جبر شعث يكتب: بطولة الأشياء في القصة القصيرة

جبر شعث

مدخل:

كما كان الشأن مع قصيدة النثر حول التأصيل لها عربياً، جرى جدل مثير وسجالات غير قليلة بين بعض النقاد والباحثين والكتاب العرب حول التأصيل للقصة القصيرة عربياً أيضاً، فقد تعسف البعض بمحاولته إثبات معرفة العرب بالقصة القصيرة وممارستها إبداعيا، مستنداً على قصص القرآن الكريم، خاصة سورة يوسف، وعلى حكايات كليلة ودمنة والمقامات والأساطير والخرافات وألف ليلة وليلة.. ونحن هنا لا ننكر توفر خاصية السرد وبعض جمالياته ومحدداته الفنية في بعض هذه الأعمال، ولكننا ننفي بالمطلق تجنيسها إبداعيا كقصة قصيرة.

ويبدو أنه حدث خلط لدى بعض المجتهدين الغيورين، بين السرد على إطلاقه وبين القصة القصيرة بمحدداتها الفنية المعروفة. فالقصة القصيرة كما قصيدة النثر فن غربي بامتياز تبلور بقلم كاتبين مرموقين في حيز زمني واحد؛ الأميركي “ادجار ألن بو” الذي نظر لها ووضع لها شروطاً فنية صارمة، والروسي نيقولاي جوجول.

ادجار ألن بو

نيقولاي جوجول

ثم تطور هذا الجنس الأدبي بفعل إبداعات الروسي أنطون تشيخوف، والفرنسي جي دي موباسان، وبعض كتابها اللاحقين كتوماس وولف ووليم سارويان، والفرنسية ذات الأصل الروسي ناتالي ساروت التي أخرجت القصة القصيرة من تقليديتها إلى حداثيتها، فلم تعبأ بمحدداتها كالحدث والحبكة والشخصية في قصصها القصيرة والقصيرة جداً، وهكذا كانت في رواياتها، حتى أنها عرفت في فرنسا، وأوروبا عموماً، برائدة اللارواية. وكان جان بول سارتر أول من أطلق هذا المصطلح “اللارواية” على الروايات التي اتخذت من الأشياء أبطالاً لها، بدلاً من الشخصيات الإنسانية، والأشياء كما هو معروف تتحرك ضمن المكان، وليس الزمان. ونرى أن توجه السرد نحو بطولة الأشياء الجامدة هو الترجمة الفنية لفلسفة هوسرل الظاهراتية أو الفينومنولوجية.

ناتالي ساروت

ولا يعنينا في هذا المقام الحديث عن الأسبقية العربية في كتابة أول قصة قصيرة، سواء كانت قصة “سنتها الجديدة” لميخائيل نعيمة عام 1914، أو قصة “القطار” لمحمد تيمور عام 1917، ولكن الذي يعنينا هو التأكيد على أن كتاب القصة القصيرة العرب قد كتبوا قصصهم متأثرين بمدرستين؛ مدرسة تشيخوف التي كانت تتميز بالتركيز على تصوير الجو والتقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة والحميمة، وبالنهاية القوية للقصة، وهي لذلك عرفت بمدرسة “فتات الحياة”. ومدرسة جي دي موباسان التي تميزت بإحكام البناء الفني والاهتمام بالحبكة والتشويق، والخاتمة الصادمة غير المتوقعة. ومن المهم أن نذكر بأن تأثير ادجار ألن بو قد جاء متأخراً عن مدرستي تشيخوف وموباسان، وذلك بعد نشر أمين روفائيل لكتابه “ادجار ألن بو، دراسة ونماذج من قصصه” عام  1963. وقد تميز “بو” في قصصه بحرصه على ألا يكون العمل الفني مطابقاً للواقع، وعلى الإغراب والتوتر حتى النهاية، ووحدانية المكان، والتقليل من الشخصيات التي تكون عادة غريبة، وفي وضع سيكولوجي مريب، وإخضاع السرد للتركيز الشديد، واستخدام ضمير المتكلم لإضفاء مسحة الحقيقة على ما يرويه.

وبفعل الحداثة وما بعدها، فقد حدث إبدال بين عناصر القصة القصيرة، فيما يخص دور البطولة فيها، فلم تعد الشخصية الإنسانية محتكرة لدور البطولة، إنما شاركها في ذلك المكان والزمان والشيء غير العاقل، كأبطال، فضلاً عن أنها تحللت من شروط الاستهلال والحبكة والنهاية المغلقة المتوقعة.

