“نساء القاهرة ـ دبي”.. رواية برائحة الخوخ

 فاطمة عبد الله في مختبر السرديات

فاطمة عبد الله حسن

بين تنقل داخل شوارع وميادين القاهرة ودبي، وبين التحرك في فسحات الزمن، مع تنوع الأحداث والشخصيات.. ما بين ذلك وأكثر، تتحصل متعة قراءة رواية (نساء القاهرة دبي) للكاتب المصري الدكتور ناصر عراق.

وتأتي المتعة عبر ثالوث محكم الأضلاع، حاني الجنبات، مستقيم الهوية: (الحلم ـ الخوخ ـ الأغنية).. ثالوث يتحكم به الكاتب في القارئ، فيمنحه حينا فضاءات التخيل والمرور عبر الزمن، وحيناً يهبه متعة التعمق في النفوس مع التجول في الأماكن، حتى يتوهم القارئ لحظةً أنه خرج عن سيطرة الكاتب، غير أنها الحنكة ودربة الكتابة بلغةٍ لها ما للحرير من نعومة الانسياب وجمال الملمس، وإحكام العقدة.

ثمة ما يمكن التأكيد عليه أولاً، وهو أن (نساء القاهرة دبي) يمكن قراءتها من أوجه متعددة: اجتماعية، سياسية، فكرية.. غير أنني أفضل قراءتها من الناحية الأدبية تمتعًا بفنيات السرد، وبالمهارة الإبداعية التي تنطوي عليها.

 

فنيات السرد

استخدم الكاتب مجموعة من التقنيات كانت كفيلة بأن تتسرب الرواية، على كبر حجمها (670 صفحة)، شيئًا فشيئًا حتى ورقتها الأخيرة داخلنا كقراء، من دون أن يصيبنا الملل، بل على العكس من ذلك كان هناك دائمًا ما يدفعنا دفعًا لاستكمال القراءة بغية الوقوف على الأحداث.. كيف تبدأ وإلى أين تنتهي.. وربما من أوضح تلك التقنيات:

أولا: ضرب الفعل الماضي بالمضارع، أي تجديده دائمًا لاستشراف أحداث مستقبلية توحي بأسبقية علم الراوي أو الحاكي.. وهو ما يمكن أن نلحظه في (صـ 23): “سوزان التي تعاني من قروح المدرسة الابتدائية في ركبتيها لم تذرف دمعةً واحدة في هذا اليوم على رحيل والدها المفاجئ لكنها ستتذكره على الدوام كل نهار، وتهبه عبراتها كل مساء بغير حساب، وستدافع عن ذكراه العطرة باستماتة حيال استخفاف زوج المستقبل بالحرب مع إسرائيل واستهزائه بالجيش المصري، وسوف ترفض تمامًا أن تمنح هذا الزوج جسدها إلى الأبد إزاء سبِّه والدها الشهيد في إحدى مرات العراك الزوجي المشتعلة”.. وفي (صــ86): “أقدم الأستاذ جرجس على معاونة ابن أخته القلِق في تبديد ضجر الانتظار في لعب الطاولة التي سيحافظان على ممارستها سنوات طويلة بعد ذلك، حتى يخطف رُخ الموت روح الضابط الجرئ في صحراء سيناء”.. ثم في (صــ 104): “في تلك الغرفة تحديدًا التي جلس فيها العريس فؤاد مسيحة، شقيق مارسيل، بجوار عروسه التي لن يتزوجها أبدًا“.. فضلاً عن تواتر هذه التقنية على امتداد صفحات الرواية، وعلى هذا يبدو الكاتب وكأنه يقود آلة الزمن.. فيطوي الزمن طيًا بإدخال مجرد حروف تحيل إلى المستقبل مثل (السين)، و(لن) التي تنفي حدوث الفعل.. وهكذا يغري الكاتب قراءه بالبحث عن تفصيل ما أُجمل في هذه العبارات.

ثانيًا: استخدام تقنيتي النعت والمضاف إليه لصناعة لغة مراوغة المعنى تفتح فضاءات التأويل: “فلا نسمة هواءٍ خجول قادرة على المرور في شارع شبرا، ولا أمل في التمتع بنسمة حانية ورقيقة تعبر ناصية شارع اللواء فطين” (صــ 129).. هنا لا تدري حقًا أيتحدث عن نسمة هواء حقيقية أم هي مجرد استعارة يفتح بها بابًا من متعة التورية تدلك عليه هذه العتبات، وكأننا بانتظار مرور فتاة ما، خجولة هنا في شارع شبرا، ورقيقة هناك في شارع اللواء فطين.

