جامع وجريون وثورة.. محمود قطز

محمود قطز

بعد أن انتهيت من مشاهدة فيلم “بيرانا”، تلك الأسماك التي تأكل أعضاء الصبية والفتيات، وتستطيع اختراق الألواح الحديدية بأسنانها، تذكرتُ بعض ما نسيتُه من الحدث، الذي دونتُه، فانقطع النت فجأةً أثناء حفظه، حينها، كنتُ وصديقي في طريقنا لشراء عُلبة سجائرٍ روثمان، من الكُشك الذي يبتعد عن طلعت حرب بشارعين خلفيين تقريباً، الثالثة إلا عشر دقائق صباحاً من اليوم، توقيتٌ مُبهم بالنسبة لتظاهرةٍ في أول الشارع يقودُها شباب الجماعة.. نصحني الصديق، أن أنتظر حتى نشتري سجائرنا، ثم نعود ونصورهم فيديو، سيكونون وصلوا لنهاية الشارع.. لكن قبل ذلك كله، لمحتُ في الممر الذي يفصل الجريون عن بنايةٍ بدت خاشعة.. في الغالب مسجد، لمحتُ رُجلاً مع صديقتيه خارجين من البار، كان يقبلُ إحداهما، أو هي تقبله لا أتذكر، فيما الفتاة الثانية، لمحت، أني لمحتُهم.. فوخزتهما برفقٍ ومضوا، غيرَ مُكترثين، خلتُهم نمساويين، قبل أن ترد فتاةُ القبلةِ على جارها: (شو؟).. خمنتُ أنهم شوام.. وعدنا أدراجنا ونحن نفكرُ ما الدلالةُ في تجاور الجريون مع الجامع.. لو قُلنا مثلاً إن هذا يرمزُ للمجون، والآخر للتقوى.. في الواقع.. لم أرَ الجامع كجامع ” الجُند” الذي بناه مُعاذ بن جبل بعد فتحه اليمن مُباشرةً، ولم أره كذلك مسجداً ضِراراً، لستُ واثقاً كذلك من أن “الجريون” ضِرارٌ أم لا.. في الغالب، كنتُ صليتُ صلاتين هناك.. وجلستُ مرتين هنا.. على الأرجح.. أن الجامعَ والجريون ليسا ضِرارين، بل هما ضريران الآن.

حيثُ يؤذنُ الفجر.. من مسجدٍ بعيد.. وهذا الجامعُ مُغلق.. والجريون مُغلق.. لم نفهم أيهما جاء إلى الدنيا قبل الآخر؟.. هذا لم يكن سؤالاً بل إجابةً لسؤالٍ لم يُسأل بعد، من جاء؟ وهل المجون والتقوى ضدان بالأساس؟، نعم هما ضدان وفقَ ما تربيتُ عليه، وفُطرت.. لكن ماذا عن الرمز الذي يجعلني ماجناً في كلماتي وتحبُني الزهور التي تفهم لُغتي.. كما أنني سعيدٌ للغاية، وأنا أستعيدُ نشاطي الكتابي، بمشاهدَ فارقة.. وأنا أُرجعُ هذه الموهبة لقدرة القادرِ في عباده وبلاده.. كأني أتحدى الصوفيين الذين يبحثون في آخر اليوم عن شريط إكسدرين ليُذهبوا صُداعهم.. أنا أُذهبُ صُداعي في كتابتي.. وكان المشهدُ الأكثر كوميديا في الفيلم.. أن الرجل السمين، الذي كان يستمنئ في حمام السباحة، عضته سمكةٌ حديدية شرسة في مؤخرته، فاتجه إلى البلاعة التي لجأ إليها السمك، بعد تفريغ حمام السباحة من الماء، وسكب فيها بنزيناً، ووراءها ما بقى من سيجارته مشتعلاً، فانفجر الحمام، وطار السمكُ وبين خياشيمه أقدامٌ وسواعد، وأعضاء كثيرة ومتباينة، كانت سمكةٌ طفلة تستريح على صدرٍ مبتور لإحدى السابحات.. أما المشهدُ الدموى حقاً والمرعب، أثناء مُضاجعة شابٍ لفتاته بعد طلبها المُلِّح.. وكانت أثناء سباحتها تسربت سمكة إلى جوف أنوثتها فعاشا معاً في سلام.. لكن حينما أزعج الشابُ السمكة المُسالمة بحركته.. قضمت ذكورته، فانفلت من فتاته ليختن نفسه مُجددا في المطبخ.

وصلت التظاهرة إلى نهاية طلعت حرب.. في ميدانه وقبل أن تصل للتمثال أخرجتُ هاتفي ورحتُ أصورها، لكن لاحظتُ أن رجلاً أجنبياً يصورها أيضاً في هذا التوقيت الغريب.. وبعد أن كان يشغلني فكرة ماذا سيحدث لو التقى الماجنون الثلاثة، الذين قابلناهم في ممر الجريون والجامع، بالتُقاة الذين يهتفون في هذه الساعة “مُرس يييي.. مُرس يييي” هتاف إعلان إريال بالضبط: “إرياااااال.. إرياال” حتى أن هناك دراجات بخارية خلفهم تطلق الكلاكسات بعد كل نداء: “تيتتيت” في إريال: “أوو.. أو”.. انشغلتُ عن هذه الفكرة مُقتنعاً بعدم حدوث صدام أخلاقي بينهم.. وتتبعت بكاميرا الهاتف هذا الأجنبيّ الذي يبدو كجاسوسٍ ولما لمحني أصوره تراجعَ بخطواتٍ مُتسارعة، وتتبعته حتى اختفى، ثم عدْتُ لأختم المشهد بشىءٍ من التظاهرة، لم يحالفني الحظ لأنقل وقائع هذا الفيديو لكم، حيث لم انتبه للأمر “تسجيل مقطع فيديو” فلم أصور شيئاً بالمرة من التظاهرات، كان الميدانُ بعد صلاة المغرب قد أوقف الألعاب النارية، وواصلها بعد صلاة العشاء، ففي حضرة الصلاة لا ألعاب، لكن حقيقةً لم أكن أعرف يتواصلون مع من؟ أثناء هتافهم.

ما علينا.. في نهاية الفيلم “بيرانا” الكوميدي والمرعب في الوقت ذاته.. كانت الأسماك تتعلم الترجل لتواجه اندثارها الذي تم في الانفجار السابق.. قررتُ بعد تفكيرٍ مُجهد.. أن أكونَ هادئاً مع الفتاة التي أواعدُها.. حتى لا تفاجئني سمكةٌ لها أقدام.. لكن.. هل قررت هي أن تكون هادئة؟.. ليست مُشكلةً عويصةً طالما سيصبحُ الصباح، وأستمع لــ “عدوية” يغني “صبح الصباح يا ليل.. وراحت عليك بدري”.. وأنتظرها في صلةٍ تصلُنا بأرواحنا النافقات.. سأعطيها ما أملكُ من شجاعةٍ.. وستعطيني شيئاً من المُلمَّات.. البحرُ هائجٌ تماماً.. والسحرُ يتوارى من أجلنا.. الخُلاصة.. أن الجامعَ جامع “الجُند”.. والجريون جريون “الجند”.. والأجنادُ الحقيقيون نائمون في صفحة الأرض.. ففهمتُ أن الجاسوس الذي هرب أثناء تصويري له هو الذي كان يصورني.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s