شو ها النظام.. هدى حسين

هدى حسين

اكتشفت أن لي “نظام”. صراحة طول عمري لي نظام. لكن هذا أمر آخر. طول عمري عندي ميعاد استيقاظ ونوم معين ويوم محدد أسبوعيا لأتحرر من النظام ثم المواصلة ببرنامج يومي معد سلفا. في كل عام جديد أشتري أجندة العام. أحدد أهداف العام بأنواعها المختلفة: عملية، شخصية، خيرية، بيتية الخ الخ. ثم أقسمها على عدد الأيام. وأكتب في كل يوم من الأجندة ما أنا بصدده حتى اكتمال السنة.

أبدأ الكتابة في الأجندة من الكريسماس وأنهي الكتابة في الأجندة ليلة رأس السنة. أجندتي جدول أعمالي. وما عليّ كل يوم صباحا إلا أن أفتح الأجندة وأرى ما يتوجب عليّ فعله. أحيانا تضاف أشياء طارئة خلال العام لكنني حتى في إضافتها أتحين اليوم الذي ليس عليّ فيه الكثير من الأعمال.

هكذا مرت حياتي في حالة من النظام الصارم. كل شيء مجدول حتى الأجازات. كل شيء. في نظام صارم وسري لا يعرف عنه أحد تقريبا أي شيء. وكأنه نوتة موسيقة صارمة لا تقبل مازوراتها أي هفوة. هذا ما لا يعرفه الكثيرون عني. فقد كان هذا نظامي الخاص. سري الخاص الذي لا يبدو منه تقريبا شيء غير منجزات أدبية غزيرة وترجمات وثقة تتزايد وابتسامات وحياة سعيدة ومستقرة. أنا واضعة نظامي. أنا النسخة المحققة لأجندتي الشخصية. أنا الصوت الموسيقي الصادر عن عزف هذه النوتة الصارمة. لذا فقد تعدد تأويلي وتناول معانيَّ وصَعُبَ الإمساك بي، إذ أنفلت كمعزوفة لا يُرى منها سوى انفلات ذبذباتها في الهواء. حرية خالصة. كأني ما وراييش حاجة. كأني بنيت نفسي من داخل نظامي. النظام الذي تعلمته من أبي. ولم أثر عليه أبدا. فقط أبقيته سريا. لا يطاله أحد. حتى لا يتحدث عنه أحد أو يسخر منه أحد. ههههه الفتاة الأوتوماتيكية.

نعم أنا التي أسخر الآن. وقد يكون في ذلك شجن ما إذ أنني لم أعد أستطيع مواصلة هذا النظام. لم أعد ملك نفسي. منذ بدأ الحمل وبدأ النظام يضطرب. لم أكن بالفعل أريد إسقاط النظام. لكنه سقط من تلقاء نفسه بشكل طبيعي بسبب المتغيرات الطارئة عليه: الأطفال واحتياجات الأطفال. الصراع بين كتابة قصيدة مثلا وتغيير حفاضة… الخ الخ، إلى الصراع بين الانتهاء من ترجمة في الوقت المحدد ومتابعة مذاكرة أحد الأبناء أو الذهاب لمتابعته في المدرسة أو السهر عليه في المرض. الموضوع هو ارتباك النظام لأن هناك أنظمة أخرى تتشابك معه. وكان الصراع دائما يُحسَم لصالح الأطفال: “البلد فيها مليون شاعرة بس العيال دي ليها أم واحدة وبس. البلد فيها مليون مترجمة بس العيال دي ليها أم واحدة “. هكذا ارتبك النظام من تلقاء نفسه.

لم يعد نظاما مستقلا. صار يعتمد في تنفيذه غالبا على مساعدات من خارجه وهنا فقد مصداقيته وسقط. سقط النظام إذاً. دون أن يدري أحد. لأن أحدا لم يكن يعلم به من البداية. سقط سرا مثلما نشأ وعاش سرا. سقط تدريجيا. عندما بدأت أشطب على أشياء في الأجندة مر اليوم ولم أتمكن من القيام بها. وبالتالي تتم إحالتها إلى اليوم التالي. ومن كثرة عمليات الإرجاء توقفت مصداقية الأجندة فسقطت هي الأخرى، واكتفيت بورقة فيها خطوط عامة لما أريد تنفيذه وأعلقها أمام مكتبي. شيئا فشيئا تحولت الورقة إلى صنم مبهم. طلسم، تعويذة، أي شيء، ولم تعد لها قيمة سوى القيمة المعنوية التي تدل على أن هناك شخصًا يريد فعل أشياء. كانت دليلا على العجز عن الفعل أكثر منها دليل المثابرة على الفعل. ومع الوقت سقط عن الفعل أهميته أيضا فسقطت معه هذه الورقة. كان كل هذا يحدث في سرية تامة. ولم يبقَ سوى حلاوة روح. فرفرة. أفعال مفاجئة أبدأها بحماس شديد ولا أنهيها. أو أفعال متواضعة تنتهي في وقت قصير لمجرد أن تكون دليلا لي على أنني ما زلت أفعل شيئا. كانت المرارة تتسرب تدريجيا ولا يشعر بها غيري. ولا أقوى سوى على العيش بين الشكر لمن يساعد والشعور بالذنب تجاه من يحتاج. وبين الشكر والذنب تسرب خيط رفيع من المرارة بدأ يكبر. حتى صار يغلف أغلب الأشياء. أنا لست أضحي بحياتي فهناك من يساعدني. ولست أملك حياتي فهناك من يطلبها باستمرار ولا يمكنني لومه لأنها أيضا من حقه. هكذا وفي السر أيضا مثل النظام ومثل سقوطه بدأت أتفتت وأنهار. في السر. لا أحد يشعر بذلك. لكن السر طغى وفاض حتى أنني أخبرت صديقا لي أنني أشعر بالموت. لست حزينة ولا سعيدة حيال هذا الشعور. فقط يحدث أنني أموت ولا أبالي بذلك. فقط تمنيت أن أخبر “حد بيفهم”.

