هدهودة.. هدى حسين

هدى حسين

أريد أن أكتب “هدهودة” للصغار، ماذا نسمي الأغنية قبل النوم، التي تهدهد بها الأم أطفالها؟ ماذا يمكن أن نسميها غير ذلك؟ على غرار “العدودة” التي تغنيها الأم الثكلى لأولادها الذين ناموا في مهدهم الأخير بعيدا عنها. إنها تنعي الفراق. كان الله في عونها. لكنني لا أرى الفراق. لذلك أريد أن أكتب “هدهودة”. شيء يشبه ألحان الترانيم بأصوات عذبة لا صراخ فيها ولا حزن ولا غضب. شيء غض وبسيط مثل:

“يا ربنا يا جميل

نَيِّمني نوم جميل

واديني أحلام سعيدة

خليني أنام في سلام”

أربعة أسطر صغيرة هادئة.

***

نغني للأطفال قبل النوم. الأطفال الذين لا يرغبون في النوم. النوم الذي نفرضه عليهم في ساعة معينة نراها صائبة لنموهم في السكون. بينما يريدون البقاء معنا. نحن الأمهات. يريدون اللعب معنا. أو مشاهدة فيلم كرتون معنا أو قراءة كتاب معنا. يريدون أي شيء معنا. ونحن لا نحقق لهم من هذه المطالب الفئوية شيئًا. فقط نستغل المطلب وننسل معهم تحت الغطاء ونغني. أو نحكي حكاية. نستغل قبولهم بأقل ما نقدمه طالما أننا نقدم شيئا. نعرف جيدا تلك النظرة المكسورة في عيونهم عندما نرفض كل ما يقترحون مشاركته معنا. ونصر ونشير بأصابعنها إلى موضع السرير بقسوة ونأمر في حزم: “نوم”! وعندما ينصاعون صاغرين لأمرنا نكافئهم ببلادة: “شاطر يا حبيبي شاطرة يا حبيبتي. وعشان انتم شاطرين كده هاحكيلكم حكاية. (أو هاغنيلكم أغنية)”، ويكون الرد بطمع برئ صار يرضى بأقل القليل لكنه لا يحيد عن هدفه: “وتنامي معانا يا ماما؟”، هناك يكون الابتسام المطمئن من الأم التي صارت قريبة جدا من هدفها. تبتسم لأنها خبيرة بهذا المخطط، وتجيب وهي تكذب وتعرف أنها تكذب: “طبعا يا حبايبي”.

هنا يدخل الأطفال بإرادتهم تحت الغطاء. إرادتهم التي لا علاقة لها بتحقيق رغباتهم. يدخلون فرحين مع ذلك ومتخيلين أنهم وصلوا إلى أهدافهم لأنهم سيحظون بمعية الأم طوال الليل. الأم السعيدة أيضا. الآن لن يعلو صوت فوق صوتها بالأغنية أو الحكاية. وإن قاطعها الأطفال ستتخذها فرصة لتعلمهم أدب الحديث: “ماحدش يقاطع اللي بيتكلم. كده عيب” ويكون هذا التعليم ذريعة لإخراسهم نهائيا طالما صوتها يعلو.

لكنهم مع ذلك سيحتضنونها. سيغيرون موضع الإنصات من صوتها إلى دقات قلبها. يحاصرونها بأذرعهم على خصرها خوفا من ألا تفي بوعدها البقاء طوال الليل معهم. وهي تساعدهم وتحكم حصارهم لها. يبتسمون وتبتسم. وهناك فارق كبير بين البسمتين. هي تعرف أن النوم سيرخي عضلات أيديهم وأنها ستتمكن من التسرب سريعا خارج الغطاء فور ما ينامون. لقد أحكمت قبضتها. لقد أنجزت مهمتها. لقد أسلمتهم للحلم. محملة إياهم صوتها معهم وهي تغني. صوتها هي لا صوتهم هم. وبعض العظات الحكموية من حكاية تعليمية قبل النوم.

الأم كالشمس يمكنها أن تحرق مثلما يمكنها أن تنير وتدفيء. تدور حول نفسها. حول هدفها. حول صوتها وتقطع من يقاطعها، وحول تسلطها بسلاح معرفة الحكايات والحكمة منها.

لم أر أبدا أمًا في حياتي تعلم أطفالها كيف يحكون لأنفسهم حكاية. يا صغيري ستبدأ هكذا: “كان ياما كان.. كان فيه……” ثم تحدد بطل قصتك. ثم تصفه ثم تبدأ الدراما: ولكن كذا.

ـ يعني ايه دراما يا أمي؟

ـ يعني صراع الخير والشر اللي بينتهي بانتصار الخير. كل الحكايات مبنية على كده.

ـ ولو الشر هو اللي انتصر هانعمل ايه؟

ـ يا حبيبي دي حكاية. احنا اللي بنألفها. ماينفعش تنتهي غير زي ما احنا عايزين. انت عايزها تنتهي بانتصار الشر؟

ـ لا يا ماما

ـ خلاص. يبقى الخير هاينتصر. المهم تفتكر نقلات الأحداث. يعني لما تحس ان الحكاية بدأت تبقى مملة أو طويلة زيادة تنقل بسرعة لـ”وفـ يوم من الأيام” وتحكي حدث مفاجئ ومختلف حصل للبطل أو للسياق اللي حواليه. “وبعدين” تقول لنا قرر البطل يعمل ايه في المفاجأة دي ويتصرف ازاي. غالبا أول ما تقول “وفـ يوم من الأيام” بتكون بدأت تحدد جوّه الحكاية مين الطيب ومين الشرير. بتحدده عن طريق أفعالهم طيبة ولاّ شريرة.

ـ هو ماينفعش يكون فيه حكاية كلها خير يا ماما؟ هو الدراما دي لازم يعني؟

ـ اشرح لي يا حبيبي. زي ايه؟ اديني مثل فـ حكاية من تأليفك.

ـ مش عارف

ـ تحب تحاول؟

ـ أيوة.

ـ وانا سامعاك

ستسعد الأم كثيرا عندما تأخذ وضعية الطفل. وتسمع حكايته. وهو سيسعد أيضا عندما يأخذ وضعيتها ويحكي لها. سيكتشفان معا أن له صوتًا. وسيؤلف لها الأغاني أيضا. أغاني وليدة اللحظة. وسيحاورها في كل شيء لأنها تتركه يقول. تقف خلفه. وتتقبل ارتباكه على الخط الأمامي. ويضحكان معا ضحكتين لا يختلف معنى أيهما عن الأخرى.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s