أيمن حمدي يكتب: هداية

الشاعر أيمن حمدي

لمّا رأت أومأت فأنبأت نفسي

بما خفى بالصفا عن عالَم الحِسِّ

برّيةٌ في المها والعينُ تنظرها

علويّةً كالسُهى في عالم الإنسِ

لها إلى البدرِ لمحٌ مِن منازلها

وضيفُها وصفُها في حضرةِ الأُنسِ

وليس ينبيكِ عنها غيرُ ناظرها

لكنَّ عن جودها يُنبي سوى الخمسِ

الحضرةُ كلمةٌ اصطلحوا على إطلاقها بإزاء الحضور المضاف إلى اسمٍ إلهيٍّ، أو صفةٍ، أو حقيقةٍ إلهيّةٍ أو كونيّةٍ، أو غير ذلك من أسماء أو صفات أصحاب المراتب، كقولهم حضرة الكريم، وحضرة الكرم، أو حضرة السلطان أو ما شابه ذلك. وأحياناً يقرنها العامةُ بألف لام التعريف، وأحياناً أخرى بغير تعريفٍ، ويقصدون بها حلقة الذكر والمقصود عندهم حضور المذكور.

والحضرةُ المضافة عند أكثرهم كالعالم كما يظهر في قولهم حضرة المُلك أو عالم المُلك، وكذا يضيفونها إلى الملكوتِ والجبروت بمعانٍ قريبة، ويقصدون بالتنبيه على تلك الحضرات الثلاث الإشارة إلى مراتبٍ ثلاث في الوجود.

فحضرة المُلك عبارة عن عالم الشهادة، وهو عالم الصور الحسيّة والعنصرية، وحضرة الملكوت عبارة عن عالم الأمر، عالم الملائكة والأرواح النورية، أما حضرة الجبروت فيقصدون بها حضرة الأسماء الإلهية، وهي عند بعض القوم عبارة عن عالم الخيال لكون إدراكهم لها لا يحصل عندهم إلا بالنظر لذلك البرزخ، وعلى قدر ذلك النظر (ما قدروا الله حق قدره)، وأصحاب ذلك المشهد في مقام الإحسان، لما ورد عن سيد الخلق في التعريف به من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه).. كما حصروا الحضرات من وجهٍ آخر في خمس حضرات كليّة، وإن كانت الحضرات لا تنحصر في ذاتها.

فالحضرة العُليا حضرة الغيب المُطلق، وهي حضرة أسمائه تعالى وتقدّسَ ما علمنا منها، وما لم نعلم، من حيث هي هو لا من حيث دلالتها عندنا عليه سبحانه، ولا من حيث ظهور أحكامها في العالم، بل من حيث القدم المشار إليه بالقول المشهور في الأثر (كان الله ولم يكن معه شيء). ولذا قيل في هذه الحضرةِ حضرة الغيب المطلق.

ويقابلها حضرة الشهادة، وعالمها عالم الصور الحسية والعنصرية، كما سبق الإشارة في الكلام عن عالم المُلك الذي هو أحد أسمائها اصطلاحا، وإلا فالكل مُلكه تعالى. فهاتان حضرتان بينهما حضرة جامعةٌ هي الحضرة الثالثة، وجمعيتها عبارة عن تنزّل الأسماء الإلهية على صور الحقائق الكونية المعقولة لا المحسوسة، أعني حقائق عالم الشهادة مجردةً عن الصور، فتلك حضرة الكمال الإنساني المستحق الخلافة، وربما أطلقوا عليها حضرة الإنسان الكامل.

ثم يكون بين تلك الحضرة وحضرة الغيب المطلق حضرةٌ رابعة هي حضرة الغيب المقيَّد، وعالمها عبارة عن الأرواح الملكية والصور النورانية. أما الحضرة الخامسة فحضرة المُثل والمعاني المجردة عن صور أشخاص عالم الشهادة، وهي كما يتضح من وصفها بين حضرة الكمال الإنساني وحضرة الشهادة.

فتلك حضراتٌ خمس وهي أفلاكٌ معقولةٌ للبعض مشهودةٌ لغيرهم، وكذا تداخُلها وامتزاجُها معقولان أو مشهودان بشهادةٍ مخصوصة بحكم السريان من العلو إلى السفل صورةً ومرتبةً، وكذا بحكم التأثير الأصلي وهو تأثير الأعلى في الأسفل، وغير ذلك من التأثيرات الحِكمية كتأثير الأصغر في الأكبر بالعطف وإلقاء المحبة، والتسخير الإلهي وغير ذلك مما يُعلم شرعاً أو عقلاً أو ذوقاً.

