الإمبراطورية الأمريكية.. رؤساء وأزمات

 ياسر شعبان 

ياسر شعبان

عن Thomas Dunne Books، في 304 صفحة من القطع المتوسط، صدر كتاب بعنوان Baptism By Fire: Eight Presidents)   Who Took Office in Times of Crisis  ـــــــ التعميد بالنار: ثمانية رؤساء لأميركا في عهود الأزمات) للكاتب والصحفي الأميركي مارك ك. أبدجروف Mark K. Updegrove”، المحرر السابق في النيوزويك والتايم، والذي سبق وصدر له كتاب بعنوان “Second Acts: Presidential Lives and Legacies After the White House,”. وصدر هذا الكتاب

وإذا ما حاولنا تطبيق المنهج المعروف بـ”عتبات النص” الذي يقول بإمكانية اعتبار العنوان أحد “عتبات” قراءة نص ما، مثله في ذلك مثل المقدمة والخاتمة والاقتباسات الاستهلالية والهوامش.. إلخ، أو قراءة عنوان الكتاب كمدخل لقراءة الكتاب، فإننا سنجد أنفسنا أمام عنوان مكون من العناصر التالية ” التعميد بالنار Baptism by Fire” بما تحمله من خلفية دينية، و ” ثمانية رؤساء تولوا رئاسة الولايات المتحدة الأميركية” بما يطرح تساؤلاً حول أسباب اختيار هؤلاء الرؤساء دون غيرهم، وأخيراً ” في عهود الأزمات in Times of Crises” بما يشير إليه ذلك من تساؤلات حول مفهوم الأزمة وكيفية إدراتها، داخلية كانت أو دولية، وتقييم مستوى إدارتها وبالتالي تقييم فعالية الإدارة الأميركية ورئيسها في التحكم بمقاليد الأمور للوصول بالبلاد إلى بر الأمان مهما كانت شدة الأزمة وصعوبة حلها.

 

التعميد بالنار

لا يخفي على أحد البعد الديني لهذا المصطلح، ويمكن أن نوجزه كما يلي:

Baptism by fire  أو Baptism of fire، جملة معروفة في اللغة الإنجليزية منذ العام 1822، وهي ترجمة للجملة الفرنسية baptême du feu، وتشير إلى تجربة قيام أحد الجنود بإطلاق النيران لأول مرة وهو في ميدان المعركة. وهذه الجملة مستنبطة من التعبير الكنسي الإغريقي baptisma pyros وفيه يتم استخدام كلمة نار أو حرق للإشارة إلى ” نعمة حلول الروح القدس  عبر التعميد”. ولاحقاً تمّ استخدامها للإشارة إلى الاستشهاد خاصة بالحرق كما في حالة “جان دارك”. أما اليوم فيتم استخدامها للإشارة إلى أي شخص يمر بتجربة صعبة لأول مرة في حياته، ولا يكفي التدريب الجيد لتأهيله كي يخوض غمار هذه التجربة بنجاح (فمهما أتقن الجندي إطلاق النار في التدريبات، تظل تجربة إطلاق النار في ميدان القتال هي الأولة بكل معنى الكلمة).

ويحيلنا هذا التعريف الموجز إلى مجموعة من الاحتمالات، أولها تزايد المد الديني اليميني في الولايات المتحدة الأميركية بداية من بوش الأب ووصولاً  إلى بوش الابن الذي وصل معه هذا المد إلى ذروته، مما جعل مؤلف الكتاب، وهو صحفي مخضرم، يميل إلى استخدام هذا المصطلح كعنوان رئيس بهدف لفت انتباه شريحة عريضة من القراء في المجتمع الأميركي.  ولا يتعارض هذا مع احتمال آخر بأن مؤلف الكتاب استخدم هذا التعبير للإشارة إلى صعوبة التجربة الأولى خاصة في وقت الأزمة، فمن البديهي أن دخول البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأميركية تجربة صعبة بكل المقاييس، حتى والريح رخية، فما بالنا والريح عاصفة تصل إلى حد الإعصار؟!، وعندها لا تفي بالغرض المواصفات الشخصية، مهما بلغت من رقي، ولا الحنكة السياسية والإدارية، فهناك حاجة ماسة لتدخل العناية الإلهية لو كنت متديناً، أو للأخذ بكل مباديء التفكير المتجدد (حسب إدوارد دي بونو) للتخلص من التفكير والحلول النمطية الجاهزة؛ خاصة إذا كانت التجارب والأزمات غير نمطية.

