكرتني

ذات عقد ذات بند

أسبلته فوق نهد

لست أسلوها ولو

في نار هجران كوتني

أيها الساقي فذنبين

بإسم من قد آنستني

http://www.youtube.com/watch?v=BLRIuzalrdY

7

“غالية بن علي” نصفها باللهجة المصرية “ملبوسة بشيطان الفن”.. فهي ليست مطربة فقط، بل كاتبة، ورسّامة تخطيطيّة، وبصدد إصدار قصّة للأطفال من تأليفها، ضمّنتها رسومات فريدة حملتْ توقيعها.. رسومات تعيد إلى الأذهان شخصيّات كالتي عبرت وشاهدناها في رائعة”أليس في بلاد العجائب”.. مما تراكم من تجارب وقصص شخصيّة عاشتها في طفولتها وصباها.

8

ليس عليك عزيزى القارئ سوى أن تعد فنجان قهوتك المحبب، وتتجرد من هواجسك، فإن لم تستطع فلا تقلق، لأن “غالية بن علي” كفيلة بأن تأخذك إليها، وتنزع عنك ما تحمله من هواجس وقلق، لتصعد بك حضرتها.. ليس عليك سوى أن تسمع ما يُوحى إليك من فتنة صوتها، فتتنقل من أغنية “يا مسافر وحدك” و”لاموني اللي غاروا مني” و”الحب أيماني” و”الأطلال” وموال “طلعت فوق السطوح” و”موشح لما بدا يتثنى” و”عرفت الهوى”، ثم تسكر مع أغنية “روميو وليلى”، وكيف يناغي “التشيلو” آلة “العود”.. هذا التناغي الموجع بين عشق روميو وليلى.. وهو أول مشروع غنائي خاص بها كانت تبحث فيه عن حريتها بعيداً عن التقاليد، والثقافة، وبعيدا عما يريده المجتمع أن تكونه، فـ”غالية” تبحث عن نفسها وذاتها، لا أن تكون إضافة ورقما في مجتمع يصنع الأفراد نسخًا على شاكلته.

استمع معي وهي تغني فتوجعك:

حبيب حبيب

حبيب ولهان

تائه حيران

سجينة القضبان بين الحبيبه

آه آه آه

سجينة القضبان

ليلى الحبيبه

وبكت ليلى

بعد حبيبها

بعد من تهواه

بعد من تهوى

http://www.youtube.com/watch?v=snl6VAftPLg

9

ما لا يعرفه الكثيرون أن “غالية بن علي” سجلت ألبومها الأول “هريسة البرية” في العام 2000 مع فرقة تمنا. وفي العام 2001 قامت بتأسيس مشروع كيفاش أنت، وهو مشروع موسيقي يركز على الموسيقى العربية الراقصة منذ عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا. وفي شتاء العام 2007 قامت بتسجيل ألبوم “البلنا” بناء على طلب من راديو بلجيكا الوطني كلارا، مع العازف الفنلندني الشهير بيرت كورنيلز. وفي هذا الألبوم تمتزج الموسيقى العربية بالموسيقى التقليدية الهندية. وفي سبتمبر من العام 2008 حصلت على جائزة الموسيقى العالمية، والتي تمنحها المؤسسة البريطانية المستقلة “نحن نسمع” لأفضل أغنية موسيقية في العالم.

10

لا قيمة لفن لا يعيدنا إلى براءة الإنسان وطهره، وإذا كنت عزيزي القارئ من الذين يسمعون الفن لمجرد الهروب من ذاتك، أو للترفيه، ثم تعود لحالتك الأولى، فلا أنصحك بسماع “غالية بن علي”، فمثلها خُلق ليبعثر ذاتك، ثم يجمعها لتقتنص من داخلك النفيس من المتعة والبراءة، فتعود متوحدا مع البشر، والحجر، تطوف أرض الله بشغف طفل، وقلب عاشق، وحكمة الصوفي الذي ذاق فعرف، ومن عرف لزم.

………………….

مصادر

1- ويكيبديا العالمية

2_now الإخبارية

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s