والحضرة العليا، حضرة الغيب المطلق، عبارة عن مسرح نزهة الأسماء الإلهية والحقائق، حيث لا نِسب ولا إضافات ولا زيادة ولا نقصان، ولا قبل ولا بعد، ولا ظهور ولا بطون، ولا تأثير ولا أثر ولا مؤثِّر ولا متأثر، لاستحالة أن يؤثر سبحانه في نفسه، فذلك ما يقال في حضرة القديم تعالى وما هو حاصلٌ في القِدم دائمٌ لم يزل بسرِّ ديمومة الأزل، وهو سبحانه الذي يغيّر ولا يتغيّر.

ثم إن مظهر التقارب والتمازج الحاصل في حضرة الغيب المطلق عبارة عن أنوار فيوضات أحكام تلك الحضرة، وما ذلك المظهر أولا إلا حضرة الغيب المقيَّد، عالم الأرواح النورية والصور الملكية الأمناء على أحكام الحضرة الإلهية.. ثم يكون لما صدر من أحكام حضرة الغيب المُطلق تنزّل مظهره عبارة عن الحقائق الكونية الكلية في الحضرة الجامعة الكمالية المسماة بحضرة الكمال الإنساني، ويكون كذلك تنزل تلك الحقائق الكونية إلى عالم المثل والمعاني، ومن وراء ذلك التنزّل يبرز عالم الشهادة الذي هو مظهر المثل والمعاني، وصور أشخاصها ومفرداتها حال التركيب. وكل ما سبقت الإشارة إليه فهو حضرةٌ عند من نظر إلى استنادها لله تعالى فلا يراها هكذا إلا طالب الحق والسالك على طريقه. وهو على التحقيق على صورة ما ينظر، وهو مثال تلك الحضرات الخمس، فمن حيث جسمه هو عالم شهادته، أما نفسه فعلى صورة عالم المُثل والمعاني، وكذا قلبه عبارة عن حضرة كماله، أما عقله فمثال لعالم الأرواح الأمناء لتلقيه عن الروح والتي هي غيب الإنسان.

فمن أراد السلوك على هذا الطريق فلينظر أولا إلى عالم شهادته بما يرى فيها من جمادٍ ونباتٍ وحيوان، ومتحرك وثابت وناطق وصامت، مما يضاهي عالم الشهادة، وعلى قدر اجتماع ذلك فيه، وحضوره معه من كونه مستندًا إلى الحق تعالى، تكون مرتبته في عالم الشهادة.

فإن ارتقى بالنظر إلى عالم المُثل والمعاني وازن بين ما حوته تلك الحضرة وما في نفسه منها، أو من أمثالها، فكان دورانه في ذلك الفلك جمعيةً يرقى بها إلى حضرة الكمال الإنساني، وفي تلك الحضرة تتنزل الإمدادات الملكية الكلية، ومنها تتنزل إلى ما دونها من الحضرات، ويكون ذلك الحضور منه عبارة عن الكشف والمشاهدة والمعاينة، والعروج العقلي والروحاني كلٌّ بحسب ما أودع الحق فيه من القابلية والأهلية، وليس وراء ذلك إلا السحق والمحق والطمس، جعلنا الله وإياكم ممن تحقق بالحق، والله يهدي إلى سواء السبيل.

 

تذييل

وبعد.. فإن ما نحن بصدده من تقسيم الحضرات لا يصح حصره بغير النظر إلى العالم، من حيث استناده إلى الحق تعالى، من حيث هو هو لا من حيث اسم معين، وهذه الاستنادات والنسب والإضافات من كون تلك الحضرات عبارة عن فيض الغيب المطلق في المراتب المذكورة، وإلا فالحضرات لا تنحصر كما سبقت الإشارة، فإن أردت نسب الحضرات أو إضافتها إلى الأسماء الإلهية خرجت عن الحصرين السابقين ولابد فأوقفك الله على ما لو انحصر من الحضرات لكان علة حصره قدر ما علمت من أسمائه تعالى.

والمعوَّل عليه في معرفة حضرات الأسماء وقوف العبد مع الاسم المعين وذوق استناد ما ظهر له من العالم إلى نفس الاسم، ثم يكون الضابط لمعارفك إدراكك بكون التجلي دائمًا أما مشاهدة العبد للتجلي فغير دائمة.

ثم نبدأ بالتمييز بين إضافة الحضرة المعينة إلى الاسم المعين وإضافتها إلى حقيقة ذلك الاسم، ومثال ذلك للتقريب أن هناك تمايزًا ولابد بين حضرة الأحدية وحضرة الاسم الأحد، فحضرة الأحدية اصطلاحاً عبارة عن جمعية الذات المعبر عنها بالغيب المطلق، أما حضرة الاسم الأحد فعبارة عن ما يجده الواقف مع اسمه تعالى الأحد، وأقرب من هذا ما نجده من التميز بين حضرة العلم وحضرة العليم، وجميع حضرات الأسماء واحدية ولابد إذا المتجلي للعبد فيها أنوار اسمٍ واحدٍ من الأسماء الإلهية ولو كان الاسم الأحد، أما تجلي أحدية الذات فلا عبارة عنه.