 

ثمانية رؤساء لأميركا

لابد سيتبادر إلى الذهن هذا السؤال “لماذا ثمانية رؤساء تحديداً من إجمالي عدد رؤساء الولايات المتحدة البالغ عددهم 43 رئيساً، قبل مجيء أوباما ليصبح الرئيس الرابع والأربعين في تاريخ أميركا، وعلى أي أسس قام المؤلف بالاختيار؟

وتأكيداً لا يملك أحد إجابة قاطعة سوى مؤلف الكتاب وحده، خاصة وأن هذا هو الكتاب الثاني له حول رؤساء أميركا، لكن من المرجح أن اختيار ثمانية رؤساء يعود إلى سبب رئيس وهو تزامن دخول البيت الأبيض مع وجود أزمة أو أزمات عاصفة، وهذا ما ينطبق تماماًَ على هؤلاء الرؤساء الثمانية، وقد أشار مؤلف الكتاب إلى هذا السبب في حوار ببرنامج Sound Authors، أجراه معه ” Dr. Kent”، في رده على سؤال مشابه؛ قائلاً:

عند تنصيب جورج واشنطن كأول رئيس للولايات المتحدة الأميركية، كان عليه أن يواجه بداية أزمة أن  يكون أول رئيس، وكان عليه أن يصوغ توصيفاً لهذا الموقع ومن يشغله في أمة ناشئة وهشة. وتوماس جيفرسون، كان أول رئيس يدخل البيت الأبيض، وكذلك كان أول رئيس يتم انتخابه من خلال معركة انتخابية بينه ومرشح الحزب الجمهوري وجون أدامز مرشح الحزب الفيدرالي. وجون تايلر، الرئيس الثالث الذي يتناوله هذا الكتاب, كان النائب الأول للرئيس وليام هنري هاريسون، وتولى الرئاسة بعد وفاته. وواجه تايلر أزمة دستورية بسبب عدم وجود نص دستوري واضح بشأن الوضع حال وفاة الرئيس قبل انتهاء فترة رئاسته، وكان عليه أن يثبت أنه الرئيس الفعلي وليس مجرد بديل. أما أبراهام لينكولن فقد جاء في مرحلة عاصفة من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، والتي شهدت الحرب الأهلية. وتولى فرانكلين روزفلت الرئاسة الأميركية خلال فترة الكساد العظيم 1929، وكانت هذه أول أزمة مالية حادة يواجهها الاقتصاد الأمريكي الرأسمالي لتطيح به والاقتصاد العالمي. وجاء هاري ترومان رئيساً بعد وفاة روزفلت  قبيل نهاية الحرب العالمية، 12 أبريل 1945، ليأمر بإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، الأولى المسماء بالولد الصغير في 6 أغسطس 1945 على مدينة هيروشيما، أما القنبلة الثانية المسماة بالولد السمين التي ألقيت في 9 أغسطس 1945 على مدينة ناغازاكي وهو الأمر الذي أدى إلى مقتل أكثر من 200,000 مائتي ألف قتيل في كلتا المدينتين وإنهاء الحرب العالمية الثانية.

وتولى جون كنيدي الرئاسة في فترة رهيبة وحرجة من الصراع في الحرب الباردة، وكان صاحب مواقف قوية في مواجهة السوفيت في كافة المجالات سواء العسكرية منها (بشكل غير مباشر) أو السياسية من خلال مجلس الأمن أو الإعلام أو القنوات الدبلوماسية، وهو الأمر الذي جعله أحد أكثر رؤساء أميركا شعبية وأهمية. ومن أهم الأحداث في فترة ولايته عملية اقتحام خليج الخنازير وأزمة الصواريخ الكوبية وبناء جدار برلين والإرهاصات الأولى لحرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية الأميركية وسباق غزو الفضاء حيث أنه صاحب الوعد الشهير بإنزال إنسان على القمر.

