المليارات تتلاشى مع انفجار فقاعة الرهن العقاري

ياسر شعبان

كتب: ياسر شعبان

ما أشبه اليوم بالبارحة، فقبل 80 عاماً من الآن، في عام 1929م، شهدت الولايات المتحدة، ومن ثم العالم، أزمة مالية عنيفة، أُطلق عليها الكساد العظيم (الاثنين الأسود)، وها نحن نعاني الآن من كساد كبير آخر اندلعت شرارته الأولى بانهيار مؤشر داو جونز Dow Jones بنسبة 504 نقطة   (4.4%)، وهي أعلى نسبة انخفاض منذ السابع عشر من سبتمبر 2001م نتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك في يوم الاثنين الموافق 15 سبتمبر 2008م (الاثنين الدامي).

ومنذ ذلك التاريخ توالى إصدار الكتب الساعية إلى تشخيص هذه الأزمة؛ أسبابها ومراحلها ووسائل تجاوزها وإصلاح ما خلفته وتخلفه من أضرار، ومن بين هذه الكتب كتاب بعنوان: “التلاشي: كيف حطم الجشع والفساد النظام المالي، وكيف نستطيع الاستفاقة”، وشارك فيه مجموعة من محرري مجلة “The Nation”، وعلى رأسهم كاترينا فندن هوفل رئيس تحرير المجلة وناشرها.

ورغم أنه لم ينفرد بهذا العنوان الملفت “التلاشي Meltdown”، فلقد انفرد بتقديم مجموعة منوعة من الرؤى لبعض أبرز المحللين الاقتصاديين في الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا نجح إلى حد كبير في تجنب مساجلات تبادل اللوم (لعبة إلقاء اللوم The Blame Game، حسب ما جاء في مقال ستيف بافلينا Steve Pavlina) والتهرب من تحمل المسئولية.

 

تاريخ الأزمات المالية في أمريكا

شهد عام 1929م بداية الكساد العظيم الذي نتج عن انهيار البنوك التجارية بسبب دخولها في مضاربات واستثمارات وقروض خطرة، مما أدى لانهيار سوق الأسهم انهياراً تاماً. وتمخض عن الكساد العظيم ظهور قانون البنوك، المعروف باسم قانون جلاس، الذي نظم عمل البنوك وقسمها إلى نوعين، بنوك تجارية وبنوك استثمارية، ومنع التداخل بينها. وفي عام 1933م ظهرت المؤسسة الفيدرالية لضمان القروض (إف دي أي سيFDIC ) وبدأت عملها في 1 يناير 1934م، وكانت تضمن 2500 دولار أمريكي لكل مودع، ثم زادت الضمان إلى 100 ألف دولار أمريكي لكل حساب بنكي لكل شخص في أي بنك، وخلال الأزمة الحالية تمّ رفع الضمان إلى 250 ألف دولار أمريكي للحساب البنكي لكل شخص.

وبعد الحرب العالمية الثانية خرجت أمريكا مستحوذة على نصف اقتصاد العالم تقريباً، وتسنى لها أن تضع الأنظمة كما تشاء، وظهر ما يسمى بنظام “بريتون وودز” المالي الذي ربط عملات العالم كله بالدولار الأمريكي. وتمخض عن هذا النظام إنشاء صندوق النقد الدولي. ويحدد نظام “بريتون وودز” سعر صرف كل عملة مقابل الدولار الأمريكي.

وفي عام 1971م تخلت أمريكا عن نظام “بريتون وودز” وعوَّمت الدولار الأمريكي بسبب معدلات التضخم الكبيرة التي كانت سائدة حينذاك في أمريكا، كما ارتفع العجز المالي بنسبة كبيرة مما دفعها إلى خطوة تعويم الدولار الأمريكي، حتى ينخفض أمام العملات الأخرى، وبالتالي تزداد الصادرات ويقل العجز.

وفي عام 1980م، فاز رونالد ريجان برئاسة أمريكا، وهو الذي تبنى مفهوم اقتصاد السوق، وهيمنت جماعات اقتصادية بجامعة شيكاغو بقيادة “ملتون فريدمان”، الفائز بجائزة نوبل عام 1976م، على السياسة الاقتصادية. وبدأ مفهوم اقتصاد السوق يهيمن على القرار الاقتصادي الأمريكي. ولم تظهر عيوب هذا النظام إلا في عام 2000م عندما حدثت فقاعة الإنترنت (سببت خسائر بقيمة تريليون دولار أمريكي)، ولم يتنبه لها آلان جرينسبان، مدير الاحتياط الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي) لمدة 17 عاماً، والتي ما كادت تنفجر حتى بدأت فقاعة الرهن العقاري الحالية.

