منطقة مشبعة بالصمت.. هدى حسين

هدى حسين

القهوة معدّة وفي انتظاري. قرأت قصيدة للشاعر المصري سامي سعد. أحببتها جدا. أحب أعمال هذا الرجل في العموم. وأعرف بحدس شخصي أنه لا يكتب إلا من منطقته الداخلية بينه وبين نفسه. منطقة سرية وخاصة وتزداد اتساعا وطغيانا يوما بعد يوم. أحب كتاباته وأتمنى كثيرا أن أصل إلى ما وصل إليه من الاتحاد مع ذاته. لكنه من موضعه بداخلي يهمس لي: حذاري. إنها منطقة خطرة وشائكة. فأهمس من داخلي له: أعرف يا عزيزي أعرف.

وبما إني أعرف فإنني بالتالي أعجز عن غير ذلك. هكذا الكتابة. شهقة وحدة، ولحظة قاطعة بسيوف من لهب أو جليد. الكتابة التي من الداخل لا تعرف المواربة ولا المجاملة، ولا الأنساق والمعايير والأشكال المطروحة. إنها انفجار كبير. مثلها مثل بداية العالم, أو نهايته.

رشفة من الفنجان وأم كلثوم تسأل وتجيب: “هو صحيح الهوى غلاب؟ ماعرفش انا”.

جاءت يمامتي الأثيرة في موعدها وبرقة هذه المرة أصدرت هديلها. الجو بارد جدا، وكذلك المسئولون عن هذا البلد. أجواء تشحذ النار الداخلية في التدفق والاحتدام. لكنني أحب الشتاء. ربما لهذا أحب الشتاء. لأنه يستحث الداخل على تفجير دفئه أو احتراقه. أجواء متطرفة. مغالية في البرد أو الحر بحسب المواسم. يتغير المناخ مع الزمن والاحتباس الحراري وما إلى ذلك. ومع تغير الزمن تتغير الناس وبالتالي الأحداث. وأنا لا آتي بالجديد فقط أهذي. أقطع نفسي إربا وأنثرها بلا اكتراث للكلاب الضالة تلتهم منها ما تشاء. ولا أبالي. أظن هذه هي الصفة الوحيدة التي رافقتي عمرا كاملا. دائما ما أجد ما تجاهه لا أبالي. أتدرب على “اللا م بالاه” من خلال الأشياء التي أتركها. أمتلكها وألقيها. لا أدمر شيئا. فقط أتركه. وفي موقع التَرك أترك قطعة مني معه. أتدرب على تركي نهائيا. هكذا، بلا بهجة ولا ألم. بلا انفعال نهائيا. وكأنه أمر حتمي أو أوتوماتيكي، أن يترك الواحد نفسه. ويذهب بعيدا. حيث فراغ ما. فراغ محبب من اللا شيء. لا صداقة ولا نفاق ولا خيانة ولا حب ولا كره ولا سعادة ولا تعاسة. لا حرب ولا.. لا إنها فيها سلام. سلام ما وتآلف وتعاشق محتدم مع فراغ ما، جاف الهواء كصحراء بلا حر ولا برد. ربما هي منطقة الكتابة. لست أدري.. “معرفش أنا” على رأي الست. لكنني أعرف أنها منطقة مشبعة بالصمت. الصمت الكثيف الذي به وحده يمكنني مواصلة تفاصيل الحياة من ترتيب البيت والاهتمام بالصغار والابتسام في وجه الزوج والإنصات للأصدقاء. منطقة سالبة. لا تريد شيئا وينقص فيها كل شيء بحيث أسموزيا يندلع فيها كل شيء. كأنها بئر فارغة أو دوامة أو إعصار. رقصة في ثبات التأمل. نقطة بالأبيض في عمق بقعة سوداء.

وربما لهذا أحب القمر. وربما لهذا أيضا أحب أبي. وكأنني على يقين أنني ورثتها من هذه النقطة. أو سالب النقطة. الهوة الساكنة المصمتة. ما لا يقال.

