الديناميات الاجتماعية للعولمة

ياسر شعبان 

عرض: ياسر شعبان

يرى بعض الباحثين أن العولمة ليست وليدة اليوم؛ بل هي عملية تاريخية قديمة مرت عبر الزمن بمراحل ترجع إلى بداية القرن الخامس عشر، إلى زمن النهضة الأوروبية الحديثة مع نشأة المجتمعات القومية. وبدأت العولمة ببزوغ ظاهرة الدولة القومية عندما حلت الدولة محل الإقطاعية، مما زاد في توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدوداً بحدود المقاطعة.

إن لفظة العولمة هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي  (Globalization)، وبعضهم يترجمها بالكونية، وبعضهم يترجمه بالكوكبة، والبعض الآخر بالشوملة، إلا إنه في الآونة الأخيرة اشتهر بين الباحثين مصطلح العولمة، وأصبح هو أكثر الترجمات شيوعاً بين المشتغلين بالسياسة والاقتصاد والإعلام. وتحليل الكلمة بالمعنى اللغوي يعني تعميم الشيء وإكسابه الصبغة العالمية وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله. وكثرت الأقوال حول تعريف معنى العولمة لدرجة أنه لا يوجد تعريف جامع مانع يحوي جميع التعريفات وذلك لغموض مفهوم العولمة، ولاختلافات وجهة الباحثين، فتجد للاقتصاديين تعريف، وللسياسيين تعريف، وللاجتماعيين تعريف. ويمكن تقسيم هذه التعريفات إلى ثلاثة أنواع: ظاهرة اقتصادية، وهيمنة أميركية، وثورة تكنولوجية واجتماعية.

دافيد سينغ جريوال

ومؤخراً صدر كتاب بعنوان “قوة الشبكات.. الديناميات الاجتماعية للعولمة Network Power: The Social Dynamics of Globalization”، الصادر عن ” Yale University Pres” لأحد طلبة الدراسات العليا بجامعة هارفارد “دافيد سينغ جريوال  David Singh Grewal” الذي يقدم فرضية جديدة لاستكشاف العولمة من خلال ما دعاه “قوة الشبكات”؛ فالشبكات هي الوسيلة التي تتقدم بواسطتها العولمة، وهناك معايير مزروعة في جميع الشبكات. وقال جريوال بأنه، من الناحية النظرية، نستطيع أن نختار من بين هذه المعايير ونصبح أكثر حرية. ولكن من الناحية العملية، فإن خياراتنا تضيق بمرور الوقت، وبالتالي تُفرَض المعايير علينا.

ولقد تم تقديم المفاهيم الواردة في الكتاب وعرضها بقدر كبير من الوضوح النظري لدرجة يستطيع جميع القراء، حتى أولئك الذين لا يشاطرون جريوال التزامه بالوقوف في وجه الرأسمالية العالمية، أن يطبقوا تأملاته النافذة على مجالات أخرى: ما هي آثار قوة الشبكات التي تفسر الانتشار المفاجئ للحركة المناهضة للتدخين؟، كيف تحول تأسيس الولايات المتحدة لرقم الضمان الاجتماعي إلى نظام للتعقب المالي؟، هل تعتبر “الممارسة السياسية الصحيحة” مجرد نفاق عتيق الطراز أم أنها تستمد قوة جديدة شريرة من قوة الشبكات؟.

 

العولمة ظاهرة اقتصادية

عرّف صندوق النقد الدولي العولمة بأنها: “التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم، والذي يحتّمه تزايد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود، إضافة إلى رءوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله.

وعرفها “روبنز ريكابير”، الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والنمو، بأنها: “العملية التي تُملي على المنتجين والمستثمرين التصرف وكأن الاقتصاد العالمي يتكون من سوق واحدة، ومنطقة إنتاج واحدة مقسمة إلى مناطق اقتصادية وليس إلى اقتصاديات وطنية مرتبطة بعلاقات تجارية واستثمارية.

وعند صادق العظم هي: “حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ”.