أما جيرالد فورد، كان أول رئيس أميركي لا يتم انتخابه وفقاً لنظام الانتخابات الوطني، بل وفقاً  للتعديل 25 من الدستور الأميركي. ­عينه الرئيس نيكسون نائباً له خلفاً لسبيرو أجنو. ­تولى منصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية إثر استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون بسبب فضيحة ووتر غيت العام 1974، ­هو أول شخص يتولى منصب نائب الرئيس ثم الرئيس من دون ترشيح وانتخاب. و­استخدم صلاحياته الفيدرالية ليمنح عفوا عن كل الجرائم التي ارتكبها نيكسون في عهده. واتخذ موقفاً محافظاً اتجاه الشئون الداخلية فيما أوكل الشؤون الخارجية لهنري كسنجر.

وعندما سئل عن باراك أوباما، قال: نعم، جاء أوباما مع اشتعال فتيل أزمة غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية والعالم.وبالتأكيد هذه فترة عاصفة، فحروب الولايات المتحدة الأميركية في العراق وأفغانستان لم تنته بعد، وصورة أميركا في الخارج شوهتها للغاية فترة بوش الابن، وأخيراً اجتاح تسونامي الرهن العقاري الاقتصاد الأميركي، بل والعالمي، ودفعه إلى حافة هاوية الكساد العظيم!. لكن مثل تلك الفترات تحتاج قيادات  عظيمة للخروج بالأمة الأميركية، بل والعالم، إلى بر الأمان. وهكذا فأمام أوباما فرصة ذهبية ليحتل مكانة مميزة في التاريخ، وذلك إذا ما نجح في تجاوز الصعوبات والتحديات التي تواجهه. وتؤكد إجابته هذه رؤيته في اختيار الرؤساء الثمانية، وهي أن تصبح رئيساً للولايات المتحدة الأميركية والبلاد تعاني من أزمة، أو أزمات، عاصفة.

 

زمن الأزمات

يعود اصطلاح الأزمة «Crise» إلى الفكر اليوناني القديم الذي يقصد بها نقطة تحول في الأمراض الخطيرة والقاتلة والتي تؤدي عادة إلى الموت المحقق أو الشفاء التام، كما ورد استخدام هذا المصطلح باللغة الصينية في شكل كلمتين «Wet-ji» أولاهما تعبر عن الخطر والثانية عن الفرصة التي يمكن استثمارها لدرء الخطر من خلال تحويل الأزمة وما تنطوي عليه من مخاطر إلى فرص لإطلاق القدرات الإبداعية لاستثمار هذه الأزمة كفرصة لإعادة صياغة الظروف وإيجاد الحلول البناءة.

كما تعني الأزمة في المعجم الوسيط: الشدة والقحط، أما في المنجد فإن أصل الكلمة مشتق من: زأم زأما زؤوما أي مات سريعا، هذا عن المعنى الاصطلاحي، أما من حيث دلالاتها الدولية، فهناك مجموعة من التعريفات التي وردت في هذا الشأن، من بينها: الأزمة هي ذلك التكثيف الشديد لطاقات الاختلال وعدم الاستقرار داخل النظام الدولي، أو أنها تشتمل على قدر من الخطورة المفاجئة وغير المتوقعة، ويرى البعض أنها بمثابة نقطة تحول أو حد فاصل بين وضعين، ويعرفها آخرون بأنها “سواء كانت عالمية أو إقليمية، فهي مجموعة من التفاعلات المتعاقبة بين دولتين أو أكثر تعيش في حالة صراع شديد يصل أحيانا إلى احتمال عال لنشوء الحرب ووقوعها، وفيها يواجه صاحب القرار موقفا يهدد المصالح العليا للوطن ويتطلب وقتا قصيرا للتعامل مع هذا الموقف باتخاذ قرارات جوهرية. وهناك من يعتبر أنها “بمثابة حالة عصبية مفزعة مؤلمة تضغط على الأعصاب وتشل الفكر وتحجب الرؤيا، تتضارب فيها عوامل متعارضة وتتداعى فيها الأحداث وتتلاحق وتتشابك فيها الأسباب بالنتائج وتتداخل الخيوط ويخشى من فقد السيطرة على الموقف وتداعياته وآثاره ونتائجه…فهي خلل يؤثر تأثيرًا حيويًا يعرض المتعرض لها سواء أكان فردًا أو كياناً أو حتى دولة لحالة من الشتات والضياع، تهدد الثوابت التي يقوم عليها”.