وفي عام 1987م انهارت سوق الأسهم واهتزت أمريكا. وفي نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين أفلست مؤسسات التوفير والادخار وتدخلت الدولة آنذاك وضخت في هذه المؤسسات 260 مليار دولار أمريكي لإنقاذ الموقف. وفي عام 1997م حدثت الأزمة المالية الآسيوية وانهارت اقتصادات دول نمور آسيا.

وفي عام 1999م تم إلغاء نظام البنوك الذي ولد عام 1933م والذي سمح للبنوك التجارية بمزاولة الاستثمار والتمويل في الوقت نفسه في ازدواجية واضحة. ولذلك رأينا سيتي بنك يستحوذ على ترافلرز إنشورنس ويصبح سيتي جروب، أي أنه يمارس نشاطين متضادين. وهذه نقطة يراجعها الاقتصاديون حالياً لمعرفة الخلل الذي حدث في هذا الموضوع.

ومنذ عام 1999م صار بإمكان البنوك إصدار السندات والصكوك الاستثمارية وبيعها ورهنها، حيث كان يبيع السندات ويرهنها للعميل نفسه، وهو ما يعد تضارباً في المصالح. وأدى السماح بعودة البنوك التجارية والاستثمارية إلى ظهور عمالقة في السوق عبر اندماجات كبيرة مثل سيتي بنك مع ترافلرز إنشورنس، وچي بي مورجان مع تشيس.

ومنذ فقاعة الإنترنت حاولت السلطات المالية تخفيف آثار هذه الفقاعة بخفض تدريجي في أسعار الفائدة حتى وصلت إلى 1% تقريباً، وأدى ذلك إلى تشجيع الاقتراض مع شبه انعدام للرقابة، مما أدى لظهور فقاعة العقار وانفجارها. وزاد استخدام المشتقات Dirivitaves التي وصفها الملياردير الأمريكي وارين بافيت بأنها أسوأ من الشيطان.

وعقب انهيار بنك ليمان براذرز، وبدء الأزمة المالية العالمية الحالية، اعترف آلان جرينسبان بأنه أفرط في الثقة في قدرة الأسواق على تصحيح أخطائها.

وقال پول كروجمان، الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد 2008م؛ إن بنك الاحتياط الفدرالي ليس لديه خيار سوى توفير السيولة من خلال بيع السندات وتخفيض معدلات الفائدة. وأكد كروجمان أن الأولوية هي إعادة الثقة للاقتصاد وذلك بضخ السيولة في السوق، أما معالجة التضخم فتأتي في المرتبة الثانية.

 

