رحاب إبراهيم تكتب: نظارة جدي

 رحاب إبراهيم

أنا أحب أستاذ زاهر لأنه يلبس نظارة, ولأنه يسمح لنا بدخول  المكتبة هربا من حصة الزراعة, ولأنه صدقني حين قلت له إن أستاذ حسن يوقفنا في الشمس وهذا ظلم لأن البنات يكن في حصة التدبير المنزلي لا عمل لهن سوى الأكل وتذوق الحلوى.

وأحبه لأنه يحكي لنا في حصة العلوم عن أشياء غير موجودة في كتاب المدرسة, ولهذا نسكت جميعا ونسمع.

وعندما حكى لنا حكاية مالك الحزين الذي ظل الناس يسألونه عن سبب حزنه حتى تحول اسمه من  البلشون” إلى “مالك الحزين” قصصت صورة طائر وألصقتها على دولابي وكتبت تحتها بخط كبير “مالك الحزين” وحين رآه بابا ضحك وقال إن هذا هو أبو قردان.

طلب منا أستاذ زاهر الاشتراك في جماعة الصحافة التي ينظمها، وعندما سأله هيثم ماذا سنفعل في الصحافة قال ستنقل صورا من حولك للناس، فقال هيثم هل سنرسم ؟ قال نعم.. لكن سنرسم بالكلمات.

أعجبتني الفكرة, وخصوصا حين حكى لنا عن مشكلة اسمها التفرقة العنصرية, فذهبت إلى أستاذة ماجدة، مشرفة المكتبة، وطلبت منها كتابا عن التفرقة العنصرية, أعطتني مجلدا أسود كبيرا.. بدأت بقراءة سطرين, لكن الخط كان صغيرا جدا ولم يكن به أي صور فتركته, وقررت أن أكتب شيئا عن ألعاب الأطفال في العالم.

والحقيقة أني نقلت معظمه من مجلة “ماجد”.. ولكنني كتبته بخط جميل وزينت الصفحة, وبينما أنا أقرأه لهيثم في الطابور جاء ولد من خلفي وخطف الورقة مني, استطعت أن أمسك طرف قميصه لكنه كان سريعا جدا فأفلت, وسببته بصوت عال.. بعدها صرفت نظري عن موضوع الصحافة.. حتى عندما حكيت لجدي وطلب مني ألا أيأس وأن أكتبها مرة أخرى بخط أجمل, رفضت.

أحب جدي لأنه يلبس نظارة أيضا, وأجمل ما في نظارته هو أنها قريبة من يدي لأنه يخلعها حين ينام أو يتوضأ, وكثيرا ما يطلب مني أن أناوله إياها فأمسكها وأتراقص بها في يدي ولا يكف هو عن الصراخ: إمسكها من هنا.. لا ليس من  هنا.. حاسب ستخبطها”.

وهكذا حتى تصل إليه أخيرا  فيخطفها من يدي.

عندما أكبر سأصبح صحفيا وألبس نظارة مثل جدي ومثل أستاذ زاهر.. وهذه هي فرصتي.. النظارة موضوعة علي الصحيفة وجدو في الحمام.. أمسكتها بحرص وتلتفت حولي.. ثم وضعتها علي عيني.. فتحولت الصحيفة فجأة إلى ديدان متحركة لونها أبيض وأسود.. رفعت رأسي فوجدت مكان صورة بابا شبحا مخيفا يبتسم ويقترب مني.. نظرت حولي فوجدت جدران الحجرة تتعوج والكراسي تستطيل وتقصر.. وحين أردت أن أتحرك خبطت في المكتب الذي تحول إلى بقعة سوداء كبيرة تهجم عليّ..

خلعتها بسرعة ووضعتها على المكتب, أحسست برأسي يؤلمني.. أغمضت عينيّ وفتحتهما ونظرت إلى النظارة ثم إلى جدو وهو يخرج من الحمام ويجفف وجهه.. طلب مني أن أناوله إياها فتظاهرت بعدم السمع وابتعدت عن الحجرة.. شتمني وتحسس المكتب حتى اصطدمت يده بها ووضعها على عينيه, وبدأ يقرأ في هدوء.. ظللت أراقبه من بعيد ثم سألته “انت عارف تقرا بالنضارة يا جدو؟” نظر إليّ وابتسم “أمال مابعرفش يا وله”.. “قصدي يعني النضارة دي عارف تشوف بيها؟”.. وحين بدأ في السباب جريت قبل أن بضربني بجد.

وحين سألني أستاذ زاهر وهو يصحح الكراسات “انت بتبص لي كده ليه زي ما تكون شايف عفريت؟!”, خجلت ونظرت إلى الأرض.

طلب مني جدو في المساء أن أضع النظارة على المكتب لأنه سينام.. وقفت عند باب الحجرة, وأخذت نفسا عميقا, وقلت له “لأ” بصوت عال.. ثم جريت.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s