 

العولمة.. هيمنة أميركية

قدم محمد عابد الجابري تعريفاً للعولمة بوصفها: “العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه، وهو الولايات المتحدة الأميركية بالذات، على بلدان العالم أجمع”. وبهذا التعريف تكون العولمة دعوة إلى تبنى إيديولوجية معينة تعبر عن إرادة الهيمنة الأميركية على العالم. ولعل المفكر الأميركي “فرانسيس فوكوياما”، صاحب كتاب “نهاية التاريخ”، يعبر عن هذا الاتجاه فهو يرى أن نهاية الحرب الباردة تمثل المحصلة النهائية للمعركة الإيديولوجية التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية، وهي الحقبة التي تحققت فيها الهيمنة التكنولوجية لأميركا.

 1

العولمة.. ثورة تكنولوجية واجتماعية

يذهب عالم الاجتماع “جيمس روزناو” في تعريفه للعولمة إلى قول: “العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل؛ الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود، وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، ونتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة”. وعرفها بعضهم بأنها: “الاتجاه المتنامي الذي يصبح به العالم نسبياً كُرةً اجتماعية بلا حدود. أي أن الحدود الجغرافية لا يُعتد بها حيث يصبح العالم أكثر اتصالاً مما يجعل الحياة الاجتماعية متداخلة بين الأمم”.

فهو يرى أن العولمة شكل جديد من أشكال النشاط، فهي امتداد طبيعي لانسياب المعارف ويُسر تداولها، تم فيه الانتقال بشكل حاسم من الرأسمالية الصناعية إلى المفهوم ما بعد الصناعي للعلاقات الصناعية.

وهناك من يعرفها بأنها: “زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع ورءوس الأموال وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات”. وعرفها إسماعيل صبري تعريفاً شاملاً فقال: “هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون الحاجة إلى إجراءات حكومية”.

 

العولمة والحكومة العالمية

جاء في إعلان حقوق الإنسان الثاني عام 1973: “إننا نأسف بشدة لتقسيم الجنس البشري على أسس قومية. لقد وصلنا إلى نقطة تحول في التاريخ البشري حيث يكون أحسن اختيار هو تجاوز حدود السياسة القومية، والتحرك نحو بناء نظام عالمي مبني على أساس إقامة حكومة فيدرالية تتخطى الحدود القومية”.

وقال “بنيامين كريم”، أحد قادة حركة العصر الجديد عام 1982،: “ما هي الخطة؟ إنها تشمل إحلال حكومة عالمية جديدة، وديانة جديدة”.

وكانت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة “مارجريت تاتشر” قد اقترحت فكرة العولمة يرافقها في ذلك الرئيس الأميركي السابق “رولاند ريغان”. وانبثقت وجهة نظر تاتشر الاقتصادية ـ والتي عُرفت بالتاتشرية ـ من الاستحواذ اليهودي على المال والسلاح، حيث أن فكرتها الاقتصادية ـ والتي صاغها اليهودي جوزيف ـ تهدف إلى جعل الغني أغنى والفقير أفقر.

 

العولمة وقوة الشبكات الاجتماعية

يقدم جريوال في كتابه “قوة الشبكات” أطروحة بأن الشبكات تميل إلى النمو، وأنه بمرور الوقت سيكون الشيء الأكثر جاذبية فيما يتعلق بالشبكات هو ببساطة أن عدداً كبيراً من الناس سبق أن اختاروها. وهنا تكمن قوة الشبكات؛ فعند وصول شبكة ما إلى “الكتلة الحرجة” لا يستطيع المرء أن يقاوم حوافز الانضمام إليها.