ثالثًا: اعتمد الكاتب تقنية إلقاء جمل بعينها على امتداد الرواية بتجميعها يكتشف القارئ المغزى الحقيقي، كأنها مفاتيح لاستكناه ما استُغلق على القارئ في تبرير ميل بعض الشخصيات عن خطها الظاهر، ومن هذه المفاتيح ما جاء على لسان مرسي الشوبكي: “سنعمر ألف عام ونموت ولن نعرف جيدًا خصال أقرب الناس إلينا” (صــ 443)، وهي جملة، وفق أحداث الرواية، يمكن أن ترد على لسان “سوزان” مثلا حينما تكتشف أن لدى أمها عالمًا سريًا عرفته بمحض الصدفة، كما يمكن أن تأتي على لسان “مادلين” حينما اكتشفت الحياة السرية لأمها مع الدكتور محمود عزت، إضافة إلى إمكان ورودها على لسان “فيليب” لحظة أن اكتشف الشقة السرية الخاصة بمجون أبيه.. وعلى النسق نفسه تأتي عبارة الأستاذ جرجس: “الناس لا يرون فائدة من دروس الرسم ولا من دروس التاريخ بكل أسف” (صــ 117).. وتبدو هذه الجملة مغزىً آخر للرواية، ولقناعة الكاتب بأن الرسم حالٌ لمقاومة الفقد، ويمنح أصحابه حياة بديلة في الذاكرة، كما يحفظ التاريخُ للزمن والأحداث، وربما للشخصيات، الامتداد في الذاكرة.. هنا يحتفي الحائط بتجاور صور لمجموعة من الشخصيات: جمال عبد الناصر، طه حسين، البابا كيرولس، أم كلثوم، والشهيد صبحي.

رابعًا: ثمة نوع من السرد استخدمه الكاتب لينوب عن الحوار، وهو ما يتجلى في صــ (467): “أوقف فؤاد سيارته ونزل منها متوجهًا نحو سوزان، دعاها للركوب فوافقت على الفور هربًا من الحريق المندلع في شارع شبرا. الحوار السريع في السيارة أثمر لقاء أسرع، ثم أنجب أربعة لقاءات أخرى في أسبوع واحد، واستقبلت أحياء الزمالك والحسين والمنيل مشاعر فياضة باللهفة ورغبة متبادلة في التعرف والاكتشاف، وهكذا علمت سوزان أن فؤاد يعمل محاسبًا في بنك القاهرة وأن راتبه تجاوز 150 جنيهًا، وأنه لم ينس أريج عطرها منذ جلست بجواره وهم في طريقهم إلى محل الملابس في الجيزة، لذا حين تجرأ وأمسك يدها بحنان بالغ في آخر لقاء جمعهما في كازينو بشارع أبو الفدا لم تُباغَت سوزان، وتركت راحتها تستمتع بالدفء الجديد”.

 

شفرة النص

اعتمد الكاتب طوال روايته ثالوث (الحلم ـ الأغنية ـ الخوخ) ليعبر به عن الأحداث وتطور الخط الدرامي للشخصيات.. فالحلم مفسر، إما تفصيل بعد إجمال، أو إجمال لأحداث جرت في السابق.

“رأت سوزان حلمًا غريبًا ومزعجًا ظهر خلاله والدها وهو يحمل أسرته كلها فوق ظهره هائما في صحراء لا نهائية وهو يئن من شدة الألم” (صــ87).. وهو حلم يعبر عن حال الأم “إنصاف” وهي تستعيد ذكرياتها مع زوجها الشهيد.. وهذا الحلم يبعث فيها الطمأنينة بأن روح زوجها تشاركها المسئولية.. لذلك يختتم الكاتب المقطع بـ “ضمت الأم ابنتها المذعورة إلى صدرها بقوة وحنان معًا، واصطحبتها لتنام في حضنها بعد أن ذرفت عبرتين وهي تلملم ذكرياتها في علبة الصدف / الهدية وتعيدها إلى سيرتها الأولى”.

وتطل الأغنية بوصفها ضلعًا ثانياً في هذا الثالوث.. ويتخذها الكاتب تكئة للتعليق على الأحداث وما يدور في نفس الشخصيات في آن، فحين تغني ليلى مراد “يا حبيب الروح فين أيامك” إنما تأتي الأغنية عقب حوار الأصدقاء الأربعة في مقهى نور الصباح عن سياسة السادات في “إزاحة الرجال المحترمين المخلصين من مجلس الشعب واستبدالهم بالأنذال وتجار المخدرات”.. هنا يبدو الأمر للقارئ إحالةً داخلية تستحضر جمال عبد الناصر مقارنةً بالسادات، وإحالة خارجية على استرجاع “جرجس” ذكرى زوجته التي عشقت صوت ليلى مراد، فيما تبدو جملة الأغنية لمزًا من مرسي الشوبكي لـ “سمير” وزواجه السري فيقول له “الحب جميل للي عايش فيه”، كذلك يقارن حسنين البقال بين صوتي ليلى مراد وأم كلثوم، وكأن كلاً يغني على ليلاه!