وما يهمنا هنا هو الشيء بوصفه بطلاً مؤثرًا تأثيراً دراماتيكياً في الأحداث وموجهاً لها، وسنحاول أن نقارب ذلك من خلال بعض النماذج للقصة القصيرة في الأدب العالمي.

نماذج عالمية

نموذج فرنسي: قصة “الحبل” لجي دي موباسان

جي دي موباسان

تدور القصة حول قطعة حبل قذرة التقطها السيد “هوشكورن” من الأرض، وصادف أن رآه وهو يلتقطها من بين الأوساخ رجل يكن له حقداً قديماً، بسبب خلاف بينهما على رسن، يدعى “مالاندان” ولأجل حظه السيء فقد فقد أحد أهالي البلدة محفظته في نفس المكان، وشاع خبر الفقد بين الأهالي وتم إعلام عمدة البلدة بالأمر، فسارع مالاندان الحاقد ليشهد بأن هوشكورن هو الذي وجد المحفظة ودسها في بنطاله، فقام العمدة باستدعاء هوشكورن وطلب منه أن يرجع المحفظة لصاحبها، وعبثاً حاول أن يقنع العمدة بأن ما وجده هو قطعة حبل وليس محفظة، ولم يصدقه الناس الذين كان يحاول إقناعهم بأن ما وجده قطعة حبل قذرة، وصار الناس يزدرونه ويتهكمون عليه، قطعة حبل، قطعة حبل.. وصار الرجل يكلم نفسه ويعيد قصته لكل من يراه، إلى أن اختلط عقله واشتد به المرض ولزم الفراش ومات وهو يردد بصوت كأنه آت من عالم آخر: قطعة حبل قطعة حبل أنظر هذه هي يا سيدي العمدة.

إن الشخصية الرئيسة في قصة موباسان هي قطعة الحبل، كونها هي التي تمحورت حولها القصة، وهي التي دار حولها الحوار وأثرت في الأحداث  جوهرياً، ووجهتها نحو ذلك المصير المأساوي.

نموذج إنجليزي: قصة “بيت الأشباح” لفيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تدور القصة حول زوجين ميتين رجعا إلى بيتهما على هيئة شبحين، بعد فترة زمنية طويلة، وأخذا يبحثان عن شيء/ كنز تركاه في هذا المنزل، ويستعيدان ذكرياتهما الجميلة فيه، ويتفقدان أشياءه؛ الباب والستارة وقلم الرصاص وزجاج النافذة والمصباح وحديقته وطابقه العلوي وهديل حمامه، وكانا يفعلان ذلك بكل هدوء حتى لا يوقظا أصحاب البيت الجدد.. واستمر بحثهما عن شيئهما / كنزهما الذي تركاه  في المنزل، إلى أن وجداه.. لقد كان الكنز هو نور القلب / الرضا الداخلي الذي كان يغمر روحيهما وهما من الأحياء.

لقد لعب الشيء / الكنز المبحوث عنه دور البطولة المطلقة في قصة فيرجينيا وولف، حين سحب الأحداث كلها نحوه، وقد شكل العقدة والحل معاً في مكان واحد.

إن فيرجينيا وولف، التي تعتبر من رواد تيار الوعي في القصة والرواية، حيث كانت النقلة بوساطته من السرد التقليدي في القرن التاسع عشر إلى السرد بمحمولاته الحداثية المعروفة كتداعي الأفكار الحر والمونولوج وغيره، قد أضافت سمات خاصة تفردت بها في القصة، كأنسنة الأشياء، والارتكاز القوي على المتخيل لتصوير الواقعي، وطول الجملة السردية لديها، كانت تفتقد للرضا الداخلي، الكنز الذي عثرت عليه في المتخيل / القصة، ولكنها لم تعثر عليه في الواقعي / الحياة. وهذا في نظرنا ما دفعها لأن تضع حداً لحياتها غرقاً في النهر عام 1941م.

وفي رأينا أن طريقة موتها التي اختارتها أجمل وأعمق قصة قصيرة وإن لم تكتبها. فقد تملكت الجرأة وأثقلت جيوبها بالحجارة، حتى إذا ما ألقت نفسها في ماء النهر تغطس وتموت.. إنها نهاية فجائعية، ولكنها في نفس الوقت موقف جريء ونبيل كونه استند على فلسفة ما، كانت تؤمن بها هذه الكاتبة الاستثنائية.

