عائض القرني.. نعرة إسلامية تكرس لدونية العرب

عائض القرني

بقلم: هيام أحمد طه

كانت العلاقة بين الإسلام والمسلمين تشبه تمامًا العلاقة بين الإنسان والنهر.. فالنعمة الإلهية تجري في عطائها وسخائها، ومن ثم على الإنسان أن يتحدث بها فكرًا وعملاً وفنًا، وهذا ما فعله المسلمون الأولون “وأما بنعمة ربك فحدث”، وهكذا استقبل المصريون الإسلام.

وعندمت صدَّر لنا العالم الغربي السؤال عن الهوية، هذا السؤال المصنوع لزعزعة الثقة في أنفسنا وفي تاريخنا، خاض المفكرون العرب محاولات شتى للبحث عن هويتهم التي صدقوا أنها مفقودة، وتعددت محاولات الإجابة.. ولكن محاولة جمال حمدان كانت الأفضل من بين هذه المحاولات، عندما انطلق من عبارة “مصر هبة النيل والمصريين”.. ومدعاة التفضيل، على الرغم من اقتصار القصد على قُطر عربي واحد، هو إدراك جمال حمدان العلاقة الجدلية بين النيل، كهبة ونعمة من الله، وبين الإنسان المصري الذي استطاع استثمار هذه النعمة ليشيد بها أول حضارة في التاريخ.

هذه العلاقة الجدلية بين الإنسان والمعطى الإلهي هي التي أغفلها الدكتور عائض القرني في مقال له بعنوان “بطاقتنا الشخصية”، يعود تاريخ نشره إلى العام 2009 بجريدة الشرق الأوسط.

في لهجة مثبطة للهمم، يرى “القرني” أن العالم لا ينتظر منا أن نقدم له عبقريات في الآداب والفنون والعلوم، ومن ثم يطرح سؤاله “هل نأتي إليه ونحن بدائيون في هذا الباب باكتشافات أصبحت عنده قديمة”.

ومن يتأمل الفرق بين الأمس واليوم يمكنه بسهولة التعرف على الخطأ الذي ورد في المقال، فـ “القرني” يعلم كما يعلم الجميع، وليس هذا من قبيل التغني بالماضي، أن مسلمي الأمس استطاعوا أن يشيدوا من الإسلام، ذلك المعطى الإلهي، حضارة ألقت بإشعاعها على عصور لاحقة، امتدت من الجزيرة العربية حتى أوروبا.. أما اليوم فيتلقى العالم الإسلام بوصفه دعوة ظلامية إرهابية.. فهل الذي تغير هو الإسلام أم المسلمون ؟ إن كان الدكتور لا يعرف الإجابة، وهذا ما لا يمكن تصديقه بالطبع، فنحن نذكّر أنفسنا أولاَ ونذكّره ثانيًا بأن الإسلام كما فهمه المسلمون الأوائل يجمع بين “النظر والعمل” وهو ما تفردت به الفلسفة الإسلامية باعتراف فلاسفة الغرب، أولئك الذين يشيد “القرني” بإنجازاتهم، وحتى اللحظة يأتي طلابهم لاستلهام إبداع العقل الإسلامي في رؤية واقعهم.

وإذا اتفقنا على أهمية دراسة تاريخ العلوم، عند العرب على الخصوص، لتكشّف لنا حجم المنجز الحضاري الذي خلّفه لنا السلف، وهو النعمة الثانية التي فاض بها النهر وكان ينبغي على الخلف ومنهم “القرني”، شيخًا وشاعرًا وباحثًا، أن يتحدث بها فكرًا وعملاً وفنًا.. أعني أنه كان على الخلف العمل على تأصيل وتوطين الظاهرة العلمية، فالعلم تراكم وتواصل، وتاريخ العلوم عند العرب كان يشغل كل الفضاء الحضاري الممتد منذ خفوت عصر العلم البطلمي في مصر وحتى ظهور عصر النهضة.. وهذه الفترة مثّلت أهمية خاصة في الحضارة الإنسانية، فهي المرحلة التي أفضت تاريخيًا ومنطقيًا إلى مرحلة العلم الغربي الحديث، وكان حريًا بالمسلمين العمل على إثباتها وحضورها التاريخي وصيرورتها، بدلاً من التشويه الأيديولوجي لتاريخ العلم بادعاء أنه ظاهرة غربية لها أحفادها وورثتها الشرعيون في الغرب، وهذا ما فعله عائض القرني في مقال المذكور ! وهو المسلك نفسه الذي يعمل بعض مفكري الغرب على تسويغه.. وإن كان من بينهم شرفاء مثل “كروثر”، والذي اعترف للعرب بأنهم المؤسسون لمفهوم “عالمية المعرفة” وهي إحدى السمات البالغة الأهمية للعلم الحديث.