ومن المؤكد أن لبعض المعايير من السمات الداخلية ما يجعلها أفضل من غيرها، فعند نمو قوة الشبكة لمعيار ما، فإن الأسباب الداخلية التي تدعو إلى تبنيه تصبح أقل أهمية مقارنة بالمزايا الخارجية للتنسيق الذي يمكن أن يوفره ذلك المعيار، ويتخلى الناس عن الشبكات البديلة. وفي نهاية المطاف، تختفي تلك البدائل جميعاً، ويصبح خيار الشبكات هو خيار هوبسون (ويشير إلى بقاء المرء حراً في اختيار شبكته)، ولكن التمييز بين خيار الانضمام إلى شبكة والاضطرار للانضمام إليها يصبح أقل وضوحًا”.

يرى جريوال حدوث هذا التزاوج بين السبب والقوة في كثير من المجالات الاقتصادية وغير الاقتصادية، من نظام عمل برنامج التشغيل “ويندوزWindows ” إلى مقياس الآيزو 9000 للإشراف الصناعي إلى تبني بريطانيا للنظام المتري. ومنذ أن أصبحت الإنجليزية أول لغة عالمية مشتركة، اختار الكثير من الناس طوعاً أن يتحدثوا بهذه اللغة رغم أنها ليست لغتهم الأصلية. ولكن بالنسبة لشخص يريد المشاركة في الاقتصاد العالمي، فإلى أي حد يعتبر هذا خياراً حقيقياً؟

يعتقد جريوال أن الشبكات يمكن أن تعتدي على ما نتمتع به من استقلال سياسي، عبر تحويله إلى أوضاع يكون فيها الاعتراض ممكناً ولكن لا جدوى منه. ورغم أن الناس تدخلها بمحض حريتها، فإن الشبكات، مثلها في ذلك مثل الأنظمة السياسية، يمكن أن تؤثر في النتائج. ويمكن تمويه نظام جديد كنوع من زيادة الخيارات.

ويعتقد جريوال أن هناك ثلاثة أبعاد تختلف فيها الشبكات، وهذه الأبعاد هي: التناغم (مع الشبكات الأخرى)، والتوفر (الانفتاح)، والقابلية للطرق أو المطواعية. وتميل الشبكات لأن تكون منفتحة ومتناغمة في المراحل الأولى، ولأن تكون منفتحة وغير متناغمة في المراحل التالية.

الانتقال من الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة (الجات) إلى منظمة التجارة العالمية في أواسط تسعينيات القرن الماضي، هو خير برهان على هذه العملية، كما يعتقد جريوال. ذلك أن المنطق الخاص بالمبدأ الأساسي لمنظمة التجارة العالمية، الذي يقوم على عدم التمييز بين الشركاء التجاريين، يعطي الهيئة والسلطة التي تذهب إلى أبعد من تنظيم التجارة إلى مجالات السياسة المحلية التي كانت تحميها السيادة بموجب اتفاقية الجات. ولا ينكر جريوال وجود فعاليات داخلية في مقياس تجاري شفاف وموحد، ولكنه يعتقد أن معظم البلدان تنضم إلى منظمة التجارة العالمية بسبب المزايا الخارجية للمشاركة في الشبكة، وأنها تجد أن المقياس الذي تدعمه الشبكة غير مرغوب فيه داخلياً.

يعلن جريوال بقوة آراءه الخاصة المناهضة للرأسمالية، ولكن مشاركاته السياسية لا تتجاوز تشخيصه. ذلك أن قوة الشبكات تعتمد على ماركس وكينز والفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، لاختبار المشكلة العامة المتمثلة في هيكليات السلطة؛ أي كيف يمكن ممارسة السلطة على الناس حتى حينما لا يكون هناك شخص مرئي يصدر الأوامر. ولكن جريوال يتجنب إرجاع قوة الشبكات إلى الوعي الزائف، فكرة ماركس التي تقول بأنه من الممكن استغباء الناس بسهولة وجعلهم لا يعرفون مصلحتهم. وفي الواقع، يرى جريوال أنه من المسلّم به أن معظم المعايير هي نتاج الموافقة، رغم أنها موافقة تدعو إلى السخرية: “أحد الأشياء المثيرة في العولمة هو مدى موافقة الناس على هيكليات يعتبرونها عن وعي وبجلاء غير مرغوب فيها”.