منذ تلك اللحظة وأنا أتفتت وأذوب وأصبح أكثر خفة وتفككا وكأن شذراتي تطير على القمر وتطفو في الهواء. تحول عدم اكتراثي بنظرات الآخرين المصحوب بثقة متينة ناتجة عن امتلاك نظام صارم وسري إلى لا مبالاه تجاه نفسي التي لم يعد لها وجود تقريبا إلا في شذرات لا طاقة لي على إعادة تجمعها. في الخارج لم يتغير شيء. السر سر. كنت لا أبالي كيف أبدو لأن مظهري يخصني وحدي وليس لأحد دخل به، وصرت لا أبالي كيف أبدو لأنني شاردة في الأساس عن مظهري مثلما أنا شاردة عن كل شيء. لم يتغير المظهر الخارجي لفعل اللا مبالاة. لذا لا أظن أحدا لاحظ شيئا سوى الذين تربطني بهم قرابة شعورية متينة. أولئك الذين ينصتون جيدا لموسيقى الروح، ويدركون أن دو ماجير ودو مينير ليسا نفس الدو.

وفي داخل هذه الفوضى وهذا الموات بقيت. بقيت وقتا طويلا حتى أنني قررت أن أساهم فيه. عشان نخلص. لكل شيء نهاية. لذا ربما لو أنني حثثتها على المجئ ينقلب الحال. هكذا صرت أساهم في سحق ومحق نفسي قدر المستطاع. عشان نخلص وتموت بقى يمكن تطلع واحدة جديدة ما اعرفهاش، ويمكن أحبها. هكذا انخرطت تماما في البيت. لا جداول لا أجندات، لا بدايات ولا نهايات أعوام، لا مشاريع لا مخططات. فقط انخراط فيما يجئ أياً ما يكون. أنا رد فعل. ربما كانت هذه أسعد أوقات بالنسبة للمحيطين بي.. لأني في استجابة تامة لهم.

هدى ذات الإرادة الحديدية واليقين التام والسطوة والجبروت والتي “مش هاممها حد وعارفة كويس هي عايزة ايه، بتعمل ايه”. قفزت من فوق القمر الذي تطفو شذراتي المتناثرة عليه بلا اتصال واضح بينها وبين بعضها البعض، نظرت لكل هذا. وتساءلت: هل يمكنني أن أعود كما كنت.

حقيقة لم أستطع.. لم أعد كما كنت ولم أستمر في كوني رد فعل مستجيبًا لما يطرأ فحسب. هناك شيء آخر يحدث. ربما بالفعل نفس جديدة تتكون. أصبح لي نظام. يتلخص في: قهوة الصباح وأم كلثوم. وقهوة المساء والفيلم الأجنبي. حتى الآن هذا هو الشيء الوحيد الذي أكرره يوميا. بلا أجندة. بلا خطط. بلا مشاريع. وكذلك بلا انخراط وذوبان والتماهي التام في احتياجات البيت والأطفال. ليس سهلا أن تكبر. أن تتسع. أن تُدرج في نظامك الخاص والشخصي جدا “أسرة وبيت”. على الأقل ليس سهلا بالنسبة لي. سيبلغ أطفالي ثمان سنوات في أبريل القادم. وأشعر أنني أكثر استقرارا عن ذي قبل. ربما أكثر رضا. ما زلت أحتفظ بلا مبالاتي. لكنني أشعر الآن أن الثوب المحكم الذي تمزق قد كوّن موتيفات لطيفة على ثوب أكثر اتساعا ورحابة. يمكنه أن يقبل بوجود آخرين في حياته، في نظامه. بل وبشراسة أعرفها فيّ من زمان يمكن أن يدافع عن هذا الوجود، الذي وإن كان يبدو آخر ودخيلًا وغريبًا إلا أنه جزء يمكنه أن يتكامل مع منظومة حياتي. لذا فأظنني الآن يمكنني أن أدرج أسرتي في نظامي. ويكون لي نظام أوسع وأرحب. ربما أروع أيضا. بكل مميزاته ومساوئه. شروة واحدة. وأحس براحة شديدة لأنني أيضا أندرج في هذا النظام. أنا إنسان مسئول ليس عن نفسي وأنا حرة فيها، وليس عن أسرتي الصغيرة اللي أموت ولا حد يمس ضفرها، لكن عن كيان واحد متحد اسمه “نحن” فيه لكل واحد منا تفرده ولحظاته وأجنداته. أظن أنه يمكننا معا أن ننشيء هذا النظام.. ربما.. لنرى.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s