المؤكد أن الإسلام في الماضي صنع ظروفًا حضارية مواتية لنهضة العلم، مما يجعلنا نسأل أنفسنا عن ماهية الظروف قياسًا لما يحدث الآن.. خصوصًا ونحن نحتفظ في ذاكرتنا ووعينا التاريخي بمدارس الرياضيات في قرطبة، وإنجازات البيروني وجابر بن حيان والفارابي الذي لُقب بـ”المعلم الثاني” وغيرهم.

يقول “القرني” في مقاله “شرفنا الوحيد الذي عرفنا به العالم هو رسالة الإسلام الخالدة، فلم نُعرف في العالم ببطاقة شخصية تُعرفنا إلا الإسلام، ليس لنا هوية ولا ريادة ولا سيادة ولا قيادة إلا بالإسلام، ولا خصوصية ولا رفعة ولا علو إلا بالإسلام”.. وبمناسبة حديثه عن “الشرف” أليس من الشرف أن لا نبخس الناس أشياءهم ومجهودهم وسعيهم، مصداقًا لقوله تعالى “ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” – الأعراف.

وإن كان سياق الآية يدل ظاهره على الأشياء بوصفها متاعًا، إلا أن الباطن يقصد، فضلاً عن المتاع، ما يملكه الناس ويتمتعون به من أخلاق وأفكار وتاريخ.

إذن.. يدعونا الدكتور القرني إلى الانسحاب من كل مجالات العلم والفكر والفنون والآداب والفلسفة، بعد أن راح يشيد بإنجازات الغرب المتحضر في صناعاته المتطورة وعالم الطب والهندسة والتكنولوجيا واختراقه للفضاء وقنبلته النووية ومناهجه وفلسفاته، وجعلهم بتعبيره “أبطال هذا الميدان ونجومه ونحن بالنسبة لهم كطالب في الصف الأول الابتدائي يجلس مع أستاذ كبير عبقري فريد” !!

وعلى هذا يؤكد أننا لن نستطيع أن نقدم للعالم شيئًا سوى الإسلام، قائلاً “فالعالم لن ينتظر منا فلسفات مذهبية أرضية ولا نظريات اجتماعية ولا مناهج قومية ولا أطروحات سياسية”، ولم يكتفِ بذلك بل خاض أيضا عالم الخيال ساخرًا من المسلمين في قوله “هل نقدم لهم روايات شرقية تُبنى على الخيال وتُنسج من عالم المغامرات والأهوال وهم الذين كتبوا روايات خدّرت العقل وأصابت من قرأها بذهول وسُكر لروعة الحبكة وإبداع الطرح والأخذ بمجامع النفوس”.

هكذا أصر “القرني” أن يسلبنا كل شئ، بل ويصادر طموحات المبدعين والمفكرين والباحثين، بزعم أن هذه الطموحات ليست ذات جدوى بعد أن انفرد الغرب بكل شئ ! وتدهشنا المفارقة ما بين عينه التي يرى بها ذاته، وعين الآخر “الشريف” الذي قرأ بها تاريخ العرب، ولنا مثال في “دور أديلارد”، وهو من طليعة المترجمين الذين تكفلوا بنقل الرياضيات العربية إلى اللاتينية، في قوله “تعلمت عن أستاذي العربي أن أزن كل شئ بميزان العقل”.

إن دعوة “القرني” ما هي إلا تفريغ الإسلام من كل “نظر وعمل”، ووقتها ما الذي سيتبقى للمسلم سوى عباءة وعمامة.. محض خيال مآتة يقتصر دوره هنا على طرد طيور المعرفة.. كما أن الدعوة تلك ما هي إلا تكريس لدونية الأنا في مقابل تفخيم الآخر.. ويبدو أن “القرني”، الذي اطلع على روايات الغرب حتى ذُهل وسكر بسبب روعة حبكتها، ينسى أن الخيال الشرقي، الذي يسخر منه الآن، هو الملهم الأول للغرب موسيقيين ومفكرين وتشكيليين.

يشير “القرني” من طرفٍ خفي إلى “ألف ليلة وليلة”، متهمًا إياها باحتوائها على المغامرات والأهوال التي هي من نسج الخيال، ويسخر من شخصيات مثل علاء الدين وعلي بابا والأربعين حرامي والسندباد البحري وملكة الحيات والشاطر حسن.. في حين ينظر العالم إلى هذه الشخصيات بإبهار شديد، ربما لا يقل عن إبهار “القرني” بمنجز الغرب، كما يحتفي العالم حتى الآن بهذه القصص، وينسج على منوالها في كل مجالاته الإبداعية !

أخيرًا نقول لصاحب كتاب “لا تحزن” إن هذا المقال أحزن كل عربي سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا غيرةً وخشيةً على حضارة العرب.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s