معاني الكلمات.. هدى حسين

هدى حسين

سكنت بيتا غير بيتها فأسكنت في بيتها من ليس هذا بيته. في كل الأحوال، هي بيوت ونحن رُحَّل من بيت إلى بيت. الآن تسكن بيوتها وهي تعرف أنها ليست بيوتها. تنظر إلى الآثار وتعرف أن بيوتا رحلت هي الأخرى. كلنا نرحل، نحن والبيوت سواء.

تغادر مثلما غادرت من ذي قبل. مجبولة على التَرك. ذات يوم تركت نفسها. ليسكن نفسها غيرها ورحلت. خفيفة كنسمة. عارية كحقيقة. بلا حس ولا خبر.

في أحيان كثيرة كانت مدفوعة دفعا للهجرة. وفي أخرى قليلة كانت تنجذب إلى مغامرة، تاركة خلفها ما لا تدري من كنوز. لكنها هذه المرة، تترك للتَرك. وكأنه ينبغي أن تكون هناك مرة محددة لا تشبه المرّات الأخرى على اختلافها. وكأنه لا بد من الألم ومن الأمل للتدرب على الرحيل. إلى أن تعي روحٌ أنها في الرحيل تعيش. ينتهي الألم وينتهي الأمل. وتبقى رحلة. هي بيت البيوت حتى الآن.

زمان بلا مكان. زمان ساكن. لا يؤثر في شيء. جامد كصخرة. يتنفس ذاته. شيء من الانقطاع عن العالم هو استقلال أيضا. أنظر إلى الجهل في الذين يعتقدون أنهم يعرفون. ينقمون على جهل الجاهلين. وأرتعب أن أكون من الجاهلين الذين يجهلون جهلهم. هكذا فقط تظهر رحمة بالجاهلين. ولا أتصادم معهم. أنصت إلى ما يقولون جميعا كلهم وأطأطئ رأسي. أرحل. ولا أعقب. أقول في نفسي يا إلهى كانت بينهم روح وزجروها بجهل، لم يشعروا أن ما زجروه هي الروح ذاتها التي يطمحون لها. ثم أرحل. يا إلهى لا تجعلني منهم ولا من فعلهم في شيء. برئني برئني.

صباح تلو صباح تشرق شمس لم تغرب أبدا. مساء تلو مساء يضيء قمر ليس له نور من نفسه. وهكذا تلتبس أشياء. والحقيقة الصامتة لا يدركها سوى الصامتين. بجوار البحر ماذا يمكنني أن أرى؟ أحدِّث الرمال التي تداس بأقدام المتلهفين لعناق موجة. أرفع حبة من الرمال في يدي. أقبلها. وأنفض عنها آثار العابرين.

عندما أصفو يأتيني الأنقياء، محملين بكدر هذا العالم. يلقونه في جعبتي. وأنا أنظر وأصمت. أبتسم أحيانا وأقول لا عليكم. لكن العند الذي يولد الكفر يبزغ. يقولون: أنت لا تعرفين شيئا. أنت لم تمري بما مررنا به. لذا فأنت لا تفهمين.

أستمر في الصمت. وقد أكون لا أفهم. وقد لا يكون الفهم مهما على كل حال. أبتسم وأجيب: “صحيح”. ثم أرحل.

بيت تلو بيت أقابله يشكو لي ساكنيه. بيت تلو بيت يرحب بي كملاذ من هذا العالم. بيت تلو بيت ينهار أمامي. ويأبى بكبريائه أن أضمده. أمسح بيدي على رأسي. أقول أنا العالم. أيها الذين لا يمقتون هذا العالم. أنا العالم، أيها الذين يستغلون هذا العالم، أنا العالم، أنا وكل من يحبون. كل من يتركون. كل من يرحلون. يودعون بيوتا ويستقبلون أخرى. أنا العالم في حركته وصمته. الحركة في صمت. زمن بلا مكان. يسكن ذاته.

 

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s