محمد إقبال وأم كلثوم

خالد محمد عبده

بقلم: خالد محمد عبده

إنّ صوتي قد أوقد النار القديمة في بلاد إيران،

ولكن العرب لا يعرفون شيئًا عن نغماتي الشجية (إقبال).

تمنى أحد الألمان أن يلقى “إقبال” وهو ما يزال حيًّا خاصة بعدما قرأ أعماله التي ترجمت إلى الألمانية والإنجليزية منذ وقت مبكّر، كان هذا الرجل شاعرًا وصاحب فلسفة ورؤية تمامًا كـ”إقبال”، ولأنه لم يكن يتقن الفارسية وكان معجبًا بـ”إقبال”، فترجم بعض قصائده عن الإنجليزية إلى الألمانية ونشر هذه القصائد نشرة محدودة كانت سببًا فيما بعد لاهتمام السيدة أنّا ماري شيمل بـ”إقبال” وترجمة أهم أعماله ومعراجه الروحي (جاويد نامة- رسالة الخلود) والتأليف عنه كتبًا مستقلة وإلقاء محاضرات في ألمانيا وأمريكا وباكستان وتركيا عن هذه الشخصية الفريدة التي وصفها نيكلسون المستشرق الانجليزي بقوله: لقد جَاءَ إقبالُ كرسول إنْ لم يكن لعصرِه فلسائرِ العُصورِ.

وصدّر هرمان هسه Hermann Hesse رسالة الخلود (جاويد نامه) لـ”إقبال”، التي ترجمتها شيمل بقوله: ينتمي السير محمد إقبال إلى ثلاثة أحياز روحية، وهذه الأحياز الروحية الثلاثة هي منابع آثاره العظيمة، وهي: حيّز القارة الهندية، وحيّز العالم الإسلامي، وحيّز الفكر الغربي.

من هو إقبال؟

محمد إقبال هو المفكر الهندي المسلم، الذي امتدت شهرته في العالم وهو لا يزال حيًّا، ولقيت مؤلفاته وكتاباته عناية في البلاد الناطقة بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية منذ وقت مبكر، ويمكن اعتباره استئنافًا حقيقيًا للحوار الأصيل بين الشرق والغرب، حوار يقف فيه “إقبال” بجوار “غوته” الذي جسّد حواره الحقيقي مع الشرق في ديوانه الغربي الشرقي، أو الديوان الشرقي للمؤلف الغربي (كما سمّاه عبد الرحمن بدوي).

ويمكننا أن نقول مع “هسّه” إذا كان “إقبال” هنديَّ الأصل إلاّ أنه أحسن قراءة القرآن كما علّمه والده، وفي سن مبكّرة استطاع أن يفهم من رسالة القرآن ومن رحلة النبي ما يجعله يعيد بناء فلسفة وفكر قديم، وليس القرآن وحده المرجع عند إقبال، بل الذي قرأ القرآن قرأ الفيدانتا، وقرأ نصوص التّصوّف العربي والفارسي.

وفي الوقت الذي اطّلع فيه “إقبال” على “هيجل” طالع مؤلفات ابن عربي، وإذا كان قد قرأ “برجسون” وساجله، فلم يترك بساتين سنائي الغزنوي، وإذ بدا في حياته الأولى ناقدًا بحدّة لكتابات حافظ الشيرازي الذي رأى فيها دعمًا لوحدة الوجود، وتغييبًا لعوام المسلمين في الهند، فإنه لم يجد مرشدًا ودليلاً في رحلة حياته ومعراجه وكتاباته الشعرية سوى جلال الدّين الرومي، وكتب أغلب قصائده وأشعاره بنفس أسلوب الرّومي وعلى نفس الوزن (المثنوي) حتى أنّه سُمّي (رومي هذا العصر). وكُرّم من قِبل بلدية قونيه بوسط الأناضول حيث أُقيم له نصبٌ تذكاريٌّ في حديقة مقام الرّومي.