 

المقومات الأميركية لإدارة الأزمات الدولية

دأبت الولايات المتحدة الأميركية في مباشرتها لإدارة أزمات دولية، تدخل ضمن استراتيجيتها ومصالحها، على استثمار الشرعية الدولية من خلال الارتكاز إلى قرارات من الأمم المتحدة تتدخل بموجبها بشكل عسكري أو غير عسكري في هذه الأزمات، وباستغلال الإمكانيات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تتيحها لها المنظمات الإقليمية كحلف شمال الأطلسي وبعض المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية مثلما هو الشأن بالنسبة لصندوق النقد والبنك الدوليين والمنظمة العالمية للتجارة ومجموعة السبعة الكبار التي انضمت إليها روسيا بصفة مراقب, وبخاصة بعد أن نصبت -الولايات المتحدة- نفسها راعية للسلام العالمي وصرحت علناً بأن ضمان الأمن القومي الأميركي هو بمثابة حماية للأمن العالمي. وفي أحيان كثيرة أخرى تتدخل منفردة ومتحملة تبعات وتداعيات تدخلها هذا، لتقوم بتبريره فيما بعد.

ولتأكيد زعامتها وهيمنتها ومواجهة كل ما من شأنه عرقلة أو التشكيك في هذه الهيمنة, تلجأ الولايات المتحدة أحيانا إلى افتعال أزمات تستخدمها كوسيلة لتصفية حساباتها مع بعض الأنظمة وتديرها بسيناريو محبوك ومعد مسبقا يفرز أوضاعاً دولية وإقليمية تتماشى ومصالحها الاستراتيجية ” الاتحاد السوفيتي السابق، كوبا، العراق، إيران، ليبيا، سوريا..”.

كذلك تتبع الإدارة الأميركية في إدارة أزماتها، الداخلية والدولية، أسلوباً مشابهاً لما يتم اتباعه عند إطفاء بعض الحرائق، خصوصاً في حرائق الغابات، وذلك بإشعال حريق لابتلاع وإطفاء الحريق الأصلي (باستنفاد الأكسجين اللازم لاستمرار اشتعال النار). ويطلق البعض على هذا الأسلوب اسم “الفقاعات”، إشارة إلى تعمد اصطناع ظاهرة غير واقعية بهدف لفت الانتباه عن أزمة موجودة بالفعل، ومن أشهر تلك الأمثلة ما قام به ” آلان جرينسبان”، رئيس الاحتياط الفيدرالي السابق، باصطناع فقاعة الرهن العقاري بعد انفجار فقاعة الإنترنت!.

وللولايات المتحدة أيضا من الإمكانيات التكنولوجية في مجال جمع ومعالجة وتوزيع ونشر المعلومات ما يسمح لها بتعزيز رقابتها على جل دول العالم من خلال تقنياتها العالية في مجال الأقمار الاصطناعية المدنية والعسكرية وكفاءتها في مجال الاستعلام والتجسس والتي تستخدمها في تدفق المعلومات الأكثر دقة عبر مختلف أرجاء العالم إليها. ومن ناحية أخرى تتحكم هذه الدولة في حوالي 80 بالمائة من الصور المبثوثة في العالم وهو ما يمكنها من التحكم في الأخبار والمعلومات المتداولة، فالمؤسسة الصحفية الأولى في العالم هي “الأسوشيتد برس” الأميركية التي تزود بالأنباء والصور ما يناهز 1600 صحيفة يومية و 5900 محطة للراديو والتلفزيون في مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى أن 90 بالمائة من مواقع شبكة الإنترنيت هي مواقع أمريكية.

