غِطاس “الحَبُّوبة”.. غادة العبسي

غادة العبسي

استيقظَت فجرًا كالمعتاد على أصوات الدِيَكة الطليقة؛ حيث تسكن “دميانة” إحدى حارات “أشْمغَة”، تخطو أحيانًا عالية الرؤوس أو مطأطئتها بحثًا عمَّا تأكله فتتدلى أعرافها الحمراء المبهجة فوق “نشارة” الخشب الملونة التي تفترش الأرض بعد عُرس “سامية” بنت “مصريّة” و”يونس” ليلة أمس، وتغوص مخالبها في سُمكها وقد خطا أكبرها فوق حرف (S) المرسوم بالنّشارة في مقابل قرينه (E) على الأرض، نهضَت نحو النافذة خارج حجرة النوم تحاول أن تتجاهل الشعور بالبرد وهي تُحكم منديلها الشيفون فوق رأسها، تراقب طيورها التي ما زالت تصيح وقد غادرت الحظيرة الصغيرة تحت نافذتها مباشرة، خرجت من الباب عبر درجات السلم الثلاث بفتات الخبز المبتلَّة لتُطعمها مثل كل صباح.

دلفت “دميانة” إلى المطبخ الصغير الذي يتسع لها بالكاد مع موقدها، ماركة “المصانع الحربية”، ولرف خشبي تضع فوقه التوابل و”نملية” من خشبٍ متهالك نخرت فيه أجيال من النمل، تحوي أوانيها التي خرجت بها من بيت أبيها إلى بيت زوجها، تحسست قطع القلقاس المقطعة في الماء الساخن منذ أمس والتي صارت باردة كالثلج الآن، صارت ليّنة بعض الشيء، تحتاج إلى وقت أطول في الماء الساخن، فبدأت تغلي الماء فوق الموقد، ثم شرعت في إعداد الإفطار قبل أن يصحو “بشاي” ـ زوجها الفكهاني ـ وأولادها “صبحي” و”إبراهيم” و”شنودة”. أما “مريم” ـ ابنتها الكبرى ـ فأخذت توقظها بتأنيبها اليومي على كسلها وتخاذلها مع أمها قائلة: “البتّ للعَفَن والواد للكفن”.. صحت “مريم” مُكدّرة بجفن ممتلئ نصف مرتخٍ مثل العذراء في الأيقونات، صامتة تغسل وجهها من أثر كحل الأمس في عرس جارتها “سامية” وقد تقاسمت عائلتها فرحة قداس عيد الغطاس مع العرس، بكاء شنودة ذي العامين يؤرقها فتهرع إليه وتضمه وتجهز له طعامه.

يصحو “بشاي” على بكاء الطفل ويتوقف شخيره المنتظم ويقول: “كل سنة وأنتم طيبون”، فتجري “مريم” إلى احتضانه وتبتسم “دميانة” مرددة: “وانت طيب يا خوي”.

صار البيت الصغير صاخبًا في أقل من ساعة بين صياح الأولاد والديكة وبكاء “شنودة” وصوت التلفاز وإيلام “دميانة” لـ”مريم” وهي تفترش الأغطية والوسائد فوق عتبة النافذة، تتسوّل بعض الدفء الشحيح في أيام “طوبة” الباردة. تنظر “مريم” لأعلى فتشعر بقرب الغيمات الرمادية وتستبشر خيرًا بمطر وشيك فتطيع والدتها وتُدخِل الفرش مرة أخرى.

خرج “صبحي” و”إبراهيم” بصحبة الأب مرتديًا جلبابه الصوفي وعِمته البيضاء، يلهوان من خلف كُمه الواسع الفضفاض، يقبضان على نشارة الخشب الملونة ويقذفان بعضهما بها، يستمتعان بإفساد حرفي العروسين بالأقدام والأيدي ثم يتوقف بهما “بشاي” لشراء الحلوى فيأكلان شرائح البطاطس ثم يتسابقان في التهام العلكة الطويلة وصنع بالونات منها. بقايا البطاطس تفسد العلكة في فم كلا الطفلين ولا تتمدد بين أسنانهما بينما يتلقى “بشاي” التهاني بعيد الغطاس من الجيران.