 

اهتمامٌ مصريٌّ بإقبال

سأل أحدهم إقبالاً عن وجهة يتوجّه إليها إذا ما أراد أن يُحصّل علوم اللغة العربية والإسلامية، فأجابه إقبالُ: (ما أحراك أن تولّي وجهك شطر مصر، فلن تجد مثلها بلدًا، ولا مثل أزهرها الشريف للدين والعلم معهدًا). وكرر إقبالُ النصيحة لمن يود الرحيل إلى أوروبا كي يدرس العلوم الدينية هناك، قائلا: (انثن عن هذه النية، وتوجّه إلى مصر وادرس ما تريد أن تدرس في الأزهر). وفي إجابة له على مسألة فقهية كان يُسأل عنها، قال: (لقد أفتى الأستاذ الإمام محمد عبده في هذه المسألة فلترجعوا إلى فتواه).

في 15 يناير 1933 صدر العدد الأول من مجلة الرسالة، ورأس تحريرها أحمد حسن الزيّات، كان شعار المجلة الربط بين الأصالة والمعاصرة، التراث والتحديث، والوصل بين الشرق والغرب، وفي هذا العدد الأول قدّم الأستاذ عبد الوهاب عزّام في صفحة الأدب الشرقي محمد إقبال تحت عنوان: صفحات من الشّعر الهندي، من ديوان رسالة الشرق لشاعر الهند العظيم محمد إقبال، ووصفه بأنه أكبر شعراء الإسلام في عصرنا، تزوّد من الفلسفة القديمة والحديثة ما شاء له الذكاء والاجتهاد، وعلّم الفلسفة في جامعات الهند سنين كثيرة، وهو قائد من قادة الفكر في الهند.. وأخذ يعرض عدة مقاطع بترجمته من هذا الديوان الذي ساجل فيه إقبال غوته، وبدا اطلاعه على الفكر والفلسفة الغربية والعربية واضحًا ملموسًا فيه.

يقول الأستاذ طه حسين عن جهود عزّام في حفل تأبينه: بفضل عبد الوهّاب عزّام استقر تدريس اللغة الفارسية في جامعة القاهرة، وانتقل منها إلى جامعات ومعاهد أخرى، وبفضل عزّام أخذنا نعرف أدب الفرس ونعرف عن آثارهم وأمورهم شيئًا غير قليل.

لم يكن عزّام وحده من أهل مصر من اهتم بإقبال وقدّمه لأهل العربية، وإن كان أولهم، بل تناول راية الاهتمام من بعده كثيرون من أمثال الشيخ الصاوي شعلان الذي كتب عن الحياة والموت في فلسفة إقبال، واعتبره الأستاذ العقّاد خطيب بيت الأمة، كان الصاوي شعلان مكفوف البصر منذ طفولته، ولم يمنعه ذلك من إجادة لغات عدّة حتى أطلق عليه في وقته (هيلين كيلر) الشرق. ترجم الصاوي الكثير من الأشعار لإقبال ترجمة وُصفت بأنها فاقت الأصل حلاوة وعذوبة وجمالا، ومن بين هذه القصائد ما اختارته سيدة الغناء العربي أم كلثوم من ترجمته لمنظومة الشكوى وجواب الشكوى، التي عُرفت بـ(حديث الروح) ولا تزال تُسمع إلى الآن من جمهور عريض يرى في غناء أم كلثوم حياة للروح.

جمعت أم كلثوم بين الشكوى التي بدأت حسب ترجمة الشيخ الصاوي بـ:

شكواي أم نجواي في هذا الدُّجى

ونجوم ليلي حُسّدي أم عـــوّدي

أمسيتُ في الماضي أعيشُ كأنما

قطع الزمان طريق أمسي عن غدي

والطيرُ صادحةٌ على أفنانها

تبكي الرُّبى بــأنينها المتجدد

قد طال تسهيدي وطـال نشيدُها

ومدامعي كالطل في الغصن النَدي

فإلى متى صمتي كأني زهــــرةٌ

خرساء لم تُرزقْ براعة منشدِ.