وأمام تنامي البعد الإعلامي في العلاقات الدولية ودوره في توجيه الرأي العام المحلي والدولي فإن الولايات المتحدة تستثمر بذكاء كبير هذه الإمكانات سواء في المغالاة في تضخيم حجم “العدو” الخصم المستهدف وإعداد المسرح الدولي والرأي العام المحلي والدولي لتقبل ما ستقدم عليه الولايات المتحدة من إجراءات في مواجهته (مثلما تم مع روسيا وكوبا ثم العراق، وكوريا الشمالية وإيران بإدراجها ضمن محور الشر) أو باتهامه بخرق حقوق الإنسان مثلا والاستهانة بالسلوكات العدوانية لحلفائها والتغطية على ما تقترفه من خروقات للشرعية الدولية بل وتلميع صورتها (مثلما يتم مع إسرائيل…).

 

الإدارة الأميركية للأزمات الدولية

إن مقاربة النموذج الأميركي لإدارة الأزمات الدولية والعربية في عالم ما بعد الحرب الباردة تتطلب التمييز بين الحالات التي تتدخل فيها هذه الدولة باسم الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وبين تلك الحالات التي تتدخل فيها بشكل منفرد تحت ذرائع مختلفة.

ففي قضية كوسوفو كان من الصعب على الولايات المتحدة التدخل باسم مجلس الأمن الدولي وذلك بسبب حق النقض الروسي ورفض الصين العلني لأي هجوم أمريكي على يوغوسلافيا السابقة، ولهذا لجأت واشنطن إلى حلف شمال الأطلسي واستغنت عن مجلس الأمن.

أما التدخل الأميركي في أزمة البوسنة والهرسك التي برزت كنتيجة مباشرة لانهيار وتفكك الاتحاد اليوغوسلافي السابق وإقدام جمهورياته على الاستقلال والذي أفضى إلى اتفاق دايتون عام 1995، فقد تم بعدما سمح لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إن تعمل كذراع عسكري للأمم المتحدة بموافقة من مجلس الأمن ذاته.

وبالنسبة للأزمات العربية فقد نالت نصيباً وافراً من التدخل الأميركي بكل أشكاله الودية والعسكرية، وبدا واضحاً التجاوز الأميركي في إدارتها, فبرزت أزمات تمت إدارتها باسم الأمم المتحدة كما هو الشأن بحالة أزمة الخليج الثانية سواء قبل الحرب أو بعدها والأزمة الصومالية، ثم التعسف في إدارتها مثلما تم في قضية لوكربي وأزمات تمت رعايتها بنوع من الانحياز السلبي لأحد الأطراف المتصارعة بعد إبعادها عن الأمم المتحدة مثلما حدث مع القضية الفلسطينية.

ففي أزمة “لوكربي”، التي يمكن أن نصنفها ضمن خانة الأزمات المفتعلة لتصفية الحسابات، فإن الولايات المتحدة وبعد مرور عدة سنوات عن حادث “لوكربي”، حاولت استخدام مجلس الأمن باعتباره آلية تجسد الشرعية الدولية كمؤسسة لتمرير قرارات زجرية في مواجهة ليبيا، وقد ظهر التعسف والانحراف الأميركي في إدارته لهذه الأزمة من خلال تسييس هذا المشكل القانوني الذي محوره اتفاقية مونتريال لعام 1971 الخاصة بحماية الملاحة الجوية، والتحكم في مسار إدارة المجلس لهذه الأزمة سواء من حيث جمع المعلومات والخاصة بالأزمة واستصدار القرارات وتطبيقها.