يعلو غناء “دميانة” وهي تقلِّب الثوم في السمن مع عيدان الكسبرة الخضراء والسَّلق:

“الفرح غالي مش لكل الناس

جوّه مدينة وقفولها نحاس

الفرح غالي في صناديقه

وايش جَسَّر الفقري يمد إيده”.

ثم صاحت في ابنتها: ادهني يا “مريم”. جذبت الفتاة زجاجة “زيت الحبّوبة” وجلست على الأرض ثم بسطت شعرها الطويل وأخوها “شنودة” بين رجليها وبدأت تفرك الزيت بفروة رأسها وتفرده فوق خصلاتها الكستنائية، شاعرة بلسعة تؤلمها بعض الشيء، تسأل والدتها أن تغني أغنيتها المفضلة فتنشد وقد فاحت رائحة الخضرة الغارقة في الثوم المقلي:

“شلباية البحر يا بيضة عجبتيني

ارخي دلالك على البحور عديني”.

نهضت «مريم» مزهوة بلمعان شعرها، فوقفت في النافذة تبحث عن عيون شباب الجيران كي يشاهدوها و”دميانة” غارقة في غنائها الجنوبي، دقائق قليلة ويبكي “شنودة” بحرقة، تهبط “مريم” لتتفقد أخاها فتجد زجاجة الزيت قد نقص منها ورائحته النفاذة تخرج من فم أخيها، تصرخ منادية على أمها، تنزعج “دميانة” وتحمل ابنها بين يديها، انعقد لسان “مريم”؛ تخشى إخبارها بما حدث، وسرعان ما تكتشف الأمر، تهرع “دميانة” به إلى الخارج تصرخ.. يقابلها “بشاي” بوخزة في قلبه عندما يجد ابنه بين يديها، يُغلق الباب على أبنائه الثلاثة ويلتقط “شنودة” من بين يديها ويعبر بهما “مزلقان” القطار.

رفض المستشفى العام استقبال “شنودة” وطلب منهما الذهاب به إلى مركز السموم.. عندما وصلا إلى هناك كان الطفل قد فقد وعيه، يشتدّ صراخ “دميانة” بينما زاغت عينا “بشاي” بين جموع البشر المنتظرة في الساحة الضيقة، يسمع جملاً متناثرة لا يستطيع التحقق منها وهو يزاحم بـ”شنودة” بين المرضى وذويهم: “إياكِ تقولي إنك حاولتي تنتحري”.. تهمس أخرى: “هي اللي عملت فيه كده، سم الفيران شبه الفلفل الاسود”.. ينادي “بشاي”: “ابني بيموت”. يلتقطه طبيب ويعرف القصة بإيجاز بينما تجلس فتاة على سرير الفحص شاخصة بجمود، يتم تجهيز الطفل للغسيل المعوي، يهمس الطبيب المقيم إلى زميلته: “سنقوم بغسيل معوي لها.. عشان تحرَّم”. كُم “بشاي” العريض يداعب وجه “شنودة”، تسقط دمعة “دميانة” على يده الصغيرة الباردة، يفتح “شنودة” عينيه بعد غسيل معدته على بكاء ضعيف، فتزغرد “دميانة” وسط رائحة القيء وحوض حجرة الاستقبال الأبيض وزجاجات الكيماويات الداكنة، بينما تنفلت ضحكة من طبيب الامتياز وهو يحدِّث زميله: “شِرِب زيت الحبوبة؟!”.

………….

* من مجموعة “أولاد الحور” تصدر خلال أيام.
Advertisements

One response to “غِطاس “الحَبُّوبة”.. غادة العبسي

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s