وجواب الشكوى التي بدأت بـ:

حـــديث الروح للأرواح يَسري

وتـــدركه القلوبُ بلا عنـاءِ

هتفتُ به فطار بلا جَناح

وشــقّ أنينه صــدر الفــــضـاء

ومعدِنُه ترابيٌّ ولكــــن

جرت في لفظــه لغة الســــماءِ

لقد فاضت دموعُ العشق مني

حـــديثاً كــــان علوي النداءِ

فحلق في رُبى الأفْلاك حـتى

أهاج العالم الأعلى بكائـي

وتبعًا لضرورة الغناء أو الاختيار والانتقاء، لم يراع من قدّم القصيدة للسيدة أم كلثوم ترتيب النظم الأساسي لإقبال، فُقدّمَ جواب الشّكوى على الشكوى نفسها، فحديث الروح هي مقطوعة من بحر الوافر، نُظمت في الأصل تحت عنوان (جواب شكوى) ونُشرت ضمن مجموعة حملت عنوان: (بانکَ دار) صلصلة الجرس أو رنين الجرس جمعها كتاب كليات إقبال الذي جمع شعره الأردي.

ويضم ديوان إقبال بانکَ دار مجموعة مختارة من أشعاره الأردية، وتمثّل المجموعة ثلاث مراحل مبكرة من إنتاجه الشعري، نُشر هذا الديوان للمرة الأولى عام 1924م، وقد قسّمه إقبال عدة أقسام، القسم الأول: فيه أشعاره الأولى حتى سفره إلى أوروبا عام 1905، ويحتوي على قصائد قومية ووطنية وأخرى إسلامية وإنسانية. والقسم الثاني: من عام 1905 إلى عام 1908، وهذا القسم جديرٌ بالعناية للباحث في فكر إقبال، إذ يعكس معارفه ومناقشاته ورؤيته هناك. والقسم الثالث: من عام 1908 إلى عام 1924، وهو العام الذي نُشر فيه الكتاب ثم طُبع من بعده أكثر من أربعين مرة.

وقد تضمّن هذا الديوان إضافةً إلى قصيدة “شكوى” و”جواب شكوى”، التي ترجمها الصاوي مع منظومات أخرى من هذا الديوان، وضمّنها كتابه “إيوان إقبال” الذي نُشر في القاهرة عام ١٩٧٧م. وإذا كان هذا الديوان قد نال شهرة واسعة في باكستان وخارجها، إلا أنه لم يترجم كاملاً في اللغة العربية إلا مؤخرًا على يد جلال السعيد الحفناوي، ونشره المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 2003م. وفيما بعد عام 2005 نُشر لحسين مجيب المصري -الذي ترجم لإقبال عدة أعمال وكتب عنه أكثر من ثلاثة كُتب – ترجمته الكاملة لكتاب كلّيات إقبال أردو الذي شاركه فيه حازم محفوظ في المجلس الأعلى للثقافة في مصر.

ولعل محفوظ بعد فترة عمله على إقبال أراد أن يجدد هذه الطبعة لكليات إقبال فنشرها في نفس العام 2005م مصدّرًا لها بإهداء إلى روح المرحوم حسين مجيب المصري، مكتفيًا بالترجمة النثرية التي تقترب مما كتبه إقبال في الأصل، عن النظم الشعري الذي لاحق أغلب ترجمات إقبال العربية.

يظهر لنا مما سبق أن اهتمامًا مصريًّا كبيرًا حدث لكتابات إقبال وشخصيته وفلسفته منذ وقت مبكر، ومن يطالع الدراسات المكتوبة عن إقبال والعرب، أو إقبال في مصر، أو مصر وإقبال، التي أُلفت من قِبل أساتذة مصريين عارفين باللغات الشرقية من فارسية وأوردية وغيرها، سيجد أن أغلب كتابات إقبال تُرجمت منذ وقت طويل، وكثير مما كتبه تُعاد ترجمته مرات، فمن الإجحاف بحق إقبال اليوم أن تتلخص المعرفة به في أنه من غنّت له أم كلثوم !

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s