نموذج روسي: قصة “الأشياء” لفالنتاين كاتاييف

فالنتاين كاتاييف

هذه قصة تحاول أن تعالج خللاً وجودياً، وهو تشييء الإنسانيات، وتسليع إنسانية الإنسان.. وتدور حول قصة حب بين “جورج” الزوج المعتل، و”شوركا” المرأة المتطلبة التي لا يهمها من هذا الزواج إلا السوق وأشياؤه؛ اللحاف، الأحذية المبطنة، الفوط المزخرفة بصور الديوك، البطانيات، ساعة المنبه، المرآة، السجادة المزخرفة بصورة النمر، الكرسيان، كرات الصوف.. كانت تدفع زوجها لشراء هذه الأشياء رغم وهنه وسعاله المميت وتنفسه البطيء، تهتم بالأشياء ومواصفاتها ولا تلتفت إلى حاله المزرية، وحين ترجع إلى البيت لا تفكر إلا في أشيائها، في ألوانها، في مواصفاتها، وكانت لا تتورع عن إيقاظ زوجها من سبات نومه لتسأله إن كانا وفقا في إختيار الأشياء أو لا، ولتعبر له عن ندمها لأنها لم تشتر اللحاف الأصفر بدلاً من الأحمر مثلاً، وهكذا.

كان جورج يسعل لدرجة الموت وهي تقلب في أشيائها، وكانت بعض الجارات يلمنها على تصرفها هذا تجاه زوجها ويحذرنها من أنه قد يموت، وكانت ترد عليهن بكل برود: حتى وإن مات أستبدله بآخر، وفعلاً مات جورج الزوج المهمل المسكين، واستبدلته برجل آخر اسمه “إيفان” وأول شيء طلبته منه هو الذهاب إلى السوق لشراء بعض الأشياء اللازمة لزواجهما.

لقد تعاملت الزوجة مع زوجها وكأنه شيء يمكن أن يُشترى وأن يُهمل وأن يُستبدل.

لقد محور الكاتب الروسي كل تقنياته السردية حول الأشياء ليظهرها في دور البطولة المنفردة لقصته، وليسحب الشخصيات الإنسانية في القصة “جورج” و”شوركا” والجارات و”إيفان” إلى مصاف الكومبارس.

بطولة الأشياء ودلالاتها في القصة القصيرة

نماذج فلسطينية

إن ما يميز حضور الأشياء في القصة القصيرة الفلسطينية، هو اشتمالها على دلالات وطنية، ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية،  وحياتية بشكل عام، يوظفها الكاتب في منجزه الإبداعي، ويستعين بها لإيصال ما يريد إلى المتلقي.. وسنحاول أن نقارب هذه الفكرة من خلال نماذج قصصية لغسان كنفاني وسميرة عزام وغريب عسقلاني وسماح الشيخ.

غسان كنفاني: قصة “القميص المسروق”

غسان كنفاني

برغم أن عنوان هذه القصة هو القميص المسروق، إلا أن لفظة القميص لا تحضر إلا في نهايتها، أما الأشياء التي حضرت بفعالية فهي الخيمة والخندق والمطر والرفش وكيس الطحين، وملخص القصة أن رجلاً لاجئاً عاطلاً معدماً اسمه أبو العبد يقضي ساعات من الليل وهو يحفر خندقاً حول خيمته حتى لا يدخلها المطر، وحتى يتهرب من أسئلة زوجته عن العمل وعن المعيشة الضنك التي يعيشونها، ومن نظرات ابنه عبد الرحمن المتكوم في طرف الخيمة، وتخطر على باله فكرة السرقة وهو يحفر، السرقة من مخازن الطحين التابعة لوكالة الغوث، ويشجعه على هذا الأمر رجل ثقيل الظل اسمه أبو سمير، وهذا بدوره متواطيء مع الموظف الأميركي، يسرقون أكياس الطحين ويبيعونها، وكل له حصة؛ الحارس ومسؤول المخازن الأميركي وأبو سمير الذي ألح على أبي العبد على أن يشاركهم وتكون له حصة من المال، فيشتري ما تحتاجه أسرته ويشتري قميصاً جديداً لإبنه عبد الرحمن، ولكنه رفض الفكرة وهوى بالرفش على رأس أبي سمير، وقال: إن أكياس الطحين لن تتأخر هذا الشهر.

