ماجدولين الرفاعي.. تقنيات السرد والشعر

حميد سعيد

ماجدولين الرفاعي.. في “نصوص خارجة عن القانون”

الجمع بين تقنيات السرد و تقنيات الشعر

حميد سعيد*

“نصوص خارجة عن القانون”، مجموعة قصصية للكاتبة السورية ماجدولبن الرفاعي، تضم سبعة وخمسين نصّاً، مما اصطلح على تسميتها، القصص القصيرة جداً، صادرة عن دار تالة للنشر والتوزيع بدمشق، وهي نصوص أدبية، تتفرع من فنون السرد، وتتقاسم مع القصيدة الحديثة تقنياتها، من دون أن تقطع الصلة بفن الحكاية، في الكتابة العربية، أو في الكتابات الأجنبية، وبخاصة الآسيوية منها، صينية ويابانية وهندية، والحكاية هي الجدّة الأولى، للكتابة السردية، وهذا التخصيص لا يعني غيابها في الأدب الغربي.

وإذا كان هذا النوع من أنواع الكتابة قد تمَّ تجنيسه بوصفه قصة قصيرة جدا، فإن ظهوره عربياً بهذا التجنيس كان جديدا، وجاء عن طريق الترجمة، ثمّ كان حضوره على صعيد النشر والتداول والنقد، غير أنه حضور متواضع ومحدود، وكأي جديد، كان عليه أن يواجه المحيط الأدبي، بثوابته، لتكريس حضوره.

ولم يشكّل عصبية، تفصح عن دعوة، تجعل منه بديلاً عمّا كان قائما من أنواع القص القصير، كما كان الأمر مع الشعر الحديث مثلاً، بمتغيراته، في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بل اصطف في بعض نماذجه من دون أي ضجيج، إلى صف ما كان قائماً، في محاولة تجريبية للإضافة والتنوع والتوسّع في محيط الكتابة السردية، وفي تجارب القصاصين، ممن كتبوا القصة القصيرة جدا وأفسحوا لها مجالاً ما، في مجموعاتهم القصصية، فلا انصرفوا له، ولا انصرفوا عن كتابة القصة القصيرة.

لكن تجنيس هذا النوع من أنواع الكتابة، بوصفه قصة قصيرة جداً، طالما قادني إلى سؤال هو: لماذا لا يجنّس بوصفه أقصوصة، رغم معرفتي بأن وصف أو مصطلح أقصوصة قد أطلق على القصة القصيرة في مرحلة مبكّرة من مراحل اقتحامها مجال الإبداع في الكتابة العربية، لكن وقد رسخ وصف القصة القصيرة، وتراجع استعمال وصف الاقصوصة، فإن الأجدر بهذا الوصف ـ المصطلح ـ ما يكتب الآن بوصفه قصة قصيرة جداً.

ولماذا لانصفها بـ “قصيصة” تصغير “قصّة” وهي كذلك فعلاً، ولا يحول دون هذا الوصف سوى الاعتياد والاعتماد على الشائع، وضعف المبادرة وعدم الاجتهاد، ثم أن وصف “قصيصة” سيحرر هذه النصوص من معيار الحجم، ولا أرى إن ما يميزها هو الحجم فقط، إذ صارت لها سمات ومقومات واجتهادات تميزها عن باقي أنواع الكتابة السردية، ليس في كلِّ ما يكتب منها، وإنّما، وكما هو الإبداع عموماً، في نماذجها المتميّزة.

إن “الرفاعي” حققت هذا التميّز في “نصوص خارجة عن القانون” ليس في الموضوعات التي كتبت فيها فحسب، أو في ما أفصحت عنه من موقف منها، بل في اشتغالها في ما هو إبداعي، ولقد تناول الأستاذ مؤيد عبد القادر، في تقديمه المجموعة، هذا الجانب “الموضوعات” ورصد ما جاء فيها من مواقف، في محاولة لاكتشاف التفاعل بين الموقف والوعي، بين وعي المبدع ووعي المتلقّي، ولا شك إن الكاتبة عبّرت عن وعي التقطه كاتب المقدمة وركّز عليه، وقال فيه ما ينبغي أن يقال.

وقبل أن أتناول الإبداعي في النصوص، ينبغي الإشارة إلى ملاحظات، لا تنفصل عن الموضوع وتبقى على تماس مع الإبداع، فإن كتابة مجموعة من القصص القصيرة جدا في مواضيع مختلفة، وتقنيات متباينة وأشكال عديدة رغم محدودية مجالات التنوّع في مثل هذه النصوص، أفصح عمّا تتوفر عليه ماجدولين الرفاعي من قدرات معرفية وما تمتلك من موهبة، تتحرك بين جماليات القول وجماليات الإبداع، بين ثوابت الكتابة ومتغيرات الفن.

