الشيخ بن تونس: “إيفا” حملت رسالة مولانا بألم كبير

عائشة موماد

شهادات (2 ـ 2)

ترجمة: عائشة موماد

عرفتُ إيفا لسنوات عديدة، فقد قابلتُها منذ السبعينات واستمرت علاقتنا إلى أواخر حياتها. هنا أود أن أذكر شيئا هامًّا بالنسبة لي: العملُ الذي قامت به إيفا لم يكن له تأثير على الغربيين فحسب، بل كذلك على المسلمين بشمال إفريقيا ودول المغرب العربي. فكون اللغة الفارسية لم تكن متداولة في تلك المنطقة، جاءت ترجمات إيفا لكتابات مولانا لنشر أفكاره وتعاليمه.
لم تخطط إيفا لحياتها ولم تكن تتوقع أن تكون كاتبة ولا مترجمة بعد أن قضت وقتًا غير هيّن بمختبرات الفيزياء والكيمياء. وعند اكتشافها لعالم مولانا جلال الدين الرومي، تعمّقت في دراسة كتبه وترجمتها ونشر معانيها، وأدركت أن “التوحيد” حقيقة لا مفر منها، فكلّ تعاليم الديانات السماوية تصبُّ في هذا المجرى.

كانت إيفا امرأة تتألم، وكانت تحس برفض من مجتمعها، انحدارها من أسرة نبيلة، وترعرعها في أحضان المسيحية، الكاثوليكية والبروتستانتية، ثم زواجها من رجل ذي أصل يهودي، جعلوها تحمل رسالة مولانا بألم كبير محاولةً إبرازها بوضوح شديد رغم كل ظروفها المعاشة.

يجب ألا ننسى أنه خلال سنوات الخمسينات، كان الغرب ينظر للإسلام على أنه دين من درجة دنيا. فجل بلدان المغرب العربي كانت تحت الاحتلال الفرنسي، وكانت بلدان إسلامية أخرى في ظل الاحتلال الإنجليزي، والحديث عن الإسلام عامة، وعن تعاليم مولانا خاصة، وتلك الرؤية الكونية الشاملة في ذلك الوقت بالذات، كان معقدا وشبه مستحيل ولم يكن متاحا كما هو الحال الآن.

لمن يعرف إيفا فقد كانت سيدة صغيرة البنية، لكنها كانت ذات إصرار وعزيمة قويتين، عندما تقرر فعل شيء فإنها تجاهد في سبيله رغم كل العوائق. حضرت لقاءات ومحاضرات عديدة وقد كانت خلالها تُهاجم بحدة من طرف تيارين متنافرين تماما:

فالطرف الأول كان رافضًا للإسلام ويحاول البرهنة على أن الرسالة التي تود إيفا تبليغها لا أصل لها. فقد كان تعريف الإسلام لدى هذه الفئة مغايرا لتعريف إيفا. كان الإسلام دين عنف بينما تعرفه إيفا على كونه دين حب.
والطرف الثاني كان مشكلا من المسلمين أنفسهم، الذين يرفضون بشدة أفكار مولانا ويكفرون بوحدة الرسالة الكونية التي تدعو كل الإنسانية إلى الوحدة.
لذلك فإني أقول إن إيفا عاشت رسالتها، وحملتها بكل ما فيها من قوة، بالرغم من الأجواء غير المستقرة التي كانت سائدة آنذاك. نتساءل هنا عند قراءة كتاب (فيه ما فيه) وكتاب (المثنوي):

هل كان مولانا الرومي حقيقة؟

هل عاش فعلاً؟

هل فعلا أتى بكل تلك الأفكار؟

هل كانت شهادات معاصريه صادقة؟!

لقد كان عكس ما عليه الإنسانية الآن من فقر، بدغمائيتها وماديتها، إنسانية جافة وجامدة.

حاولت إيفا إيصال هذه الكنوز بحُلّة جديدة ومناسبة للعصر، وأنا شاهد على إنجازاتها مع الآلاف من الأشخاص، حيث تمكنوا من خلال كتاباتها ونصائحها كذلك، أن يمضوا في طريق المحبة والوحدة.

……………
* خالد بن تونس: شيخ الطريقة العلاوية.
* مترجم عن الندوة التي أقيمت بقونية عن إيفا دوفيتري ميروفيتش لدى دفنها، بحسب وصيتها، قرب ضريح مولانا جلال الدين الرومي: http://www.youtube.com/watch?v=mFgKbX0szEs
Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s