إن القميص، الذي حضر بصفة الجديد في نهاية القصة، كان هو الحاضر المستتر الذي حرك أحداث القصة نحو نهاية ذات دلالات وطنية / أخلاقية معاً. ولا يخفى على القاريء ما للخيمة والخندق وكيس الطحين المنتظر والقميص الجديد المُتَمنَّى من دلالات.

سميرة عزام: قصة “سجادتنا الصغيرة”

سميرة عزام

هذه قصة طريفة لسميرة عزام، بطلتها سجادة للصلاة جلبها الأب من إيران، وصدف أن مر شاب تحت الشرفة المنشورة عليها السجادة، وكانت السماء تمطر، فأخذها ليحمي نفسه من البرد والمطر، وبعد مدة طويلة اهتدى الشاب إلى الصلاة، ففرش السجادة ليصلي عليها، ولكنه تذكر أنها مسروقة، وكيف سيقبل الله صلاته على سجادة مسروقة، فلفها وأعادها خفية، مع رسالة يوضح فيها ما جرى، ويطلب السماح من أصحابها، فتفرح الأم بسجادتها العائدة، وتبتهج العائلة، وتكون السجادة هي السبب الهادي الذي جعل الرجل صاحب السجادة يصلي، بعد أن كان لا يصلي.

لا يخفى على القاريء الغرض التعليمي التربوي الأخلاقي الذي أرادته الكاتبة، ولكن ما يعنينا هو السجادة / الشيء، البطل، الذي أثر فعلياً في سلوك الشخصيات البشرية، ونقلها من توجه إلى آخر، وحدده ولو إلى حين.

غريب عسقلاني: قصة “مناديل ورقية”

غريب عسقلاني

وظف غريب عسقلاني في هذه القصة أشياءه (المناديل الورقية، المنديل الحريري، إشارة المرور الحمراء، علبة الحليب الفارغة، عطر السيدة) لخدمة إسقاطاته السياسية والطبقية التي أراد، وقد جعل من هذه الأشياء بدلالاتها المختلفة حداً قاطعاً يقسم المجتمع إلى طبقتين؛ الولد الذي يبيع المناديل الورقية بطريقة توسلية تسولية، والسيدة التي تركب سيارة فارهة ذات المنديل الحريري المعطر والمُرافق الشخصي. لقد أخذت السيدة من الولد المناديل الورقية، ولم تعطه ثمنها.

لقد جعل الكاتب من السيدة محدثة النعمة معادلاً موضوعياً للسلطة الفلسطينية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو النكبوي، أخذت من طبقة (بائع المناديل) ولم تعطه شيئاً، بل تركته نهباً للتوسل والتسول، في مفترقات الطرق.

سماح الشيخ: قصة “سترة”

الشيء كبطل، في هذه القصة (السترة) هو الذي يحدد مصيره الكارثي بنفسه، ونحن هنا لن نتحدث عن الرمزية الشفافة في هذه القصة، ولا عن براعة القاصة في توظيف المونولوج، ولا عن تدخل الراوي/ة الذي بدا زائداً عن الحاجة الفنية قليلاً، ولا عن استئناسها بقصة جبران خليل جبران (البنفسجة الطموح) وإنما عن دور البطولة المميز الذي لعبته السترة المتمردة، بمساندة أشياء أخرى لعبت دور “بطولة الظل”: الدولاب والبناطيل والقمصان والفساتين والأحذية والرف والخيوط والأزرار ومسحوق الغسيل وخليط العطور والطبق والممحاة واللمبة.. لقد تمردت السترة على موقعها وعلى هيئتها، والتمرد في حد ذاته بطولة، ولكنها لم تجد بين الأشياء لها نصيراً، بل سخرت منها الأشياء وتركتها تواجه مصيرها وحدها، وأُعتبر تمردها حالة مرضية من قبل المجلس الأعلى للأشياء الذي يمثل السلطة هنا، وتم معاقبتها بإلقائها في الرطوبة لتلتهمها.. وظلت هكذا حتى تمزقت، وتحقق جزء من حلمها، حين تغيرت هيئتها.

وأخيراً، نود أن نبين رؤيتنا لمفهوم البطل، فالبطل الفعلي سواء كان إنسانا أو حيواناً أو شيئاً هو الذي تكون لديه القدرة على التغيير دراماتيكياً في الأحداث، ويوجهها نحو المصير السعيد أو المأساوي أو المفتوح على أكثر من احتمال.

Advertisements

One response to “جبر شعث يكتب: بطولة الأشياء في القصة القصيرة

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s