البيئة الحاضنة.. ياسر شعبان

ياسر شعبان

في العلوم البيولوجية هناك مصطلح “البيئة الحاضنة”، ويشير للبيئة المناسبة لنمو وتكاثر أي كائن حي سواء كان نافعًا أو ضارًا. وانتقل هذا المصطلح لشتى مجالات العلوم الإنسانية سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية.. للإشارة إلى ضرورة توفر عناصر ومقومات بعينها لتحقيق النمو لأي نشاط إنساني في هذه المجالات.

ونعرف جميعًا أن نمو التيارات اليمينية بعامة يعتمد على بيئة حاضنة تتوفر فيها عناصر (الفقر، والجهل، والبطالة..)، وبالتالي فإن محاولة مواجهتها لابد أن تتم على عدة محاور على أن تبدأ من القاعدة وليس من القمة، من عامة الشعب لا نخبته.

ومنذ نشأتها قبل 80 عامًا، اعتمدت جماعة الإخوان على هذه البيئة، وتوغلت وانتشرت فيها، مستغلة في ذلك تراجع دور الحكومة إما بسبب الإهمال أو نتيجة الصفقات مع النظام منذ قام السادات بفتح أبواب السجون لخروج أفراد هذه الجماعة لمواجهة التيارات اليسارية، ثم في عهد مبارك بهدف استقرار نظامه وضمان التوريث لنجله.

وطوال سنوات نشأة ونمو تلك الجماعة، لم تتنبه بقية القوى والتيارات المجتمعية والسياسية لأهمية العمل من القاعدة، واكتفت بالمعارك النخبوية المتعالية على عامة الناس حتى ولو كانت منحازة لها. وربما تكون المرحلة النموذج لهذه الرؤية هي مرحلة تسعينيات القرن العشرين، عندما استعانت السلطة الحاكمة بالتيارات السياسية والاجتماعية والثقافية المدنية في معركتها ضد الإرهاب، ففي هذه المرحلة لو انتهزت تلك التيارات الفرصة وسعت للتواجد والانتشار لمزاحمة تيارات اليمين المتأسلم في بيئتها الحاضنة، وعملت على التواصل مع الناس تواصلا حقيقيا لتحقيق المنفعة المتبادلة بالحد من الفقر والجهل والبطالة، لنجحت تلك التيارات بعد حسم السلطة لمعركتها مع الإرهاب في أن تصبح شريكًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا مهما لتلك السلطة، أو على الأقل رقمًا صعبًا لا تستطيع السلطة تحييده بعد انتهاء الدور المطلوب منها. لكن للأسف اكتفت هذه التيارات بالمكاسب المؤقتة والسريعة بالتحالف المباشر مع السلطة الحاكمة، وارتضت أن تتحول لأداة، وبالتالي أتاحت للسلطة أن تهمشها لاحقًا، وتستعيض عنها بعقد الصفقات مع تيارات اليمين المتطرفة وعلى رأسها الإخوان.

وهكذا يمكنني قول إنه رغم فشل جماعة الإخوان فشلًا مريعًا في أول تجربة لها في الحكم، ورغم انكشافها لغالبية الشعب المصري بعد عام واحد من تحولها من العمل السري للعمل العلني، ومن المظلومية التاريخية للهيمنة، ورغم النجاح الأمني والقانوني المرتقب ضد كل قيادات الجماعة وعناصرها الإجرامية، ورغم توقعي بأنه سيتم الإعلان عن أن الجماعة جماعة إرهابية وكل من سينضم لها أو يتبنى أفكارها سيقع تحت طائلة القانون، رغم كل هذا وأكثر.. فعلينا أن نعي أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأنها معركة طويلة وممتدة لتغيير عناصر بيئة حاضنة للتيارات اليمينية المتأسلمة بما يجعلها تضمر وتتلاشى اجتماعيا وثقافيا ومن ثم سياسيًا، وبعد ذلك أو بالتوازي معه، علينا أن نعمل على خلق بيئة حاضنة للأفكار والمبادئ والقيم التنويرية والمدنية.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s