أما عن حضرة الإنسان الكامل فقد وسمناها في المقال بحضرة الكمال الإنساني أيضاً، وذلك لكونها تختص بتلك الجمعية الكمالية لا بشخص الكامل، والجامع على التحقيق لما في الحضرات الخمس المذكورة من الكمالات حقيقة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، أما الحضرة المتوسطة فجامعة لما فوقها وما تحتها من الحضرات من كونها مختصرًا شريفًا لتلك الحضرات، أعني أن جمعيتها تكون للحضرات الأربع، أما أحدية جمعها فلا تتجلى إلا في الحقيقة المحمدية، صلوات الله وسلامه على صاحبها وآله، إذ يستحيل عقلاً وشرعاً أن تجتمع حقائق العالم، وفيها حقيقته صلى الله عليه وسلم، في حقيقةِ شخصٍ من أشخاص العالم غيره صلى الله عليه وسلم، وإلا كانت حقيقة ذلك الشخص أكمل وهذا محال.

أما من جهة نسبة حضرة الإنسان الكامل إلى الاسم الله، فمن وجه كونه الاسم الجامع لا من وجه عظمته، فتكون حضرة الإنسان الكامل مجلى لجمعية الاسم الله لا لعظمته التي هي إزاره، فافهم فهمك الله وإيانا.

ثم نرجع ونقول إن التمييز واجب بين تجليات الواحدية وحضرة اسمه الواحد، فالواحدية عبارة عن تجليه في كل شيء, وأظهر ما يكون ذلك التجلي في الحقيقة الآدمية، أما تجلي اسمه الواحد فلا ينحصر إلا بحسب استهلاكك في ذلك الاسم.

ولا يتصور أحد أن تلك الجمعية جمعية لأضاد، إذ لا تظهر ضدية الشيء إلا بوجود غيره، وعليه فلا يكون إدراك الأضاد إلا بالنظر للكثرة، وجمعية حضرة الكمال في أحديتها لا في كثرتها، ولذلك لا تلحظ تضادًا ولا تعارضًا في كامل من حيث جمعيته وهذه مسألةٌ دقيقة.

فإن جمعنا ما سبق وجب التنبيه على ما يحتاج السالك المبتديء والمتوسط والكبير من غير الكُمّل إليه، إذ للكُمّل مسالك أخرى، فالذي ينبغي التنبيه إليه أن استقبال مثل هذه الفيوض لا يكون إلا بجمعية المستقبل التي تحدث بها المناسبة مع ما يقابل من الحضرات، وتحصيل هذه الجمعية بتفريغ المحل، فمن أراد فهماً فرّغ محل الفهم، ومن أراد مشاهدةً فرّغ محل المشاهدة والذوق وهو المقصود (أعني القلب) وهو مستوى الاسم الجامع (الله) لا مجلاه فحاشاه، وكذلك نقول في حضرة الكمال الإنساني وأشخاص الكُمّل لاستيلاء الاسم عليهم، والحذر الحذر من الالتباس ههنا فليس وراءه إلا التلبيس، إذ لا مجلى لألوهيته تعالى إلا ألوهيته تعالى.

ثم نرجع إلى تفريغ المحل فنقول إن انشغاله بانطباع الكثرة فيه، وهي في النفس الخواطر، وفي العقل الأفكار، وفي القلب صور المطلوبات من العالم المعبر عنها بالران والصدأ وغير ذلك، ويكون التفريغ بمداومة ذكر اللسان أولاً كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (لا يزال لسانك رطباً بذِكر الله) مع النظر لحروف الذكر تعقلا لا تصوراً، إذ في التعقل تجريد وتخلية، وفي التصور تشعيب وتكثير، فمن داوم على ذلك نطق قلبه بنفس الذكر أو بغيره، فإن طال عليه ذكر القلب اجتهد أن يلزم قلبه الصمت ساعة فتلك ساعة الجمعية، والله أعلم، وفيها تكون المقابلة لحصول المناسبة الأحدية الجمعية المشار إليها.

فذكر اللسان زاجرٌ للخواطر، وذكر القلب مزيل للصدأ، وذكر السر جمعيةٌ أصيلة، ولكل ذكرٍ ظاهرٌ هو لفظه، وباطنٌ هو معناه، أما باطن الباطن فهو حال الذاكر، وهو حقيقة التوجه المعبر عنه بالتعرض شرعاً، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها) والله يقول الحق ويهدي إلى صراطٍ مستقيم بمنِّه وفضله.

وربما يستلزم الكلام عن الحضرة الوسطي الكلام عن ماهية القلب، وهو ما سوف أخصص له مقالة قادمة.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s