مراحل الأزمة

اندلعت الأزمة في بداية  فبراير 2007م نتيجة لعدم تسديد ديون الرهن العقاري الممنوحة لمدينين لا يتمتعون بقدرة كافية على التسديد. وفي أغسطس 2007م بدأت البورصات تتدهور أمام مخاطر اتساع الأزمة، والمصارف المركزية تتدخل لدعم السيولة. وفي الفترة من أكتوبر 2007م إلى ديسمبر 2007م، أعلنت عدة مصارف كبرى انخفاضاً كبيراً في أسعار أسهمها بسبب أزمة الرهن العقاري. وفي يناير 2008م، خفض البنك المركزي معدل فائدته الرئيسة ثلاثة أرباع النقطة إلى 3.50%، وهو إجراء استثنائي، ثم جرى التخفيض تدريجيا إلى 2%. وفي 17 فبراير، 2008م أممت الحكومة البريطانية بنك “نورذرن روك”. وفي مارس 2008م بدأ تضافر جهود المصارف المركزية مجدداً لمعالجة سوق الرهن والتمويل العقاري. وفي مارس 2008م أعلن “جي بي مورجان تشيز” شراء بنك الأعمال الأمريكي “بير ستيرنز” بسعر متدنٍ مع المساعدة المالية من الاحتياط الفدرالي الأمريكي. وفي 7 سبتمبر، 2008م وضعت وزارة الخزانة الأمريكية المجموعتين العملاقتين في مجال الرهن العقاري، “فريدي ماك” و”فاني ماي”، تحت الوصاية طيلة الفترة التي تحتاجانها لإعادة الهيكلة الاقتصادية، مع كفالة ديونهما حتى حدود 200 مليار دولار. وفي 15 سبتمبر 2008م، اعترف بنك الأعمال “ليمان براذرز” بإفلاسه بينما أعلن أحد أبرز المصارف الأمريكية وهو “بنك أوف أمريكا” شراء بنك آخر للأعمال في بورصة وول ستريت هو بنك “ميريل لينش”. كذلك أعلنت عشرة مصارف دولية الاتفاق على إنشاء صندوق للسيولة برأسمال 70 مليار دولار لمواجهة أكثر حاجاتها إلحاحاً، في حين وافقت المصارف المركزية على فتح مجالات الإقراض. إلا أن ذلك لم يمنع تراجع البورصات العالمية. وفي 16 سبتمبر، 2008م أعلن كل من الاحتياط الفدرالي  والحكومة الأمريكية تأميم أكبر مجموعة تأمين في العالم “أي آي جي”، المهددة بالإفلاس، عبر منحها مساعدة بقيمة 85 مليار دولار مقابل امتلاك 9.79% من رأسمالها. وفي 17 سبتمبر 2008م، استمر انهيار البورصات العالمية. وفي18 سبتمبر 2008م، اشترى البنك البريطاني “لويد تي أس بي” منافسه “إتش بي أو إس” المهدد بالإفلاس.

كذلك أعلنت الحكومة الأمريكية أنها تعد خطة بقيمة 700 مليار دولار لتخليص المصارف من أصولها غير القابلة للبيع. وفي 19 سبتمبر، 2008م وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش نداء بضرورة “التحرك الفوري” لتنفيذ خطة إنقاذ المصارف لتفادي تفاقم الأزمة في الولايات المتحدة. وفي23  سبتمبر 2008م، طغت الأزمة المالية على المناقشات في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وتضاعف قلق الأسواق المالية أمام المماطلة حيال الخطة الأمريكية للإنقاذ المالي. وفي 26 سبتمبر 2008م انهار سعر سهم المجموعة المصرفية والتأمين البلجيكية الهولندية “فورتيس” في البورصة بسبب شكوك بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وفي الولايات المتحدة اشترى بنك “جي بي مورجان” منافسه “واشنطن ميوتشوال” بمساعدة السلطات الفدرالية. وفي28  سبتمبر2008م عُرضت خطة الإنقاذ الأمريكية على الكونجرس. وفي أوروبا يجري تعويم “فورتيس” من قبل سلطات بلجيكا وهولندا ولوكسمبورج. وفي بريطانيا جرى تأميم بنك “برادفورد وبينجلي”. وفي29  سبتمبر 2008م رفض مجلس النواب الأمريكي خطة الإنقاذ، وانهارت بورصة وول ستريت بعد ساعات قليلة من تراجع البورصات الأوروبية بشدة، في حين واصلت معدلات الفوائد بين المصارف ارتفاعها مانعةً المصارف من إعادة تمويل ذاتها. وأعلن بنك “سيتي غروب” الأميركي أنه يشتري منافسه بنك “واكوفيا” بمساعدة السلطات الفدرالية.

 

تداعيات انهيار قيم العقارات (الفقاعة العقارية)

عرف التاريخ المالي الحديث مجموعة من الفقاعات المالية الراجعة إلى المضاربات، وربما أشهرها وأطرفها “فقاعة زهرة التيوليب الشهيرة”، حينما ضارب الناس في هولندا بشكل جنوني على زهرة التيوليب، حتى بلغ سعر الزهرة الواحدة نحو ربع مليون دولار بأسعار الصرف الحالية، وانتهى الأمر بانهيار الاقتصاد الهولندي وهو ما عُرف بـ “الهوس بالتيوليب” ولعلها أكثر قصص المضاربة الجنونية إثارة في التاريخ.