وعلى نحو آخر نستمع إلى “وُلد الهدى فالكائنات ضياء”، بعد حديث عن تحول ابن البقال، العائد من أفغانستان، إلى إرهابي يحمل مسدسًا لإشاعة القتل والعنف ضد السياح ومسيحيي مصر، وهنا تطل الأغنية ترجمةً للمعاني السامية التي هي جوهر الإسلام الرافض للعنف.. وعلى هذا النسق تتناثر أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وليلى مراد وعبد الحليم حافظ، طوال الرواية، معبرة عن ثقافة وميول الشخصيات، أو كتأريخ لربط الأحداث بالزمان، بينما تناثرت جمل من أغاني محمد منير كدليل فقط على تغير الزمن، واعتراض الكبار على ثقافة الشباب.

بعد ذلك يتجلى بشكل أكثر جمالاً ضلع الخوخ.. حيث الخوخ هنا مرآة الأرواح المحبة.. من يحبه يتمتع قلبه بالحب الصادق، ومن لا يحبه لا يعرف قلبه الحب الصادق.. ففي (صــ 414) على سبيل المثال تصف “سوزان” في مذكراتها خطيبها السابق بأنه (شخص مريض، أناني جدًا، فقير الإحساس، مهووس بذاته، جلده سميك لا يتأثر باختفاء الرفاق، كما أنه لا يحب الخوخ، ويحتقر الرسامين).. لذلك اشترطت لقبول الزواج من فؤاد مسيحة أن يكون من محبي الخوخ. وكان الخوخ حاضرًا في لقاءات الصديقات الثلاث “مارسيل، وداد، وإنصاف”، كما كان دائم الوجود في بيت الأستاذ جرجس.. حتى هنا ظل وقع الخوخ جميلاً إلى أن أفسده الدكتور محمود عزت حين عمد إلى تضييق فضاءاته، في معرض إجابته عن سؤال عما إذا كان يحب الخوخ، فقال “أحبه فهو يشبه المرأة”.

 

خاتمة

وفي جملة نقول: يستبدل الكاتب الكاميرا بالقلم في مواضع كثيرة يؤرشف بها الأماكن، فيستحيل القارئ رائيًا لها، ومشاركًا في الحدث، كما يستخدم في هذه المشاهد تقنيات السينما من إضاءة ومؤثرات صوتية تمهد لحضور الشخصيات، أو انسحابها تدريجيًا من المشهد.

ينتظم العلاقات بين شخوص الرواية شكلٌ رباعي، يأتي ضلعان منه على الدوم: واحدٌ شبهُ متلاشٍ، وآخر مهمش، فيما يتفاعل الضلعان الباقيان مع بعضهما طوال وجودهما في أحداث الرواية.. كالأصدقاء الأربعة في المقهى: يبدو “سمير” هو الضلع المتلاشي، يليه البقال المهمش، لتظهر العلاقة قويةً بين مرسي الشوبكي والأستاذ جرجس الذي يحل محله بعد وفاته الأستاذ إدوارد.. كذلك الحال في أسرة سوزان: فالزوج يمثل الضلع المتلاشي، فيما يمثل الابن الضلع المهمش، بينما الأم سوزان متفاعلة دائمًا مع ابنتها مادلين، حتى يحل الدكتور محمود عزت محل مادلين… وهكذا.

يمكن القول كذلك إن شخصيات النخب في الرواية تظهر وكأنها غير عارفة ببواطن الأمور مثل الشخصيات الهامشية، ففي أزمة الأمن المركزي نرى النخب لا تشارك بفاعلية في النقاش قدر مشاركة مرتادي المقهى، بل وتبدو غير مدركة لسبب الأزمة الحقيقي، في حين أن السبب الحقيقي للأزمة لا يرد إلا على لسان النادل، وساعتها يعلق مرسي الشوبكي (الثوري الاشتراكي) قائلا: “الظلم يولّد الانفجار”.

…………….

* تنشر في نفس توقيت قراءتها بندوة مختبر سرديات مكتبة الإسكندرية.
Advertisements

One response to ““نساء القاهرة ـ دبي”.. رواية برائحة الخوخ

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s