لا أرى لا أسمع لا أتكلم.. هدى حسين

هدى حسين

عندما أنظر في خيالي إلى صورة القرود الثلاثة. قرود “لا أرى لا أسمع لا أتكلم”، وكل قرد يضع يده على العين أو الأذن أو الفم. لا أرى في هذا المنظر ذلك القهر والقمع الذي يستخدم المثل “لا أرى لا أسمع لا أتكلم”  في التعبير عنها. فالمثل لم يقل إنه مفروض عليك ألا تنظر. ولا أنه مفروض عليك ألا تسمع. ولا أنه مفروض عليك كذلك ألا تتكلم. إن الأفعال التي نستخدمها في هذا المثل أفعال مضارعة وفاعلها مستتر تقديره أنا.

أنا هو الفاعل. هو المانع للرؤية والسمع والكلام. لم يجبرني أحد. أنا هو  الفاعل لا المفعول به. لم يغمض أحد عيني. أنا من يغمضها بيده. بمحض إرادته. وكذلك أذني وفمي. لكنها ليست اللامبالاة أيضا مثلما قد يستنتج أحد من المثل. فهذا السبب لا يرضيني.

ربما هناك مستويات من الفعل المنفي يأخذ فيها الفعل على درجاته المختلفة المظهر ذاته. لا أعرف. ولا أثق كثيرا بالصور. بمظاهر الأشياء يعني. وربما لهذا لا أحب كثيرا أن أرى. أفكر في “نيو” عندما فقد بصره فصار يرى المصفوفة على حقيقتها حركات متتابعة ومتداخلة من الأرقام والشفرات. ومن هذا المنطلق أفهم جملة “لا أرى” في المثل المعروف. ومن هذا المنطلق أيضا أتوجه إلى كيفية “لا أسمع” و”لا أتكلم”.

أتأمل المثل الحكيم وأقول في نفسي: يا ربي أنا حتى لم أرقَ بعد للمستويات العليا من هذه الأفعال المنفية في مثل تجسده القرود في تمثال. فكيف بي كإنسانة؟

أتطلع إلى إنسانيتي بانبهار. ما هذا الكائن العظيم الذي خلقته يا ربي؟ والذي يفوق حتى الآن احتمالي على تجسيده والتحقق به؟ ما هذه الحواس الخمس الباطنية التي عندما ننفي أفعال مثيلاتها الظاهرية نفتح لها الباب لتنطلق فينا بقدراتها الأخاذة. لست بعد أقوى لتفعيل حواسي الخمس الباطنية. تغض بصرك فتزهر بصيرتك. هذا فقط ما أعرفه. لكنني لا أعرفه جيدا حتى.. فكيف لي أن أرتقي سلم الحواس الباطنية وأنا ما زلت أضيق من احتمال قوتها. قد أنفجر أو تصيبني لوثة. لستُ متوكلة جيدة إذًا يا ربي. يبدو أنني لست ممن يلقون بأنفسهم في اليم.

ثم إنه من المؤكد أن هناك حكمة ما في جعلنا نتشارك حواسنا الخمس الظاهرية والحيوانات. إنه أمان ما من خطر اللا عودة. لا أعرف. ربما فقط أزين لنفسي هذا المتكأ الظاهري. عشان أفضل ماشية جنب الحيط في هذا الأمر.

لكن الكلام ليس من الحواس الخمس. فلماذا “لا يتكلم” ذلك القرد الحكيم؟ ربما لأن من لا يتكلم يسمع؟ لكنه “لا يسمع”. لا أعرف. أو ربما فقط لا أريد أن أخوض بعد في المعرفة الخاصة بهذه الأمور. ما زلت أخشى هذا التعمق في الأشياء. ربما يكون الكلام هو الحاسة السادسة الظاهرية التي يوازيها باطنًا “العقل”.

يقال أيضا “تكلم حتى أراك”. فهل لا يتكلم هذا القرد حتى لا نراه؟ ولا يرى لأنه لا يريد سماعنا؟

لم يقل هذا القرد إنه لا يشعر. فهل يشعر؟ ولماذ لا يريدنا أن نراه؟ ألأنه لا يريد أن تقف رؤيته بيننا وبين رؤية أكبر منه ومنا؟

في فيلم “ماتريكس” كان “نيو” يرى المصفوفة على حقيقتها في عماه. ويحس قرب عناصر المنظومة وبعدها منه باقترابات وابتعادات حرارية من جلده. جلده غير الحقيقي. جلده العقلي إذا صح التعبير. إذ أن صورته في داخل المنظومة هي مجرد صورة تحركها بالتقييد والإطلاق إشاراته العقلية والعصبية وهو جالس على مقعده في مركبة “مورفيوس”. وهو مغمض العينين (لا يرى) غير منصت لما يدور حوله في المركب (لا يسمع) ولا يدور حوار بينه وبين أقرانه على المركب (لا يتكلم). فهل هذا هو حالنا؟

إذ أن المصفوفة بكاملها ليست إلا صورة لعالم من الصور. ولكي نتعامل داخلها ربما ينبغي على ذواتنا الحقيقية أن تفتعل نوما ما حتى نعود من عالم الصور المنظوم الموصولين به من أسفل الدماغ. عندما نستيقظ. ونعود بوعينا مرة أخرى إلى عالم السفينة التي لم نغادرها أصلا إلا بصورة. عندما يرفع المكبس من أسفل دماغنا. نعود إلى حقيقتنا. بكاملنا. وتختفي الصورة من المنظومة. هل هكذا ترين الموت يا هدى؟ أظنها إحدى زوايا النظر إليه. نعم. هذا الانعتاق من الصورة في سبيل تحقق الأصل بكماليته.

لكن النظر للموت من هذا المنطلق. موت الصورة وتحقق الأصل. يحدد زاوية النظر للحياة. الحياة داخل الماتريكس: لا يكون الدخول فيها إلا لمهمة. غالبا هي مهمة محاربة الشر. الشر الذي هو شرطيو المنظومة. الذين لا وجود لهم على ما يبدو. إذ أنهم يتلبسون بصورتهم أيًا ممن يريدون، من صور البشر الذين لا يعون كونهم صورًا فقط لأصول استحوذ عليها الماتريكس ليستنفع بها كوقود “بطاريات” لنار الشر. شره الذي يتمثل في إفناء من امتلكوا مثل هذا الوعي الذي أخرجهم بإرادتهم التي لا أعرف كيف أريدت. إرادتهم بقطع هذه الوصلات التي تلتصق بأجسامهم كبطاريات لعالم وهمي يبقي الشر ببقائه فقط.

لكنه أيضا، هذا الشر، له حقيقة ما. أخطبوطية. تعيش على مص الكهرباء من كل السفن بغرض إغراقها. السفن التي تحمل أصول البشر. البشر الحقيقيون. الذين نزعوا علاقاتهم الواصلة بالماتريكس. وهم على يقين أن الحياة الحقيقية تكمن خارجه. إلا أنهم يدخلونه كصورة فقط عن طريق وصلات مؤقتة بغرض نسفه من الداخل.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s