وأيضًا سعاد.. هدى حسين

هدى حسين

دخلت سعاد من الباب وتركته مفتوحا. لم يدخل معها شيء. كان السلام الذي يعم الحجرة يصد كل ما عدا سعاد. سعاد تتغير في كل لحظة. تعرق فيتغير ماء جلدها. تتنفس فيتغير الهواء داخلها. ترمش فتفوتها لحظة من الخارج تجمعها بالداخل أكثر. تدخل سعاد. تدخل في الحجرة. الحجرة الممتلئة بالسلام. السلام عليكِ أيتها الحجرة. ولحساب كم تغيرت سعاد بينما تلقي بالسلام على حجرة السلام. ينبغي أن نحسب عدد الأنفاس التي تنفستها أثناء إقراء ذلك السلام. عدد رمشات عيونها. عدد دقات قلبها. عدد الكرات الدموية التي ذبلت وغيرها الذي نبت داخل سائل دمها. عدد الأمراض التي ابتلعتها كرياتها البيضاء. عدد خلايا جلدها التي ماتت وتقشرت من عليها والأخرى التي انتسجت مكانها. عدد ومضات جهازها العصبي. سعاد تتغير كل لحظة.

سعاد لا تحب أن تخدش الهواء. سعاد لا تطرق أبواب الحجرات حتى لا تفزع الهواء بذبذبات الطرق. لا تفتح الأبواب المغلقة ولا تغلق الأبواب المفتوحة. تتحرك وسط الهواء كمن يتحرك بين طبقات من الأغطية. وكمن يتسلل كثيرًا في الزحام بين أجساد محاولا عدم لمس أي منها. سعاد تقرئ الغرفة السلام. بعقلها. لا تصدر صوتا. تتحدث بعقلها. ويقال عنها أيضا إن صوتها من دماغها.

عندما تجلس سعاد على السرير تستأذنه أولا. لكنها تتغير كل لحظة. سعاد “تس” وسعاد أخرى “تأ” وسعاد ثالثة “ذن”. ورابعة “تج” وخامسة “لس”. هكذا فقط يمكن تحديد إيقاع تغير سعاد اللحظي: مقطع صوتي / تغير – مقطع صوتي/ تغير.

لكن هذا القياس ليس سليما كلية. فأحيانا تتغير سعاد بأسرع من الصوت. تتغير قبل أن تعي. تتغير في عماء من تغيرها. تتغير في صمت. ويقال الصمت أبلغ. أي أنه يصل أسرع.

أنا لا أعرف سعاد. لكن سعاد ما موجودة في مكان ما من رأسي. هذا هو اسمها. أو كود التشغيل الذي يفعلها في مخيلتي. تجلس على السرير الأخضر ذي المرتبة القطنية والملاءة البيضاء. والبطانية الرمادية المطبقة بعناية. وتضع حقيبتها على الأرض. حقيبة سعاد من قماش. مثل الجراب. وهي في رأسي. وكذلك الحجرة. والسطح الذي به أواني زرع كثيرة. وبعض حبال الغسيل الدوبار وليس البلاستيكي. كل هذا في منطقة ما من رأسي. منطقة قد لا تحتل أكثر من مجموعة صغيرة من الخلايا. التي تتجدد أو لا تتجدد. تاء تاء جيم دال دال. تك تك دم تك تك. فالس معكوس الإيقاع. كأنما في مرايا الخيال. أو في رؤية العين قبل عمل العقل في تصحيح الصورة. هناك سلام ما. فيه سعاد. وهي تقرأ كتابا. تفتحه من المنتصف. ترتدي جونيلة طويلة وواسعة. دوبل كلوش. وتضع قدما فوق الأخرى وهي تقرأ.

إنها لا تنتظر أحدا. فقط تقرأ وهي جالسة على طرف السرير. في مخيلتي. وتتصور كل ما تقرأه. حياة كاملة تخرج من الكتاب إلى عينيها. حياة مقلوبة يعيد العقل تعديلها إلى الوضع الصحيح. يمتلئ رأس سعاد التي في رأسي بحيوات من كتاب في يديها اللتين في رأسي أيضا. أرى الصور في مخيلة سعاد. الصور المولودة في مخيلتها من كلمات الكتاب الذي تقرأه بعينيها. صوتها وهي تقرأ يملأ عقلها الذي في رأسي. صوتها يتلون حسب حوارات الرواية التي تقرأها بشخوصها وانفعالاتهم. وصوتها يحاول أن يطابق صوت الراوي. والحجرة تقرأ السلام الذي تقرئه لها سعاد. تنتشله من بين كل ظلال الصور وأصداء الأصوات التي تتخلق في الحجرة حول سعاد، بينما تقرأ سعاد في الكتاب بصمت. يزدحم الهواء أكثر في حجرة السلام. سعاد تحمل أشياء قليلة في جرابها. قلم رصاص ومسطرة. وحافظة أوراق. عود عسلية مخروم من المنتصف. تخرج سعاد العسلية وتمثل أنها تعزف الناي. تنفخ في العسلية المجوفة. وتنقر حوافها بأطراف أناملها. وتفضل أن تنام تحت السرير.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s