صباح الخير يا يمامة.. هدى حسين

هدى حسين

لا أرى هذه اليمامة. لكنني أعرف أنها مرت بسبب قرب صوتها. إنها هنا. على طرف النافذة المقابل للشارع. الصوت قريب جدا ومستقر. لا أعرف كيف يحدد اليمام الزمن. لكنها كل يوم في هذه اللحظة تغني على شباكي. ليس هناك ما يميزني في ذلك. وليس يهم أن أتميز في شيء. لكنني يمكن أن أضبط ساعتي على “غُناها” هذه اليمامة التي لا تغني لي وحدي. إنني أسمعها تغني عند شبابيك أخرى. أعرف ذلك بدرجات بُعد الصوت من قُربه. أستطيع أن أحدد مكانها من ارتفاع أو انخفاض صوت الغناء. يمكننا أن نقيس المسافات بالهواء. الهواء أيضا لا يمكن أن نراه لكنه موجود.

ويبدو لي أن لهذا اليمام عملاً ما. عمل دقيق جدا. وهو مخلص تماما فيه. بدقة في الساعة المحددة يكون على شباكي. دائما كل صباح. وبالدقة ذاتها في الساعات المحددة الأخرى يكون على شبابيك أخرى. لو كانت حقيقة إنه يقول “اذكروا ربكو” كما قيل لنا ونحن صغار، فإن هذا اليمام منوط بقيادة أوركسترا ما نحن عازفيها. إذ كلما نسمعه يقول “اذكروا ربكو” نقول “لا إله إلا الله”. هكذا علمتني أمي. ولو كان فعلا بغنائه هذا يدعونا لذكر الله فهو إذًا يقود الكورال الصوتي لهذه الجملة. ويضع لكل واحد ميعادًا يذّكره فيه بدوره في إطلاق هذه الجملة إلى حيز الهواء الذي يسكن فيه. إنه منوط بحث المنصتين إلى إطلاق هذا الصوت. صوت هذه الجملة. بحيث أن الهواء لا يتوقف عن حمله. هذا الصوت. في كل مكان فيه يمام. وأمهات مثل أمي تبلغ هذا المعنى.

لكن اليمام لا يتحدث بالضرورة بالعربية. ثم إنه ليس بالضرورة كل من يسمعه “مسلم”. ويبدو أن لهذا اليمام مهمة أخرى إلى جانب المهمة الأولى المذكورة سلفا. وإن كان بغنائه بطلب من المنصت الذِكر، فإنه أيضا يهديه ذِكرا ما. أفكر، ماذا يفعل الطفل عندما يسمع غناء يمامة قريبًا من شباك حجرته. قريب جدا لدرجة أنه يكاد يخترق الحجرة. صوت اليمام تحديدا مثله مثل صوت البوم والهداهد، صوت داخلي. ليس فيه صراخ. وكأنه يغني دون أن يفتح منقاره. ليس كالغراب مثلا أو الصقر أو حتى الدجاج والديكة، إنه لا يصيح. ربما لهذا سُمي هديلا. لما لهذه الحروف نفسها التي بها يسمى صوته من داخلية. ليس فيها عين مثلا أو قاف أو حاء، أو من الحروف التي يمكن أن نصرخ بها، أو يكون الصوت متخارجا بصورة أو بأخرى.

الهاء حرف باطني على ما يبدو. يخرج من البطن أو أسفل الصدر. والدال على طرف اللسان الملتصق بسقف الحلق. والياء بانبساط الشفاه أفقيا. واللام لا تختلف كثيرا عن الدال. صوت يرتفع حروف اسمه به (هديل) من البطن أو الصدر إلى السقف في خط مستقيم. ثم يتقاطع معه الخط الأفقي لصوت الياء. ثم تأتي اللام لتصنع خط العمق. يمكنني أن أرسم هذا الصوت صليبا مجسما من ستة اتجاهات طول وعرض وعمق يتقاطع خطوطه عند نقطة التقاء واحدة. فما هذا؟

إنه لحق مثلما أنكم تنطقون.

لكن اليمام نفسه. الذي ليس بالضرورة يعرف أن اسم صوته بالعربية “هديل”  يقول شيئا آخر، إلا أن ما يمليه على المعنى صوت اسم صوته. يقول ما يشبه: “كور كور – كور كور كور” صوته جميل وأحبه كثيرا. وأسعد لحضور اليمامة كل صباح. صوتها يشابه كونها تقلب حنجرتها بالهواء وفمها مغلق. عدة شقلبات متتالية بإيقاع معين. إنها دوائر إذاً. دوائر وتكورات متتالية. تروح وتجيء. تبدأ من سلم “الجواب” وتنتهي إلى سلم “القرار” موسيقيا. وكأن طفلا يضع كرة في آخر خيط آستيك مطاط. يطلقها لأعلى ثم تسقط لأسفل. والحبل الصوتي ما زال في يده. وكأن حركة صوتها تجسيد للعبة يويو.

هناك الكثير الذي يمكن أن يتعلمه المرء من صوت اليمام إذًا. كثير من الهندسة والموسيقى والألعاب. كثير من الحركات الدائرية. أتمنى لو أعرف إن كان يدرك ذلك. ربما لا. ربما هو فقط مُلهَم هذا الصوت الذي يحث القلوب والعقول والأرواح على التفكير والحدس والتأمل. لكن الهواء أيضا. الهواء الذي يصدر فيه هذا الصوت. هل تتشكل فيه بذلك كل هذه الأشكال الموجية ارتفاعات رأسية واتساعات أفقية وامتدادات عمقية وتلافيف وتكاوير صعودا وهبوطا مع النغمة؟ هذا الهواء يحمل هذه الهدايا الثرية لنا. ونحن نتلقاها بالأذُن. ونقول: لا إله إلا الله. كما علمتنا أمهاتنا. أو لا نقول شيئا، فقط نشعر بالراحة والطمأنينة. بالسكون النابع من أن هناك “يمام” ما يمكنه أن يحط إلى جوار شبابيكنا. شبابيكنا إذًا في أمان. بعيدا عن وحشية همجية ما تزعج اليمام وتجعله يطير فزعا.

أقول صباح الخير يا يمامة شباكي. فأيًا ما كنتِ تحملين من أمر فهو خير. لك كل الخير يا رفيقتي الطائرة المغردة على هذه الأرض تحت هذه السماء.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s