“محفوظ” أو الهوة السحيقة.. ياسر شعبان

ياسر شعبان

في 11 ديسمبر 2013 مرت كالعادة الذكرى (102) لمولد الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ دون اهتمام يذكر من وسائل الإعلام والأوساط الأدبية، سوى ما تعلق بالجائزة التي تمنحها الجامعة الأمريكية في مصر، والتي تم منحها هذا العالم للروائي السوري “خالد خليفة” عن روايته “لا سكاكين بمطابخ هذه المدينة”. وجاء في حيثيات منح الجائزة (تعكس رواية “لا سكاكين بمطابخ هذه المدينة” الخوف والتطرف والاستبداد الذي يسود سوريا المعاصرة، حيث تقدم رؤية إبداعية لأسرة سورية أدماها العنف السياسي وفتت كرامتها الإنسانية إربًا. وتبدو مدينة حلب في قلب المشهد وهي تقاوم العسكرة بشتى الطرق الممكنة). ويكشف قرار لجنة التحكيم أن الجائزة ذهبت في المقام الأول لسوريا قبل أن تذهب لرواية خالد خليفة، التي من الممكن أن نتفق ونختلف حول قيمتها، سوريا التي يواجه شعبها مفارقة استعمارية شائنة تتمثل في الحكام المستبدين من جانب والتيارات اليمينية المتأسلمة من جانب آخر، وكلاهما صنيعة القوى الاستعمارية مع كثير من تواطؤ وفساد القوى السياسية والثقافية في سوريا وباقي الدول العربية التي تعاني من نفس المفارقة الشائنة.

وهكذا، فعند خروج تلك الشعوب ضد فساد واستبداد حكامها، تجد نفسها في مواجهة عنيفة مع التيارات اليمينية المتأسلمة في غياب القوى السياسية والثقافية التي تعبر عن توجهات ومعتقدات ومصالح تلك الشعوب. وتتحول المفارقة الشائنة إلى خلايا سرطانية قادرة على التكاثر بما يشيع الفوضى والاضطرابات والعنف في تلك المجتمعات دون دوافع حقيقية وفعلية.

وهكذا لابد أن نتذكر محاولة اغتيال نجيب محفوظ على يد مهووسين بدعوى أن روايته “أولاد حارتنا” بها تجديف وكفر. ومنذ تلك المحاولة الفاشلة، وحتى ثورة 25 يناير 2011، لم تتحرك جموع المثقفين لمواجهة الانتشار السرطاني للأفكار الوهابية التكفيرية الإرهابية. وحتى ولو بشكل برجماتي بحت، لم يستغل هؤلاء المشتغلون بالثقافة حاجة الدولة لهم في مواجهة الإرهاب ودعمها للثقافة بغرض الترويج لحالة أن مواجهة الإرهاب ليست مواجهة أمنية فقط. اكتفى المشتغلون بالثقافة بالتحول لأدوات لدى الدولة تستخدمها مقابل العطايا والهبات، وتخزنها عند انتهاء دورها في حظائرها.

رحل نجيب محفوظ، وبقيت أعماله، لكننا للأسف لا نقرأها بالاهتمام الكافي، ولا نستخدم أفكارها في معاركنا أو نستخدمها هي نفسها كأسلحة نواجه بها سرطان المتأسلمين المستشري في جسد المجتمع وروحه. اكتفينا بالاحتفالات، وبالكلمات الرنانة الطنانة والملفات في الصحف والمجلات ولا شيء يحدث فعليًا.

نحن الآن في معركة تختلف كثيرًا عن معركة تسعينيات القرن العشرين، نحن الآن في معركة مجتمع مع تنظيمات إرهابية، وليس في معركة نظام أو حتى دولة مع تلك التنظيمات الإرهابية. نحن الآن متحررون من استخدام النظام للثقافة والمشتغلين بها كأدوات. معركة مفتوحة وعلى كل المستويات. معركة وجود وليست معركة منافع مؤقتة. معركة هوية وليست معركة شعارات واهية.

فهل ننتبه ونتجاوز هذا الباب الوهمي الذي يمنعنا عن التواصل الفعلي مع الناس، والذي يجعل ما ننتجه ونعيد إنتاجه من أفكار متاحة للناس، متاحة للتلاميذ في المدارس منذ المرحلة الابتدائية، متاحة للفلاحين والعمال، متاحة للفقراء، متاحة لكل مستويات الوعي والمعرفة.

هل نعمل معًا لإنشاء مؤسسة باسم نجيب محفوظ تعنى بإتاحة أعماله بكل الأشكال والمعالجات من روايات مصورة لروايات مبسطة لكارتون، مع تقرير رواياته في المدارس داخل المناهج الدراسية وخارجها كجزء من النشاط المدرسي والقراءة الحرة. وليست تلك المؤسسة سوى بداية، لنرى بعدها مؤسسات طه حسين والعقاد وأحمد زويل وفاروق الباز.

المعركة مستمرة ولن يحسمها سوى المعرفة، مهما حاولت قوات الأمن، فتلك التيارات المتأسلمة لا تختلف كثيرا عن الجراثيم التي عند عجزها عن الانتشار بسبب العلاجات تتحوصل وتدخل مرحلة كمون في انتظار الفرصة المناسبة لتنشط مجددا. وهكذا فإن الشفاء التام من هذه الجراثيم لا يكون إلا بتقوية جهاز المناعة، وفي حالاتنا هذه جزء مهم من جهاز المناعة يتعلق بالمعرفة والثقافة، بالتوازي مع السياسة والاقتصاد والأمن. فهل نستفيد من تجاربنا وننجو في معركتنا تلك ونرتقي سلم التطور، أم ننهزم ونهوي لهاوية سحيقة تشبه العراق وأفغانستان؟

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s