حُرمة الحياة.. هدى حسين

هدى حسين

وإن كان للموت حرمة فأولى أن تكون هناك حرمة أكبر للحياة. وإن كان التمثيل بالجثث حرامًا فما بال التمثيل بالأحياء. وإن كان يوم الجمعة عيد المسلمين فبأية حال عدت يا عيد. رحم الله من مات وأثاب من تألم بأي نوع من الألم، جثماني أو معنوي، وهو ثابت على إيمانه بأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح. سبحان من كرّم بني آدم فأذل بني آدم أخاه.

أكتب وأصابعي متجمدة من البرد متخشبة من رائحة الموت. لكنها تحاول. وأتذكر في التاريخ دنشواي وبحر البقر وغيرهما مما درسنا من هول وقائع العدوان والاحتلال. ويحضرني مشهد لا أتذكر من أي فيلم، وفيه هدى سلطان تعمل في خمارة بلدي، وتستدرج عساكر الإنجليز بمفاتنها إلى ركن مظلم حيث يطعنهم أخوتها من المصريين. كلهم “جوني”. وكلهم قاتل. وكلهم مفتون ثم مقتول.

وأعرف أن هناك مشاهد تبدو أكثر بسالة. من نساء ورجال مصريين في تاريخ مصر الحديث. وأعرف أنهم لم يحدثونا في مناهج التاريخ عن كل  ما ينبغي أن يحدثونا عنه. لكن مشهد هدى سلطان في هذا الفيلم يستوقفني. هناك نساء بواسل كثيرات ذُكرن بالاسم في التاريخ باعتبارهن أمهات النضال، وقد كن كذلك، وحظين بالذكرى المكللة بكل الاحترام. لكن من استدرج للقتل خارج الجبهات الواضحة للقتال كن بنات لن يتجرأ التاريخ المحتشم عن ذكر أية منهن. وتدريجيا سيبالغ التاريخ في الاحتشام. ويبقى لهؤلاء البنات المغدورات من التاريخ أجرهن عند بارئهن الذي وحده يعلم ما في القلوب والنوايا.

أنظر إلى المشهد الحالي، وأرى الأوركسترالية التي تتحرك بها الأحداث في الوطن العربي كله. مشاهد تتكرر تباعا، هنا وهناك، بشر يكررون الخطاب نفسه والخطاب المضاد نفسه، وأحيانا بالحرف. نسخ كربون من كل شيء بهتت أو وضحت النسخة. وأحس أن كلامي لا معنى له برغم أني أراه يضيء لي خيطا على طريق الفهم، إلا أنه شديد الضآلة أمام هول ما يحدث. فتتجمد يدي وأعجز عن الكتابة.

يمكنني في أية لحظة أن أنسحب إلى ركني الآمن. بين الموسيقى والكتب. يمكنني أن أقول إن السياسة ليست لعبتي. وهذا صحيح. وسيكون مبررا صادقا عند التنحي عن النظر لما يحدث. لكنني سأكون خدعت نفسي. فما أنظر له ليس “السياسة”. ويا لهول ما أنظر له. ولا أتمكن من الحديث عنه على كل حال.. لكن التفاتي بعيدا عنه تحت أي مبرر من المبررات سيكون خيانة ما. خيانة للحياة التي هي نعمة إلهية موهوبة بدون استحقاق فقط بسبب كرم الوهاب. نعمة الشعور والإحساس. نعمة الإنسانية. ليس ضعفا، وليس حنقا، لكنها غيرة ربما على حُرمة الروح التي تتحرك بها الأجساد. غيرة على كرامة من لا كرامة له إلا بتكريم ربه له، وفي تكريم ربه له شيء عظيم لأنه تكريم جاء من العظيم نفسه. غيرة على المنحة الإلهية الكبرى التي هي كذلك لأنها إلهية، كيف يتجرأ مخلوق على إهانة الإلهي في منحته! كيف لا يرده أحد عن غيِّه وطغيانه!

وأعرف أن هذا يحدث كل يوم. وأعرف أن هناك من أراد أن يرحمهم الله بقبض أرواحم، ومن أراد أن يخفف عنهم أخراهم فابتلاهم بلاءً عظيما في دنياهم. وأعرف أن الثورة على الظلم فريضة. بغض النظر عن نتائجها. الثورة ليست مطية للحصول على مكاسب، إن لم تحصل عليها يفقد الثائر للحق إيمانه بها. وأي حق أولى من حق الحياة، وبكرامة، مثلما أراد الكريم الذي أكرمنا فكرَّمنا، هكذا وقبل أي استحقاق.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s