ويدعو جريوال إلى إعادة تأكيد السيادة الديمقراطية لمواجهة العواقب غير المقصودة (وغير المرغوب فيها) لخيارات الشبكات. ولكنه يعترف أن الحلول السياسية لقوة الشبكة لم تتضح بعد. فالشبكات ذات صبغة انتقالية بينما تظل السياسة ذات صبغة وطنية، ولا يعتبر جريوال الحكومة العالمية أمراً معقولاً أو مجدياً أو (كما يستطيع المرء أن يقول) مرغوباً فيها.

إن الشيء القّيم في كتابه هو التشخيص وليس الوصفات التي يقدمها. وقد يكون ذلك من أغنى وأقوى التفسيرات التي تمّ تقديمها حتى الآن للعلاقة بين العولمة والتنوع. ومن الواضح أن هناك صلة وثيقة بين هاتين الناحيتين. وحيث إن التنوع الذي نشهده حالياً يفوق التنوع الذي كان موجوداً في عهد آبائنا، فإن هناك ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن التنوع ترعرع على يد العولمة. ولكن هذا خداع للبصر. ذلك أن العولمة لا تقوم بأكثر من إماطة اللثام عن التنوع الذي كان قائماً وموجوداً. وهي تبرز التنوع من أماكن اختبائه، كما يخرج الصياد طريدته من الأكمة، والنتيجة في كلتا الحالتين متشابهة.

 

أوباما وكلينتون والشبكات الاجتماعية على الإنترنت

كان للشبكات الاجتماعية على الإنترنت دور في الحملات الانتخابية الرئاسية الأميركية، فأكثر من أي عامل آخر كان فهم واستيعاب باراك أوباما للقوة والقدرة والدور المحوري للشبكات الاجتماعية على الإنترنت، هو الذي دفع حملته الانتخابية لتسمية وترشيح الديمقراطيين له في تفوق يصعب التغلب عليه.

وهذا ليس مدهشاً، فقد قضى أوباما 10 سنوات فقط من حياته وهو في سن الصبا والشباب في عالم منقسم هو عالم الحرب الباردة، لكن هذا العالم تداعى بعد سقوط جدار برلين من خلال النمو المطرد للشبكات حول العالم بما حقق  المزيد من التواصل. لقد حل التواصل الجماعي محل الدمار الجماعي لأيام الحرب الباردة.

وبالنسبة لهيلاري كلينتون- المولودة في عام 1947- فإن تلك المعادلة مختلفة. فنسقها الذهني هو الانقسام. فعندما ترشح زوجها آخرة مرة رئيساً للولايات المتحدة في عام 1996، كان الإنترنت هامشياً. لقد أثبت الناس في تلك الحملة الانتخابية أنهم غير قادرين بفكرهم على التقدم والتطلع إلى المستقبل لعشر سنوات قادمة. لقد تُركوا كالغزلان التي أعمتها قوة أضواء كاميرات أوباما الخاصة بالإنترنت.

هذا الإخفاق الثقافي كان مدمراً لهيلاري كلينتون. وكما سجل الكاتب “جوشوا جرين” في مقاله المهم بصحيفة “أطلانتيك”، فإن أوباما استخدم الشبكات الاجتماعية على الإنترنت والمواقع الإنترنتية لتنمية الآلة المالية له ولمشاركة الشباب، وهو ما جعله متقدماً.

وأشار جرين إلى أن “حصول أوباما على 1.276.000 متبرع هو رقم كبير جداً بمكان بحيث أن هيلاري كلينتون لم يكن بوسعها أن تضاهيه”. وذكر بعض الأرقام الأخرى في حملة أوباما: منها 750.000 متطوع ناشط و8.000 جماعة مؤيدة. وفي شهر واحد جمع أوباما 55 مليون دولار (منها 45 مليون دولار من خلال الإنترنت)، كانت نسبة 94 % من التبرعات بقيمة 200 دولار أو أقل، وهو رقم يقزم الإسهامات الضئيلة لهيلاري كلينتون وجون ماكين.

