ماذا لو أنني.. هدى حسين

هدى حسين

ماذا لو أنني وقفت في الإذاعة المدرسية وقلت ذلك؟

أيها العالم المليء بالكائنات. أيتها اللغات التي لا تنتهي. أيها الصوت. أيها الصخب في الصمت. هذه أنا. أتبخر كرائحة حساء. من قلبي إلى رأسي إلى أصابعي.

هناك هذا المجال المتماس دائما. هذا المجال الكهرومغناطيسي الذي ندور فيه، والذي ندوره معنا في كل الاتجاهات. كل لحظة.

الأرقام التي على شاشة الماتريكس ليست إحداثيات. إنها أحداث ومخلوقات. هذه الجنيات الصغيرة المضيئة ترفع ورقة شجر لتغتسل قبل أن تسقط حبة الندى التي تحملها باتجاه الجاذبية.

أنا المخفية بالطين الذي كان على الورقة. إلى الطين الذي في الأرض. المعلنة في بريق الورقة ونبت الأرض. أحفر خندقا صغيرا بحجم انسكابي. أحدث انفجارا كبيرا ليتخلق كونٌ ما في انشطارات ذرات التراب. أنصت. أتحرك ببطء. أصبحت أكثر صمتا هذه الأيام. لست صالحة للحديث في شيء. أتسرب كرعب مهيب بين أساسات الأبنية. كتهديد بطيء ومستمر. نقطة نقطة ينحفر الصخر. دقة دقة.

ينغرس في النعش مسمار. نعش ينعش فهو منعش. يا سلام على الانتعاش! عاش عاش!

أكتب أنني لا أدفع عني تأثير المؤثرات. أكتب أنني أسمح لنفسي بالتأثر. لست من الثائرين ولا أريد تغيير شيء. أنا حيث أنا كما أنا بلا أنا أغلب الوقت. غير مرئية أغلب الوقت. ومرتاحة في الداخل. ولا أريد أن أتكلم مع أحد. تكفيني الإشارات والابتسامات.

لم يكن هذا حالي دائما. أظنني أتحرك باتجاه ما. نحو صمت ما. أتذكر الرحلة الليلية اليومية التي كنت أقوم بها مع أبي لجلب العيش الفينو من الفرن، من أجل سندوتشات اليوم التالي. أتذكر شوقي إليها وحماسي لها وسعادتي بها. وأشعر أنني الآن. والآن فقط أصعد باتجاه أبي. خلال هذه الرحلة كنا أيضا نمر على النيل. وكان أبي يعلمنى أشياء. لا أتذكر أي منها الآن. لذا يبدو أنني تعلمتها.

ما زال ينتظرني الكثير من الصمت والدخول إلى الداخل أكثر. تجري حياتي أمامي ككادرات في فيلم يتم تجريته بسرعة. أحيانا تثبت صورة لثانية أو ثانيتين. وتنظر لي. ثم يستمر الكرّ السريع. أحيانا أمسك الريموت في يدي وأكر أنا وأسرِّع وأثبِّت ثم أعيد التسريع. أتأمل ما حدث باعتباره ما كان ينبغي أن يحدث. لست راضية تماما. لكن ما قد حدث قد حدث. كنت أتمنى أن أكون فلاحة. وحلم الكثيرات من الرومانسيات من بنات الطبقة المتوسطة اللاتي لا يعرفن عن الحقول سوى محفوظات الكتب المدرسية وفيلم خرج ولم يعد. لكنني لم أتمنَ أن أكون غير ذلك. لا لا. عندما كنت طفلة كنت أريد أن أصبح مغنية مشهورة.. ووحيدة. لا أعرف ما هذا الشجن الدرامي الذي قد يدفع طفلة لأن تحلم، إلى جانب الغناء والشهرة، بالوحدة والانعزال في حياتها الشخصية خارج أضواء المسرح.

أوقن أنني مركَّب سائل ما سقط حيث أسقطه الله في المختبر الكبير للحياة، داخل الأنبوب (الجسم) الذي يتغير تارة، ويتعرض لعوامل مختلفة محفزة أو مخملة تارة أخرى. أعرف أنني كيمياء الخيميائي الذي يعمل على تحويلي في كل لحظة بمعادلاته وطلاسمه ورموزه من تراب إلى ذهب. وأوقن أن فرحتي وحماسي لرحلاتي مع أبي لجلب العيش الفينو هي ذاتها فرحتي وحماسي تجاه عملية التحويل هذه.