وشهدت بداية الألفية الثالثة انفجار فقاعة الإنترنت في عام 2000، لتظهر فقاعة أخرى ترتبط بالقطاع العقاري. ومنذ ذلك العام أخذت قيم العقارات وبالتالي أسهم الشركات العقارية المسجلة بالبورصة بالارتفاع بصورة مستمرة في جميع أنحاء العالم، خاصة في الولايات المتحدة، حتى بات شراء العقار أفضل أنواع الاستثمار في حين أن الأنشطة الأخرى، بما فيها التكنولوجيا الحديثة، معرضة للخسارة.

أقبل الأمريكيون، أفراداً وشركات، على شراء العقارات بهدف السكن أو الاستثمار الطويل الأجل أو المضاربة. واتسعت التسهيلات العقارية إلى درجة أن المصارف منحت قروضاً حتى للأفراد غير القادرين على سداد ديونهم بسبب دخولهم الضعيفة.

وانتفخت الفقاعة العقارية حتى وصلت إلى ذروتها، فانفجرت في صيف عام 2007، حيث هبطت قيمة العقارات ولم يعد الأفراد قادرين على سداد ديونهم حتى بعد بيع عقاراتهم المرهونة. وهكذا فقد أكثر من مليوني أميركي ملكيتهم العقارية، وأصبحوا مكبلين بالالتزامات المالية طيلة حياتهم. وتعرضت المصارف الدائنة لخسائر هائلة نتيجة عدم سداد المقترضين لقروضهم، وهبطت قيم أسهمها في البورصة، وأعلنت شركات عقارية عديدة عن إفلاسها.

ولكن انهيار القيم لم يتوقف عند العقارات بل امتد إلى الأسواق المالية وجميع القطاعات. ففي عام 2000م لم يؤد انفجار فقاعة الإنترنت، بعد انتفاخ دام نحو عشر سنوات، إلى أزمة مالية شاملة أو إلى تخوف من حدوث كساد اقتصادي، لأن من يشتري جهاز الكمبيوتر لا يهدف عادة الاستثمار أو المضاربة ولا يحتاج إلى الاقتراض، بينما أنفق الأفراد جميع مدخراتهم واقترضوا لشراء العقارات. وبناء على ذلك اختلفت الآثار المالية والاقتصادية المترتبة عن هبوط أسعار العقار عن تلك المترتبة عن هبوط أسعار الكمبيوتر اختلافاً كبيراً. فلقد أدى انفجار الفقاعة العقارية إلى تراجع الاستهلاك اليومي وبالتالي إلى ظهور ملامح الكساد.

 

الإنفلونزا المالية

من وول ستريت بدأت حمى الانهيار، لتستشري في باقي بورصات العالم؛ فانخفض المؤشر العام للقيم بنسبة 7.1% في فرانكفورت و6.8% في باريس و5.4% في لندن و7.5% في مدريد و3.8% في طوكيو و5.1% في شنغهاي و6% في ساوباولو و9.8% في الرياض و9.4% في دبي  و3% في بيروت و4.2% في القاهرة.

وانتقلت عدوى الأزمة الأمريكية إلى جميع أنحاء العالم، مع ملاحظة أن نسبة التراجع لم تكن على وتيرة واحدة. وهبط المؤشر العام حتى في دول لا توجد فيها استثمارات أمريكية بنسبة تفوق هبوط المؤشر العام في بلدان أخرى لا تضع قيوداً على الاستثمارات الأجنبية ومن بينها الأمريكية كأوروبا.

كان انفجار الفقاعة العقارية الأمريكية عاملاً رئيساً لهبوط أسهم الشركات الأخرى غير العاملة في القطاع العقاري.

وحتى على افتراض معاناة القطاع العقاري من مشاكل مالية على الصعيد العالمي، فمن غير المعقول أن تستفحل الأزمة وتنهار الأسهم في العالم في نفس اليوم؛ إذ أن الأسواق المالية في المدن المذكورة أعلاه ليست فروعاً لوول ستريت.

وانطلاقاً من هذه الملاحظات العامة، يُمكن تحليل عالمية الأزمة المالية بالاعتماد على ثلاثة عوامل؛ يتعلق العاملان الأول والثاني بمختلف بلدان العالم، ويرتبط العامل الثالث بالدول التي تتبع سياستها النقدية نظام الصرف الثابت مقابل الدولار. وتصب جميع العوامل في محور واحد وهو فقدان الثقة بالسياسة الاقتصادية الأميركية.

