نوفمبر.. أنف الجزائر الشامخ

جلال حيدر

جلال حيدر 

ستُّون عاما وما زلتَ في آذاننا صوتا بعيدا تحرضه الجبال العالية.

كلما تيبست شفاه الحنين إلى الرجولة وجدناك خير منهل لنغفو قليلا حيث أنهى شهيد ما سطره الأخير بعبارة غامضة.

كلما تمتن الليل في أصقاعنا رأينا نافذة تنفتح عند مجاهد ما يحدق في عدمنا، ويمنحنا قليلا من حبر البدايات ليستقيم ظهر الحكايا، ونستطيع لمس الأنف الشامخ لمعدن لم يتكرر.

لنعد قليلا إلى وجوه الأولين، الذين ذاقوا ترف الألم، وعرفوا قصة الوطن الذي شُذّْبت ضفائره كما يُفعل بجناح عصفور كي لا يتعلم الطيران.. لقد كانت أكفهم تمسك بجلباب الأرض، وقلوبهم تتغمد الأناشيد القديمة، وبين العاصفة والعاصفة كانت أهدابهم تنتصب بكبرياء موحش.

ستون عاما، وأجراس هذا الليل تقرع خفيت منا لننام أكثر، لنموت أكثر، ولا تنمو على شواهد قبورنا الأسماء.

كفى، إني أحب أبطالنا الذين لم يسمع بهم غيرنا، أبطالنا الذين نسيهم هذا الليل في مكان ما من هذه الغابات التي تبكي أشجارها بسخاء، أبطالنا الذين لا يفقهون من الأرض غير الحرية ومن الحرب غير النصر.

هم أبطالنا الذين لا يتناقشون كثيرا في السياسة لأنهم أخمدوا كل الدروب في أقدامهم، وفضلوا هذه المسارب الخطيرة ممهدين بصدورهم العارية الطريق نحو أول رصاصة تنير نجم الثورة الآفل.

أبطالنا الذين يتغنون بالحسناوات الموشومات حين تلتقي المدارات بالمدارات، هكذا كانوا يمنحون للحب انتصارات الحرب.

أبطالنا الذين لا تطالهم يد الفساد كأنهم قديسون في حياتنا هكذا رسموا أنفسهم ببساطة.

من يذكر الآن كل تلك الأسماء التي تزين برد الشوارع ؟ منفيون في القرى الرديئة أبطالنا.

ها أنا أكتب بكل ما أوتيت من دموع في هذه الليلة متوسلا ذلك النشيد العالق في حنجرتي أن لا يسكت الأطفال من ترديده في المدارس الصغيرة.. متوسلا تلك اليد اللطيفة البيضاء التي تحمل العلم أن ترفعه بعنف إلى السماء مثلما يرفع مظلوم دعواته إلى الله.

هكذا أراد ابطالنا أن يرفرف كشوكة تدمي أعين الأعداء.

ستون عاما ونحن نمتشق الحزن أيها الأبطال، مثلما كانت فوهات بنادقكم.. فإلى متى ننزع غيمة الشقاء أمام أعيننا؟ كي يتسنى لنا رؤية الوطن المهيض.

آه يا ستون عامًا.. ما زال قلبي القروي يحلم بالوطن. 

…………..

* (كَ تَ بَ): ينشر بمناسبة ذكرى ثورة التحرير الجزائرية في 1 نوفمبر 1954 ضد الاستعمار الفرنسي الذي احتلّ البلاد منذ سنة 1830، ودامت طيلة 7 سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السياسي، وانتهت باستقلال الجزائر بعد سقوط أكثر من مليون ونصف مليون شهيد جزائري.
Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s