لقد كان أوباما منطلقاً في مجال الإنترنت بشكل تلقائي، وهي انطلاقة وحركة تنتشر كانتشار النار في الهشيم، وتلقى قوة الدفع والزخم من بعض أكثر العقول إبداعاً في وادي السليكون الأميركي. وكما في أي ظاهرة على الإنترنت، فلقد تجاوز الحدود الوطنية، وأصبحت له شعبية واسعة في برلين مثلما له في وطنه.

ولم يكن بوسعه تحقيق هذا بدون إحساس بالتاريخ، وبقناعة أن طبيعة عالم ما بعد 11 سبتمبر ـ وهو العالم الذي يقف وراء حرب بدون نهاية ـ ستحددها المشاركة الاجتماعية والتواصل. وفي العالم “المعولم” لمواقع مثل “ماي سبيس” و”لينكيد إن” و”فيس بوك” و”المدونات” وغيرها، تكون للمشاركة الاجتماعية نفس قوة السلطة.

وكما كتب ديفيد سينغ جريوال في “قوة الشبكة”، فإن التوتر الأساسي في العالم ناتج عن أن “كل شئ تتم عولمته فيما عدا السياسة، فنحن نعيش في عالم تتم فيه المشاركة والتنسيق على نحو متزايد في “علاقاتنا الاجتماعية وتجارتنا وثقافتنا وأفكارنا؛ من خلال الحوارات العالمية الحديثة في هذه المجالات ولكن تبقى سياساتنا وطنية ومتمركزة في الدول القومية التي هي موضع لصنع القرار السيادي”.

 

العالم.. مسطح أم مشبك؟

لا تتسبب العولمة في “تسطيح العالم”، كما ذهب “توماس فريدمان” في كتابه الذي صدر قبل بضعة أعوام بعنوان  “A Brief History of the Twenty-first Century The World Is Flat 3.0: “، بقدر ما تدفع كل فرد إلى التوافق مع نسق القيم المتوافر، خاصة ذلك المعمول به في الدول ذات السيادة، هذا ما ذهب إليه “جريوال” في مقال له بعنوان ” العالم ليس مسطحاً بل مشبكاً” والمنشور في صحيفة الجارديان البريطانية بتاريخ 29 يوليو 2008، لكن هل تستخدم العولمة القوة التي تستخدمها جماعات ضد جماعات أخرى؟. لقد اعتدنا على التفكير في القوة بوصفها شيئاً ما يفرض الهيمنة، مثلما هو الحال مع الشركات متعددة الجنسيات، والتي تيسر تحقيق ما يتم استهدافه. لكن في العولمة هناك نوع آخر من القوة، فالعالم المعولم يميل إلى استخدام “الشبكات” التي تشكل سلوكنا وذلك بتوجيهنا إلى تطبيق مجموعة من القيم دون غيرها، تلك القيم التي تبزغ دون قصد أو تخطيط. وعلى سبيل المثال، إذا ما نظرنا إلى التجارة العالمية لن نجد هناك قوانين تفرض تعلم واستخدام اللغة الإنجليزية، لكن الشبكات العولمية تم تشييدها بطريقة جعلت من الأفضل تعلم واستخدام اللغة الإنجليزية.

إن معايير مثل اللغة والقوانين المنظمة للتجارة وبروتوكولات التقنية، تتيح لمشاركين من شبكات متنوعة جغرافياً أن يشاركوا من خلال وسائل وآليات جديدة. وهكذا من التجارة إلى الاتصالات إلى الضوابط الوطنية، فإن ما كان يُعد “محلياً” بشكل رئيس وحصري، أصبح عالمياً، وذلك على خلفية أن الممارسات الخاصة والأنظمة والضوابط والنماذج؛ جميعها أصبحت ذات أبعاد عالمية، ويتم تقديمها بوصفها وسائل نستطيع من خلالها أن نتفاعل ونتشارك مع بعضنا البعض.