العامل الأول هو ظهور بوادر الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة، الأمر الذي ينعكس على صادرات البلدان الأخرى وعلى أسواقها المالية. فالولايات المتحدة أكبر مستورد في العالم، حيث بلغت وارداتها السلعية 1919 مليار دولار أي 15.5% من الواردات العالمية (إحصاءات التجارة الخارجية لعام 2006 الصادرة عن منظمة التجارة العالمية).

أما العامل الثاني فهو تعويض الخسارة، حيث اعتاد بعض أصحاب رءوس الأموال الاستثمار في عدة أسواق مالية في آن واحد، وهكذا إذا تعرضت أسهمهم في دولة ما للخسارة فإن أسهمهم في دولة أخرى قد لا تصيبها خسارة. وفي حالات معينة عندما تهبط أسهمهم في دولة ما، يسحبون أموالهم المستثمرة في دولة أخرى لتعويض الخسارة أو لتفادي خسارة ثانية. وتتم عمليات السحب الجماعي في الساعات الأولى من اليوم الأول لخسارتهم.

أم العامل الثالث فيتمثل في الخوف من هبوط جديد وحاد لسعر صرف الدولار الأميركي مقابل العملات الرئيسة الأخرى. وكانت قيم الأسهم قد هبطت بين بداية عام 1987 وبداية عام 2008 في الولايات المتحدة سبع مرات بنسب عالية. وفي كل مرة يتراجع سعر صرف الدولار مقابل العملات الأوروبية بسبب لجوء بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي إلى تخفيض أسعار الفائدة. وهذا التراجع يعني خسارة نقدية للاستثمارات بالدولار سواء في الولايات المتحدة أو خارجها. وتحدث هذه الخسارة أيضاً وبنفس النسبة في البلدان التي تعتمد عملاتها المحلية على سعر صرف ثابت أمام الدولار. وعلى هذا الأساس فإن أية أزمة مالية في الولايات المتحدة تقود إلى سحب استثمارات من هذه الأقطار لتتوطن في دول أخرى ذات عملات معومة كأوروبا وبلدان جنوب شرق آسيا.

 

فقاعة الدين

هل هناك احتمال أن تكون هذه الأزمة المالية العالمية ليست سوى “عملية احتيال ضخمة gigantic fraud لاستعباد الطبقة الوسطى في “فقاعة الدّين؟!. فمما يدعو للاستغراب نوعاً ما أنه لم تندلع حتى الآن أي أعمال شغب في الشوارع؛ احتجاجاً على هذا الاحتيال من قبل الطبقة الثرية على حساب المواطن العادي، ليس فقط في أمريكا بل في العالم أجمع.

تأكيداً يحتاج مجال الأعمال لمستهلكين يقومون بضخ مدخراتهم في الأسواق بغرض تحقيق المكاسب السريعة غالباً لمواجهة متطلبات المعيشة المتزايدة. وبعد انفجار فقاعة الإنترنت اتجه رجال الأعمال إلى صنع فقاعة جديدة من خلال إغراء المستهلكين لاقتراض الأموال بضمان منازلهم التي تتزايد قيمتها بسبب الرواج المتسارع في سوق العقارات. ونجحت هذه الدعاية في اجتذاب ملايين من المواطنين الأمريكيين، وبدأت الفقاعة تتضخم حتى وصلت إلى حد الانفجار، ووجد هؤلاء المواطنون أنفسهم بين مطرقة تسديد ما اقترضوه أو ضياع منازلهم ليصبحوا مشردين.

وفي هذا السياق يلقي جوزيف ستجليتز   Joseph Stiglitz، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، باللائمة على الرئيس السابق للاحتياط الفدرالي الأمريكي آلان جرينسبان Alan Greenspan  على خلفية أنه لم يتخذ الإجراءات اللازمة للتغلب على تبعات انفجار فقاعة الإنترنت وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر، وفضل عليها اللجوء إلى اصطناع فقاعة أخرى “فقاعة الرهن العقاري”. ويذهب “ستجليتيز” إلى أبعد من ذلك باتهام “جرينسبان” بأنه في الأزمة المالية الحالية أطلق دعوة كفيلة بالقضاء التام على الاقتصاد الأمريكي، وذلك عندما دعا دول العالم بإنهاء ارتباط اقتصادها بالدولار الأمريكي، وشجع التوجهات التي لابد ستُفضي إلى اختناق المواطنين داخل فقاعة الدين والبطالة.

