جلال الدين الرومي وإيران.. خالد محمد عبده

خالد محمد عبده

يمكن أن يعتبر الرومي في شهرته أقرب إلى زرادشت النبي في إيران، وإن كان زاردشت أقل حضورًا اليوم، فأنا كمسلم أو كقارئ لبعض الورقات عن الأديان لا أنشغل بالتدقيق في سيرة زرادشت أو تعاليمه، وأكتفي بأن أقرأ نبذة عن سيرته في المراجع العربية التي لوّثت ذِكره وسيرته، ولم تكن أمينة في النقل عنه، باستثناء بعض الكتّاب الذين حققّوا المقولات، ولا أنشغل كغيري إن كان نبيًا أو كانت لديه رسالة طالما استمسكت بالعروة الوثقى ووُلدت في رحاب يعتنق الدين الصحيح.

قدّم أهل إيران جهودًا جبّارة في درس الرومي وتحقيق نصوصه وشرحها والعناية بها، بحيث يصبح من الصعب أن يدّعي أحدٌ معرفة بالرّومي أو بعالمه دون الرجوع إليها، فيكفي أن نذكر العلاّمة بديع الزمان فروزانفر الذي وهب عمره للرومي، وانشغل بكل ما يتعلق به وبنصوصه، ودقق وحقق سيرته وأشعاره ونثره وأخباره، ما كتبه وما كُتب عنه، وكان آية من آيات الحفظ والسعة في المطالعة والفهم، وأصبح اسم الرومي مقرونًا باسمه في فارس كما اقترن في بلاد الإنجليز بنيكلسون.

بعض الدراسات الحديثة التي قرأتها عن الرومي من صنع أهل فارس تعلّم درس الدقة والبناء الصحيح، فبعضها اهتم بتفاصيل دقيقة تساعد على اكتشاف هذا العالم الرحب، بعضها تعلّم الدرس من علي دشتي الذي لم يكن يكتب كما يكتب الأكاديميون اليوم، وإن كانت كتابته أبرع وأجود وأخلد، بعضهما يقارن بين خمر ابن الفارض وخمر الرومي مستدعيًا صورة المقارنة القديمة التي أشار إليها إدوارد براون، وبعضهم يقارن بين نموذج “تعال وكلّمني” الذي يمتلئ بالحرارة ونموذج “إحياء العلوم” فالغزالي والمولوي لا يمكن استبعاد أحدهما من الآخر، فالغزالي ساس الحقيقة كما أراد أن تكون، ولم ينس أن يشرب من بحار فارس وعرفانها، فقد كان أخًا لأحمد الغزالي الذي رقص واستمع ونظر وسعد بتجلي الجمال الإلهي في البشري. وكذلك لا يمكن أن نقرأ الرومي بمنأى عن الرسالة القشيرية وبحر المحبة وقوت القلوب والإحياء.

لكن بعض هذه الدراسات يحاول جاهدًا أن يخطف الرومي لا أن ينخطف القارئ من عالمه الضيق ويغيب في عالم الرومي الواسع، فتقرأ لأحدهم: اعتقاد الرومي في آل البيت ـ صورة أمير المؤمنين علي في أشعاره ـ رأي الرومي في تحريف القرآن ـ رأي الرومي في معاوية!

ومثل هذه الأفكار، التي وإن كانت همًّا يشغل البعض بعد فناء هذه الأجساد وعدم نفع هذه الأفكار للمتدين اليوم، فضلاً عن إهدارها لما بقي من إنسان، لم تكن يومًا شاغلة للعاشق المختار الذي اعتبر العشق خلاّقًا محققًا للمرء، ورفض التقليد وحطّم كرسي الوعظ! هذه الأفكار تغتال الرومي ولا تبعثه اليوم.

ومن العجيب الخلاق أن ترى الرومي حاضرًا في الوسط العلماني الإيراني بشكل يلتفت إليه أكثر، من خلال مطالعة كثير من قراء العرب لما يكتبه المفكّر عبد الكريم سروش، ويتحول سروش بعد أن يترك نفسه للرومي من روضة الطالبين إلى صاحب المعارف الكثيرة والمقالات، التي بعد برهة قصيرة من خروجه من بلد حافظ وسعدي والعطار تؤهله لأن يكون مع كونه دارسًا محل درس وعناية، وبذرة حية تنبت الكثير من البذور!

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s