آمال العديني.. فيض الشعر وطزاجته

جبر شعث

جبر شعث

لم يقتصر المشهد الشعري الغزي على النتاج الذكوري فحسب، بل تزين وتعطر ذلك المشهد بالنتاج الشعري الأنثوي أيضاً، بعد أن دخل إليه كثير من الشاعرات بقوة وتميز وجلاء رؤيا، وقد كان ذلك الدخول اللطيف إلى المشهد من أبواب عدة من حيث اللغة والصورة الفنية والرؤيا الشعرية، ورغم وصفنا لدخولهن باللطافة التي تشبه لطافة دخول سرب من الفراشات إلى بستان مختلف الأشجار والثمرات والألوان؛ إلا أنه تميز بالتمرد والعصيان والكسر المتعمد للتابوات التعبيرية والاجتماعية والجنسية والدينية.

وسنحاول في هذه الكلمة أن نقترب من إحدى تلك الفراشات اللطيفة وهي الشاعرة آمال العديني من خلال تجوالنا في مجموعتها الشعرية “بين النهر وزنبقة”، التي صدرت عن بيت الشعر الفلسطيني عام 2011م .

في هذه المجموعة فيض شعري ومخيلة لا تخوم لها، ودهشة تتولد من تعالق الكلمات وانزياحاتهاعن حقولها المعجمية إلى حقول دلالية وإشارية ورؤيوية جديدة؛ تضفي على الجملة الشعرية الصفاء والطزاجة:

أصحو ولا أرى

*لعلني الوهم المتفرد بهذا البر

منذور لأسلاك غضة العواء

*كلما دخلت قمراً يسألني

من أي زمان تجيء؟!

*سئمت موازاة الحلم بالملح

كان الذي يتوسد الفصول مفتاحاً للدهشة

يموت مراراً وما زال محملاً بالصدى،

ونثار الوصف

غر يائس الطرف

ولأن الشاعرة آمال العديني تنطلق من إحدى قواعد الشعر الذهبية، والتي مفادها بأن “الشعر لمح تكفي إشارته”؛ نجدها تقول: فراشة الشعر كالومض، تسقط بين رفين من الأصابع، وما الأصابع هنا إلا إشارة إلى حاذق الشعر وفاهمه ومتذوقه معاً. والشاعرة متيقنة من أن فراشة الشعر لا تحط على الأزهار القريبة المتاحة لكل بصر وإصبع، لذا نجدها تتوسله أن يأتي من الأقصى والأعمق والأرق والأبهج:

فراشة الشعر كالومض

تسقط بين رفين من الأصابع

يا ضوءك المجنون وأوهامه:

تعالي من أقصى الوشم بلا دم أو علامة

بلاداً دافئة، شيئاً من نثر النجوم..

بعضاً من نهر

وأقواس قزح…؛

تعالي فراشة ضوئية تتهجى الفصول الأربعة.

ولعل في توسل الشاعرة لفراشة الشعر لكي تأتي؛ صرخة خفية مكتومة من أجل خلاصها الفردي ومن ثم الجمعي، وشعوراً بالعبث والخواء والتيه والاستلاب إزاء هذا العالم بفضائيه الذاتي والإنساني:

لم أعد أطل على برق أو رعد

هزني اليقين فصرت ثوب الخرافة

صرت وهم الحقيقة وحقيقة الوهم

صرت قاطع طريق

………….

…………

في هذا الشرق المسفوح بالإرادة

ليس لنا يد

ولسنا جديدين على أزمنة تستدير كالرحى

مثل مهر ينبثق من رواية

نتساقط من هتاف فاسد

ثم نباهي بأجمل أشباحنا وأكثرها

قدرة على النزيف!

ويتعمق شعور الشاعرة بدونية محيطها، وبالهوان واللامبالاة والاستكانة لدى الناس من حولها؛ ما يجعلها للحظة تقر بلاجدوى الشعر، وبعدم قدرته على تغيير ذلك الواقع السوداوي المهين:

الحب عالم رابع ونحن

لم نزل في العالم الثالث!

لسنا بحاجة إلى شعر أو مطر

غير أنها تتقمص  دور النبي المخلص هذه المرة، وتتشبث بحبل الماضي، وتُلقي بحجر ثقيل في البحيرة الآسنة، رغبة منها في إحداث بعض الدوائر التي قد تكشف عن عمق الماء وصفائه:

نسينا أن لنا دارا تيمم الفقراء بعشقها

ونسمعها تهذي:

أعرف ذعر المعنى تجاه منطق الهوام؛

جئت أقتل وحش الخرافة فيكم؛

جئت أطهر القروح والجروح من دمائكم

حتى لا يكون سبب للغثيان

جئت أزرع قبراً واحدا للغناء

وألف مدينة للتحدي!

وبعد، فقد كنا مقدرين لهذه المقاربة النقدية أن تكون أطول وأشمل، إلا أن أيام الحرب الأخيرة على غزة، وما رافقها من مآسي وعذابات وكوارث، أفقدنا شهية الكتابة، ونحن إذ نأسف أن تكون شاعرتنا المُجيدة المستقصية آمال العدينى، أولى ضحايا تلك الحال التي آمل ألّا تطول؛ فإننا نعدها بدراسة أخرى أوفى وأشمل، ولعلها تكون في مجموعة جديدة غير هذه التي تناولناها.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s