وأصبحت هي المعايير التي نحتكم إليها لنقارن ونطابق بين أفعالنا. ولكن تظل هناك حاجة لمعيار واحد مفرد إذا ما أردنا الحصول على شبكة عالمية بكل معنى الكلمة، والتي غالباً ما ستكون على حساب شبكات أخرى بديلة. وتؤدي عولمة معيار مهيمن إلى إقصاء بدائل أخرى بواسطتها قد نتواصل.

وللانضمام إلى شبكة عالمية بعينها، يجب اعتناق وتطبيق معاييرها. ويعني هذا تعلم اللغة الإنجليزية، تطبيق قوانين منظمة التجارة العالمية، أو ارتداء حلة وربطة عنق لحضور اجتماع عمل.

وعند القيام بمثل هذه الأشياء، أو عند توفر الرغبة والجاهزية لتغيير سلوكك الآن، فربما يحق القول بأن العالم قد أصبح مسطحاً. لكن إذا لم تفعل أو لم يكن بوسعك أن تفعل، فلن تقتصر رؤيتك على مستوى واحد لساحة اللعب، بل ستتجاوزه لرؤية ساحات أخرى ولاعبين آخرين.

غالباً ما يتم امتداح العولمة بوصفها قاطرة عصر تتحرك فيه البضائع والأفكار والنقود عبر عالم “مسطح”، تربط أجزاءه شبكة اتصالات مطرد نموها. لقد أتاحات العولمة فرصاً للمتسلقين والفاسدين، ومكنت الأفكار والشركات بل والدول أن تحقق فجأة بزوغًا وشهرة غير متوقعة. وأدى ذلك إلى تزايد الشكوى من غياب العدالة في العالم العولمي. ففي أوربا وآسيا وأفريقيا، يرى كثيرون أن العولمة ليست سوى نوع جديد من الهيمنة، ويراها البعض إمبراطورية، تعمل لصالح المهيمنين فعلياً على العالم ومقدراته؛ وفي الولايات المتحدة خاصة.

ودائماً ما كانت أميركا دولة محظوظة، لكن مثل ذلك الوصف أصبح بمثابة حقيقة واقعة. فالعولمة تتقدم من خلال تبني المعايير الأميركية، مما جعل الأميركيين لا يواجهون أية عوائق أو تعارضات بين التزاماتهم المحلية وبين الفرص العولمية الجديدة. ويتضح كم أميركا محظوظة إذا طرحنا سيناريو آخر لتشبيك العالم: ماذا لو أصبح على الطلاب الأميركيين النابغين أن يخوضوا اختبارات باللغة الهندية، وذلك من أجل تحقيق التقدم في مجال عملهم دولياً أو لإنجاز أبحاث علمية متقدمة؟. أظن أن الأميركيين كانوا سيحتجون على التحيز ضدهم.

وما يفتقر إليه وصف العالم بالمسطح، لا يتعلق فقط بالحقيقة التي لا تخفى عن أحد بشأن شبكات الاتصال التي تربطنا، ولكنه يتعلق بالكيفية التي تشكلت بها قوة هذه الشبكات من خلال المعايير الموحدة التي قد تظهر عن عمد (كما في منظمة التجارة العالمية) أو بغير تعمد (كما في سيادة اللغة الإنجليزية كلغة عالمية). وتعمل قوة الشبكة على صياغة هذا الاتصال والارتباط عبر بعض المسارات دون غيرها، بما يتيح لبعض الأشخاص انطلاقة مميزة ويترك آخرين مرتبكين وغير قادرين على تجاوز خط البداية.

إن التركيز على قوة الشبكات العالمية الجديدة إنما يساعدنا لرؤية ما الصواب بشأن رؤية العالم مسطحاً، دون أن يفرض علينا ذلك التظاهر بأن الشكاوى المتزايدة من العولمة لا تعدو أن تكون رياءً فاسداً أو سخطاً حاقداً. إن إدراك كنه ديناميكيات “قوة الشبكة” ضروري لابتكار عولمة تشاركية تتسم بأصالة عالميتها.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s