“وأتاري فيها وعود وعهود وصدود وآلام”، تقول أم كلثوم. وتتلذذ ببقية الجملة “وعود لا تصدق ولا تنصان عهود مع اللي مالوهشي أمان وصبر على ذله وحرمان وبدال ما اقول حرمت خلاص اقول يا ربي زدني كمان”.

أعرف أنني أظلم كثيرا كتاب الأغاني والملحنين والطاقم كله الذي كان يعمل مع أم كلثوم عندما أقول: عظمة على عظمة يا ست. لكنها صراحة شمس هذه الكوكبة. مركز المدارات الخاصة بها. وغالبا هذا ما يحدث عندما تنظر للشمس فإنك لا ترى الكواكب إلا توابع، وقد يكون هذا ظلما للكواكب. لكن من قال إنه لا ظلم في هذه الدنيا فهو واهم. “يا ريت انا أقدر أختار ولا كنت أعيش بين جنة ونار”. أستخدم كلمات الأغاني بينما ما يجذبني حقا هو العلاقة. الوشيجة الرابطة بين اللحن والصوت والكلمات. نقطة لقاء الثلاثة في واحد تجسده الست. وتسحبني معها بخيط إلى حيث دائما هذا الفراغ المحبب حيث كل شيء هو مظهر من تجليه. “يا قلبي آه الحب وراه أشجان وألم”. بينما تقول الأم تيريزا “تألم في حبك واستمر في المعاناه فذات يوم ينتهي الألم ولا يبقى سوى الحب”.

لا أعرف صراحة. لكن ما يبقى لدي هو التوقف عن الشعور. ليست بلادة. فهو توقف صارخ وحاد. بحدته قوة وجلد وتحمل لمجريات الحياة. مكابدة الاستمرار.. ربما هو التوقف عن الانفعال.

“يا قلبي آه” تشدو وتكرر الست. وأنا أرشف قهوتي. وأبستم. أفكر أن أقرأ فنجاني على سبيل التفكه. قبل الخوض في معترك الحياة اليومية. وأتمنى أن أكون فاعلة أكثر. أن يكون لي أي تأثير في خفض نسبة الجياع والمشردين والمرضى والمصابين على هذه الكرة الأرضية. لكنني لا جدوى مني. وأحيانا لا لزوم لي. وغالبا ليس لبكائي أي تأثير على نسبة التصحر المتزايدة على الكوكب. هناك قناة مقطوعة بين المتاح والمطلوب. أستهزئ بوقتي الذي لا ترشيد في استخدامه بحيث يكون له أي نفع. وأنقم على نفسي. وأتمنى أن أحقق أي شيء. أي شيء من الجمال لهذا العالم.

“يصعب عليا تفوت تاني من غير ما اشوف حسنك جنبي”. تقول الست. فأدرك أنها هوة سحيقة هذه النقطة التي بلا شعور على الإطلاق. وأنني أحيانا بحاجة إلى نجدة. نجدة من الحُسن. شيء من الجمال أتعلق به. حتى أبتسم وأمرره لما حولي. “وافضل أعد الليالي واقول وصالك قريب”. لكن ما يمنع؟ لا شيء يمنع. إنها قلة الحيلة. أو وهم قلة الحيلة الذي تنفيه يمامة على شباكي كل صباح. وعجوز يغسل السيارات المركونة في الشارع فجرا في هذا البرد. وسيدة تضحك من تحت طرحتها البلدي وهي تحمل الأرغفة وأكياس الفول. تضحك وهي تنزل سلالم الكورنيش إلى النيل. حيث المركب الذي تسكنه هي وزوجها الصياد والعيال. فأقول أنا حبيسة جدراني.  وقد يكون البرد في الجدران. وكل هذه الطيور والبشر طليقون. أتوقف عند باب البيت في العودة من الشارع بجولته الصباحية. أفتح النوافذ للبرد القارص يطرد دفء النوم. أضع الطعام لقطتي وأصنع قهوتي. وأكتب. عن عدم الشعور الذي هو منتهى كل الشعور. والذي هو منطلق كل الشعور. عن النقطة السالبة للطاقة التي هي جالبة لكل الطاقات. أقول أشياء لا يفهمها غيري ربما. ولا يضير ذلك في شيء. “ولما اشوفك يروح مني الكلام وانساه” – الست.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s