الثقافة والدولة.. ياسر شعبان

ياسر شعبان

متى كانت الثقافة جزءًا من مؤسسات الدولة ومفاصلها، ومتى كان المشتغلون بالثقافة موظفين لدى الدولة؟

إن الوضع الطبيعي للثقافة وللمشتغلين بها هو الوجود على يسار السلطة، أي سلطة، حتى وإن كانت سلطة منتخبة في ظل نظام ديمقراطي يضمن تداول السلطة. فدائما ما تنظر السلطة، أي سلطة، بقلق للثقافة والمشتغلين بها، لوجود العديد من الاختلافات بينهما، فالسلطة تحتفي بكل ما يحافظ عليها من طاعة وتبعية وشهوة للمال والمناصب، أما الثقافة فتحتفي بالتفكير المتجدد والفردانية ولا تهتم بذهب السلطان ومناصبه. وفقط في عصور الضعف الثقافي أو اختلاط الأيديولوجي بالثقافي، بحيث تتحول الثقافة إلى بوق للأيديولوجي، تنجح السلطة في ترويض الثقافة والمشتغلين بها واستخدامهم واستغلالهم لتنفيذ أغراضها ولخدمتها كما حدث في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية مثلا.. ورغم ذلك تقاوم الثقافة هذه الهيمنة وتخترقها بواسطة المارقين.. سارقي نار المعرفة.. أحفاد برومثيوس، لتحفر أعمالهم وأفكارهم ومبادئهم ومواقفهم مسارات للحرية والتغيير، كما يحفر الماء مسارات له في الصخور، غير مهتمين بالوقت الذي سيتحقق فيه هذا.

الهامش هو البيئة الصالحة والحاضنة للثقافة والمشتغلين بها. والسعي للتواصل مع الماضي واستشراف المستقبل دون انفصال عن الحاضر من المحاور الرئيسة للثقافة، وذلك للحفاظ على تدفق نهر المعرفة والإبداع وللحفاظ على التواصل الإنساني عبر العصور.

والهامش هنا هو المجتمع المدني، هو الحركات والجمعيات والاتحادات والنقابات المستقلة والتيارات الشعبية، بمزيد من الانفتاح على الآخرين بتنوعهم واختلافهم وليس كجيتوهات مغلقة.

وحدها الثقافة بمفهومها الشامل، هي القادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والمراحل التاريخية والخلافات العرقية والدينية، بما يسمح بتجسير الفجوات بين الشعوب وتجاوز الخلافات السياسية وتضميد الجروح بعد المعارك.

ولهذا تجد أشد الناس عداوة للثقافة والمشتغلين بها الفاشية العقائدية والعسكرية، وهما وجهان لعملة واحدة، فلا وجود لفاشية عقائدية دون عسكر يبطشون، ولا وجود لفاشية عسكرية دون رجال دين وفكر يبررون ويحللون ويحرمون.

وفي وجود الفاشية العقائدية / العسكرية في الحكم، تظهر محاكم التفتيش ويبدأ سجن الكتاب والمفكرين والمبدعين وقتلهم وحرق أعمالهم. مشاهد متكررة عبر التاريخ الإنساني، فعلها التتار عند اجتياحهم للخلافة العباسية وتدمير كل مظاهر الحضارة في العراق مركز تلك الخلافة، وفعلتها محاكم التفتيش في أوروبا، وفعلتها تيارات اليمين الإسلامي المتشدد في الأندلس، وفعلها الملالي في أفغانستان، وفعلتها الرأسمالية في أمريكا بإصدار قانون مكافحة الشيوعية في عام 1954 وبموجبه تم سجن عشرات من المشتغلين بالثقافة والإبداع مثل شابلن وآرثر ميللر وبريخت، وكذلك الحال في الاتحاد السوفيتي وأروبا الشرقية، حيث تم اعتقال والتنكيل بالعشرات من الكتاب والمفكرين بسبب مناهضتهم للفكر الشيوعي الشمولي المستبد.

فماذا يفعل المشتغلون بالثقافة والإبداع؟

يقبضون على جمرات الحرية والإنسانية ويواجهون الظلاميين بمزيد من النور، ويواجهون الأسلحة بالأفكار، والقبح بالجمال، ولا يتوقفون ولا يتراجعون، ولا يفقدون الثقة في نتيجة ما يفعلون حتى لو تأخرت ولم يلمسوها ويروها ويتمتعوا بها. يجب علينا جميعا أن نحتمي ببعضنا البعض، نتضامن ونتواصل وننخرط في العمل العام وننشر قيم الحوار والحرية والمساواة والخير والجمال بين الناس.. يجب علينا جميعا، سواء كنا مشتغلين بالثقافة أو لا أن نعمل معا لفتح مسارات ليتدفق نهر الحياة.

Advertisements

2 responses to “الثقافة والدولة.. ياسر شعبان

  1. اتابع كل ما تكتبه . ويجود به الاستاذ مصطفى الجارحى .. والموضوع طويل وشائك .. وبه تفاصيل . ولكنه جدير بالمناقشة والتفاعل . شكرا يا استاذ .

    إعجاب

  2. شكرا أستاذة نورهان.. واسمحي لي أن ألفت انتباهك إلى استخدامي لتعبير (مشتتغل بالثقافة والإبداع) محل مثقف ومبدع.. فهذا جزء من تصوري عن أهمية إدراك أننا مشتغلون بمهنة الثقافة والإبداع ولسنا أنصاف آلهة وأنبياء.. مهنيون علينا العمل على تطوير أدواتنا وليس انتظار.. وفي ظني هذا تغير نوعي يتيح التفاعل مع البيئة المحيطة بدلا من الانعزال عنها..
    تحياتي وتقديري

    إعجاب

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s