 

إجراءات رسمية وأهلية

قررت الإدارة الأميركية تخصيص نحو 150 مليار دولار من خلال خطة حوافز مالية تتضمن إعفاءات ضريبية مدتها سنتين، منها 100 مليار للأفراد و50 مليارًا للشركات. يهدف هذا الإجراء إلى زيادة الاستهلاك لتنشيط الاقتصاد. ولكن هذا المبلغ لا يغطي سوى 1.5% من الديون الفردية العقارية و0.3% من ديون الشركات، وبالتالي لا يكفي لمعالجة الأزمة، مما يفسر استمرار هبوط المؤشر العام في البورصات العالمية بعد إعلان هذه الحوافز المالية.

كما أجرى بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي تعديلاً على أسعار الفائدة قدره 0.50 نقطة مئوية لتصل النسبة إلى 3%. واستهدف هذا الإجراء تسهيل اللجوء إلى القروض المصرفية للاستثمار وحث الأفراد على زيادة الإنفاق.

ودخلت الولايات المتحدة في دوامة الأزمات المالية التي تستوجب في كل مرة تقليص سعر الفائدة، ليفقد بنك الاحتياط الفدرالي أحد أهم أدواته لمعالجة هبوط قيم الأسهم عندما يصل سعر الفائدة إلى الصفر كما هو الحال في اليابان.

وبالإضافة إلى هذه الإجراءات الرسمية التي قامت بها الحكومة الأمريكية، كانت هناك مبادرات عديدة من قبل المجتمع المدني، ربما أشهر مبادرة “عشر نصائح لضحايا الرهن العقاري”، أطلقتها “رابطة منظمات المجتمع من أجل الإصلاح ACORN” بالتعاون مع مجلة “The Nation”، وجاء فيها ما يلي:

1- تأكد من أن الفائدة على قرضك ثابتة النسبة. وإذا كانت الفائدة متغيرة، حاول مع الجهة المقرضة أن تصل بها إلى أدنى حد ثابت ممكن.

2- ابحث عن مكاتب استشارية موثوقة، عند التفكير في إعادة صياغة استثماراتك. واتصل فقط بالوكالات غير الهادفة للربح، ولا تدفع أتعاباً مقابل “تعليق الحجز على ممتلكاتك”.

3- إذا وقع الحجز، بادر بالاتصال بالخط الساخن لرابطة منظمات المجتمع من أجل الإصلاح  ACORN.

4- لا تقترض مبالغ تتجاوز مصادرك المالية. ولا تقوم بالسداد لأية جهة سوى الجهة المقرضة.

5- إذا كنت مستأجراً لمنزل محجوز عليه, يجب أن تلزم الجهة المؤجِرة، سواء كانت فرداً أو مؤسسة، بإخطارك قبل مطالبتك بإخلاء المنزل.

6- تجنب الشركات التي تعد بتثبيت سريع للفائدة. واتصل بنا لنوفر لك القائمة الخاصة بالشركات التي تمارس الاحتيال في هذا المجال.

7- إذا اعتقدت أنك سقطت ضحية عملية احتيال، سارع بالاتصال بمحامٍ. وبادر بزيارة الموقع الخاص بالرابطة الوطنية للمدافعين عن حقوق المستهلكين  NACA، وكذلك الموقع الخاص بمؤسسة الدعم القانوني في قضايا الرهن العقاري. ويُفضل أن تتصل بجهات معروف عنها تولي مثل هذه القضايا.

8- داوم على الاتصال بالبنك الذي تتعامل معه، ولا تحجم عن طرح الأسئلة طالما شعرت بأنك غير قادر على فهم شيء تسمعه أو تقرأه. وتوجه للقسم الخاص بمنح القروض للاطلاع على شروط توقيع الحجز على الممتلكات.

9- ادعم ACORN وغيرها من المنظمات العاملة في مجال مساعدة الأسر التي تم الحجز على ممتلكاتها.

10- بادر بالاتصال بفرع ACORN حيث تقيم؛ طالباً المساعدة، وتطوع لدعم غيرك. كذلك ضع لافتة “منطقة غير خاضعة للرهن” الخاصة بـ ACORN  أمام منزلك أو شقتك.

Advertisements

One response to “المليارات تتلاشى مع انفجار فقاعة الرهن العقاري

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s