الميزان.. عادل عبد الظاهر

عادل عبد الظاهر 

الكلمة حَرَّكت السكون، وأسكنت في جسده الهامد روحاً.

وكانت هي حركة بندول الزمن في تذبذبها بين جهتين.

تك.. تاك.. انفصلت السماء عن الأرض، فكان سماء وأرض.

تك.. تاك.. ظهر الطريق وبظهوره اكتشف كل كائن أن ثمة يمين ويسار.

تك.. تاك.. انفلقت الخلية الواحدة الأولية، فكان ذكر وكان أنثى، وكان اتساع المعاني والصور من الذكر والأنثى.

تك.. تاك.. نبضة في القلب تضخ الدماء، ونبضة تجمعها.

تك.. تاك.. تنبسط الرئتان عند الشهيق وتنقبضان عند الزفير.

تك.. تاك.. ميزان للوجود من كفتين، أقامه إله واحد، خافض رافع، قابض باسط، معز مذل.

تك.. تاك.. كانت هي وحدة الإيقاع في البحر الساكن لتجعل فيه موجاً، وكان منها بناء النغم وسلم الألحان، تختلف باختلاف عدد مرات ترددها، وتختلف باختلاف »الميلودي« المحلق فوقها، والخاطب ودها.

فالميلودي هو الجنين الذي ينجبه دائماً تعانق »تك وتاك«، كما أوجب وجود الميزان بكفتيه خلق جنين النظام الوليد، وفكرة العدالة، فوجود وحدة الإيقاع الثنائية يستدعي وجود مايسترو يضبط الوزن، ووجود خير وشر يستدعي وجود قاض عادل، ووجود يمين ويسار يستدعي الاستقامة، ومن حاد عن قانون الاستقامة كان مُطفِّفاً، وويل للمطففين.

ولولا وجود جناحين للمعبد ما كان ثمة معنى للطريق المستقيم في الوسط، وهو الطريق المرسوم للخلائق، وطريق المواكب والاحتفالات، يسير أياً من يسير عليه، فتتجاذبه قوتان، ذواتا مغريات، فتتحقق التقوى عند المقاومة لدى مكافحة جذب القوتين المتطرفتين، بالتزام الطريق المستقيم.

فالمعبد حينئذِ ميزان، والدخول إليه هو خوض لمحنة الصمود على الصراط، كما هو خوضنا لرحلة الحياة غريبة الأطوار، هي المحنة ذاتها، وهي التزام السير على خيط رفيع، مع العمل على تجنب السقوط يميناً أو يساراً.

ولم يكن لخلق الميزان من معنى إلا بإقامة القسط.

تك.. تاك.. هي الميزان!

{وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} ـ سورة الرحمن.

وحتى ينتظم الكيان والبناء الهارموني للوجود لابد وأن توزن كل قيمة بميزان واحد، ولو على نفسك، وذلك لأنه (ويل للمططفين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون).

هل اكتشفنا الآن معنى قول الحق تبارك وتعالى:

{خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} ـ (44) سورة العنكبوت.

ألم يصور المصري القديم صورة الأرض الأولى على هيئة اسم ماعت، رمز النظام والأخلاق؟ وفوق قاعدة نفس الرمز (ماعت) صور المصريون إلههم واقفاً.

وفوق نفس القاعدة الرمزية يقف رمسيس الثاني أثناء تتويجه بمنظر جداري في معبد أبي سنبل الصغير، وهو يقف بين حورس وست، اللذيْن يقومان بتتويجه.

وبين كفتي الميزان يوجد فراغ، قد يملأه النظام، فيحدث التعادل بين الكفتين، أو يملأه الهرج والمرج، فيختل ما بين الكفتين، وما بين «تك» و«تاك» فراغ صامت، قد يملأه اللحن الجميل أو النشاز القبيح.

كما أنه بين الذكر والأنثى علاقة فراغ لا يملأه إلا أغنية للعشق تنتج وليداً ليأتي معه بمعنى تلك العلاقة، ويكسر ملل الصمت وانعدام الجدوى.

وما بين الميلاد والموت مسرح هائل الاتساع، تملأه التجارب التي تحدد بعد ذلك شكل المصير.

العنصر الثالث في ثنائية الإيقاع هو الذي يقدم المعنى، وتتحقق بظهوره الحكمة.

(سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) ـ (36) سورة يــس.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s