وإذا حاولنا تحديد السمات الجمالية في نصوص المجموعة، أو ما توصلت إليه منه، يمكن الإشارة الى:

أولاً: الاختزال المفتوح

إذ يُختزل النص، ليس على صعيد عدد الصفحات أو عدد الكلمات فحسب، وإنّما على صعيد الحكاية، التي تضعها الكاتبة في موضع يحتمل عدة مسارات وعدة نهايات، تتيح الفرصة لحوار آني بين مخيلة القارئ ومتخيّل النص، بحيث يشارك المتلقّي في “النص” من خلال كتابة ذهنية، ومثل هذا الاختزال ينفتح بالنص على آفاق مفتوحة وغير محددة، ولكنّها تلتقي في النص، وتمنحه القدرة على إنتاج الأسئلة، التي هي جوهر الثقافة، وبخاصة في الكتابة الإبداعية، ومن النصوص التي اتسمت بالاختزال المفتوح “لقاء في الساعة الخامسة والعشرين” و”غزل متطوّر” و”قصة مشروخة”.

ثانياً: المفارقة

حيث يعتمد النص في بنية الكتابة على مفارقة ما، تستفز طاقات المتلقي، وتكرس انتباهه، وهذه المفارقة لطالما كانت تحريضية، تكشف خللاً وتشير إلى انحراف، أو تلفت النظر إلى خطأ أو خطيئة، كما في نص “الفياغرا” و”شارب” و”تباً للموت”.

إن تقنية المفارقة لم يقتصر استعمالها في القصة القصيرة جداً، بل شاع استعمالها في الشعر، وبخاصة في نصوص الإشارات، حيث تتكرر إلى حدٍّ صار البعض يظن إن المفارقة هي الموقف، وهي البديل عن جماليات النص الشعري، وأصبحت بعض النصوص التي تعتمد على المفارقة مكبلّة بها.

ثالثا: النكتة السوداء

تتداخل النكتة السوداء في أية كتابة بالمفارقة، وبخاصة على صعيد الموقف، لكنها، أي النكتة السوداء، أكثر جرأة وأكثر مباشرة في تأشير الانحراف ومواجهة الخلل، سياسيا كان أم اجتماعياً، وفي “نصوص خارجة عن القانون”، كما في “خيّاط ماهر” و”زلة لسان” و”تبديل” تتحقق موازنة بين الموضوع والجمال، وتكون الموازنة أحياناً في صالح الجمال، الذي يمنح الموضوع عمقاً، ومن ثم يتوفر النص على شرط الإبداع.

رابعا: الموقف

لقد أشرت من قبل إلى أن المقدمة التي كتبها مؤيد عبد القادر، وقال فيها ما ينبغي أن يقال في الموقف، وقد أعطى الموضوع حقّه، وإذ أتوقف عند سمة الموقف في النصوص، ثانيةً، فمن أجل أن أضعها في سياق سمات النصوص، في ضوء قراءتي، حيث كان الموقف هو الأساس في أكثر من نص من نصوص المجموعة، وكأن الكاتبة أرادت أن ترفع صوتها احتجاجا على كل ما يمس كرامة الإنسان وإنسانيته، ويسئ إلى جوهر العدالة وحق الحياة، كما في “تهمة خائنة” التي واجهت فيها الفساد و”الازدواجية” التي اقتنصت فيها لحظة من الواقع، فضحت فيها ازدواجية التصرف، كما كشفت دناءة المستغلين في “من حقّه”.

غير أن موقف أي مبدع، على أهميته، ينبغي أن لا يكون هو الهدف، بمعنى أن لا يتّكئ المبدع على موقفه، مثلما ينبغي أن لا يفرّط به، لأن الإبداع هو إنتاج الجمال، وبه ومن خلاله يتجلى الموقف، وليس من تقاطع بين الموقف والجمال، وهذا ما حققته ماجدولين الرفاعي في كثير من نصوصها، فالاشتغال على الرمز مثلاً، كما في “العنكبوت حين يحب”، واقتران الجمال بالموقف كان في صالح الموقف والجمال معاً.

خامسا: تقنية القصيدة

لقد أفادت النصوص من تقنية القصيدة ليس في بنية الشكل كما في “الوكر”، أو بنية اللغة الشعرية كما في عدد منها فحسب، وإنّما من مجمل تقنيات القصيدة الحديثة، التي ظهرت بوضوح في “صورة” و”مقصلة” و”حب إلكتروني”.

لكن تفريد ما فطنت إليه من سمات، وبخاصة ما ذكرت بشأن تقنية القصيدة، تدرك بالقراءة الجادة، فهي لا تظهر على سطح النص، بل يتكامل النص بها ومعها، كما تنمو شجرة مثمرة، فهو تفريد افتراضي ليس إلاّ.

وإن الجمع بين تقنيات الشعر وتقنيات السرد في “نصوص خارجة عن القانون” لم تغب معه شخصية النص السردي، وما كان الشعر طارئا عليه.

……….

*  الدراسة ضمن كتاب نقدي بعنوان “تطفل على السرد” للأديب العراقي حميد سعيد، صدر عن دار تالة بدمشق، يضم رؤية الكاتب في ابداعات بعض كتاب الرواية والقصة والشعر.

Advertisements

One response to “ماجدولين الرفاعي.. تقنيات السرد والشعر

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s