وعقب أحداث 11 سبتمبر كان هناك اعتقاد بأن الولايات المتحدة ستراجع سياستها الخارجية وخاصة في ارتباطها بأزمة الشرق الأوسط عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، لكن التطورات التي حصلت جاءت مخيبة للآمال، فالولايات المتحدة استمرت في تأييدها اللامشروط لإسرائيل وسياساتها بل عملت ولأول مرة على ضم فصائل فلسطينية تحررية إلى قائمة المنظمات “الإرهابية”، واستعمال حق الاعتراض أو التهديد باستعماله داخل مجلس الأمن لمنع إرسال قوات لحماية الفلسطينيين أو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الجرائم الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني، زيادة على توقيع الرئيس الأمريكي لقرار الكونغريس القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل- في انحراف صارخ لدورها كراعية للسلام في المنطقة وخرق لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة- ليصبح قانونا ساري المفعول، زيادة على تقديم الدعم المالي والعسكري لهذه الدولة وهو ما أفرغ الدور الحيادي الأمريكي المزعوم كوسيط في الأزمة نزيه من كل دلالاته ومعانيه.

 

انهيار الحضارات

يُفسر أرنولد توينبي، أعظم مؤرخ في هذا العصر، نشوء الحضارات الأُولى أو كما يسمِيها الحضارات المنقطعة، من خلال نظريته الشهيرة (التحدي والاستجابة) المستنبطة من علم النفس السلوكي لـ (كارل يونج  Carl Jung، 1875-1961) ويوضح فيها أن الفرد عندما يتعرض لصدمة يفقد توازنه لفترة ما ومن ثم قد يستجيب لها بنوعين من الاستجابة الأولى النكوص إلى الماضي لاستعادة التوازن والتمسك به بديلاً عن واقعه المُرّ، فيُصبح انطوائيًا (استجابةً سلبية). والثانية، قبول الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيًّا (إيجابيَّة). وتستجيبت الجماعات إلى التحديات الطبيعية بأساليب مختلفة: منها بالبقاء في أرضها وتحولها إلى قبائل بدوية (استجابة سلبية)، ومنها الرحيل إلى مناطق جديدة مختلفة قريبة من الأنهار، حيث أسست تلك الحضارات الأولى، أي كانت استجابتها ديناميكية حضارية.

وخلاصة نظرية توينبي في (التحدي والاستجابة) ترى أن البيئة تتحدى الناس؛ فإن استجابوا للتحدي بنجاح فإنهم سوف يتمكنون من إنشاء حضارة قوية ذات شأن وإن هم فشلوا فإن نمو حضارة متقدمة في تلك البيئة عسير كالصحراء في شبه الجزيرة العربية لن يكلل بالنجاح ابدا. لهذ فإن نمو حضارة من الحضارات أمر مرهون بمدى استجابة الناس للتحديات التي تواجههم. وتضيف النظرية أن كل حضارة تمر بطورين اثنين: في الطور الأول، وهو طور النمو، تكون الاستجابة للتحديات موفقة دوماً؛ أي أن الناس يكونون أقدر من القوة التي تعارضهم. أما في الطور الثاني، فيكون الوضع مناقضاً لما في الطور الأول، أي تكون التحديات أقوى من كفاءة الناس العاجزين عن الاستجابة لها. في هذا الطور يظهر التحدي مؤديا إلى ردّ فعل مخفق. ثم يظهر تحدٍّ أكبر من السابق، فيكون الرد عليه أضعف من الرد الأول. ويستمر الحال هكذا إلى أن تضمحل الحضارة أو تشيخ.

ويعتقد توينبي بأن الحروب هي السبب الجوهري لانهيار المجتمعات أو الحضارات، وهو يأخذ المجتمع الآشوري القديم مثلاً يقول: (لقد هوت آشور جثة هامدة، ولكنها مدججة بسلاحها. ومن المعلوم أن تسليح آشور هو أقوى تسليح في غرب آسيا خلال القرن السابع قبل الميلاد. ومع ذلك، فقد انهارت بسرعة قصوى أمام هجمة الميديين والبابليين).

فهل هذا ما تعانيه الولايات المتحدة الأميركية الآن؟

Advertisements

One response to “الإمبراطورية الأمريكية.. رؤساء وأزمات

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s