أنظر إلى صور الأجنة في الأرحام. السعادة والشغف والمرح والخفة التي ترتسم على وجوههم وحركاتهم تشبه مثل هذا الحماس والفرح أيضا. لكن البكاء مع الميلاد يشبه شيئا آخر. يشبه النفي عن الوطن الأم. هكذا فإنني على قدر سعادتي بالمختبر إلا أنني لا زلت أفضل عدم اكتمال عملية التحويل. أريد أن أستمر حية داخل الرحم. لا أريد أن أخرج. لا أريد أن أعرف شيئا عن الخارج. لا أريد أن يكون هناك خارج أصلا. أسكن بيتي ولا أخرج.

لقد سافرت كثيرا والآن لا أريد أن أخرج من بيتي. لقد شطحت وسخرت ورقصت وصخبت وسخطت وثرثرت وضحكت وبكيت. الآن لا أريد أن أخرج من صمتي. لقد رأيت قلوبا طاهرة تتعذب في أسفل سافلين، وسفاحين كبار  وصيادين فرص وقتالين مواهب والكثير الكثير. الآن أريد أن أغمض عيني كجنين. وأطرق السمع لخفقان قلب أمي. لا أحتاج أن أراها لأعرف أنها هنا. أنني فيها. وهذا أوسع حضن على الإطلاق. حيث الفراغات بيننا يملأها الماء الذي أسبح فيه. مغلقة العينين. مطرقة السمع. مهدهدة بدفقات قلبها الدامي لأجلي. تغذيني من بطنها إلى بطني، في باطنها. أنا باطنها. وهي وطن. وهي جنة التسعة أشهر التي زادني الله فيها تسعة أيام إضافية قبل إقصائي وقطع الحبل. والتي لم أبكِ عندما خرجت منها ربما لكي لا أنفض عن رئتيّ بعض مائها، ما تبقى لي من الحضن الكبير هناك. ولا أملك، بعد أن تم إقصائي من هناك حيث جنة الوطن الأم، إلا أن أخرج بلا حول ولا قوة. حتة لحمة حمرة. لا أملك سوى أن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ربما. لو كررتها بما يكفي؟ ربما لو كررتها بكثير كثير من الصدق في قلبي؟ ربما ربما أعود إليها. أريدها مستقري الأخير حيث نشأت أول مرة. أريد الحبل واصلا. وأريد إعادة استكشاف يدي بلا أظافر بينما أبتسم بلا أسنان قبل أن يكون الابتسام معنى، وقبل أن يكون للفم فعل غيره. أريد جنتي يا الله. تلك التي أذقتني في رحم أمي. تلك التي ترفقت بي فيها تسعة أيام إضافية فوق التسعة أشهر لأبقى هناك 99 رقما. في كل رقم منهم أسبح باسم لك. أريدها.

خرجت من بطن أمي في الرابعة والثلث عصرا. أنا التي ألبس الأوقات بالأماكن. أقول عندما أنظر لعقارب الساعة قبل الرقمية إنني خرجت في وقت يتجه عقرباه جنوب شرق. أي حيث الكعبة بالنسبة للقاهرة. قد لا أكون ولدت في الرابعة والثلث فجرا لأنني لا أحب النشاط. لا أفضل الزحام. لا أحب السخرة في الذهاب والإياب لأعمال لا تكفي مشقتها لدفع الفواتير. ولدتُ والناس نيام نومة العصاري (القيالة أو القيلولة). أو بينما يرتاحون قليلا من عناء العمل وبعد الغداء في انتظار الشاي والسمر القليل المتاح. أعرف أن بداخلي طاقات هائلة. وأن الله لم يخذلني أبدا. وأن هناك ما زال حبل ما واصلا بين المخلوقة وخالقها. وأنه يشفق عليّ من هذه الرحلة. رحلة الحياة خارج جنة الوطن الأم. الرحلة التي قد تلزمني أيضا مثل رحلة جلب العيش الفينو. الرحلة التي نقوم بها بعيدا عن الأم، وفي صحبة الأب.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s