قبور صغيرة للكلاب.. جلال حيدر

جلال حيدر

خرج “فري” وهو كلب جميل وحزين إلى الشرفة التي تطل على مدينة نيو، التي تنحني مثل امرأة تتغزل بها الأمطار، وكان يعب من سيجارته بقسوة بينما شاهد حشدا من الناس في المقبرة المجاورة للعمارة التي يقطنها.

فلطالما تألم لهذه الجنائز التي تصنع يوميات حياته الكئيبة هو وزوجته الذابلة “فييرّا” التي تركت عملها كحلّاقة لتلتحق بشرفته الموجعة.

بدأ الأمر حينما قدم فري إلى مدينة نيو في أواخر العام الماضي ككلب برجوازي مشرد، طردته كلاب ضالة استولت على قبو كان يسكنه في قرية لامونا، تخلى عنه أصدقاؤه هنا ففشل في إيجاد حل لأزمته، وانهار تماما، وبينما كان يفكر في الانتحار في شارع كودو، الذي يسلكه مثل تلك الأمطار، جذبته يد فييرّا ـ التي تحتسي كأسا آخر الآن، وعيناها منصبتان على الحشد ـ وأدخلته دكان حلاقتها.

بدا ضائعا وسط عطور الكلبات العاريات وابتساماتهن.. جلبت فييرّا منشفة وراحت تمررها على جسده الهزيل بعد أن نزعت عنه بدلته النتنة والمبلولة تماما.. ناولته سيجارة وأحضرت له كأس نبيذ، وزادت صوت الموسيقى الرومانسية.. احتسى النبيذ وانتصب زغبه وتحول المحل إلى مشهد آخر حين طلبت فييرّا، الأنيقة المشعة كعروس البحر، مراقصته.

كان يرقص بقسوة المطر الذي أساء إليه بقسوة الأصدقاء الذين تخلوا عنه، بقسوة الكلاب الضالة التي أهانته، بقسوة الطريق إلى نيو.. كانت فييرّا قد أنهت علاقة عابرة منذ أيام ما زادها تعلقا بـ فري، خاصة بعدما روى عليهن قصته الحزينة.

قبل دعوة فييرّا إلى العشاء في بيتها، نزلا إلى شارع كودو، وسارا جنبا إلى جنب.. قطعا حديقة لامونيا فذكره الاسم بقريته البعيدة وهو يودع حياة الذل والحقارة، وكان يحلم بعمل محترم وأيام سعيدة مع فييرّا التي تزوجته بعد العشاء الذي تشاركا في طهيه، لكنه سرعان ما اكتشف الشرفة الجميلة التي تضيئها أنوار الشارع الطويل الذي يمضي بدوره إلى أسفل حيث تبدو المدينة مشعة كجسد فييرّا.

كان شهر العسل ممتعا، لكنه بدأ ينزوي في الشرفة أكثر ودائما ما تجلس بجانبه فيقول “انظري، كم تشبه سحنة القبور هذه أحلامي المنقرضة”.. “أترين تلك الواجهات العملاقة، إنها أحزاني أيضا”.. “إلى متى تضمد هذه المدينة في ضوئها؟ مثل صمتي تماما”.. “آه.. أيتها الأمطار، من جعلك قاسية”.

تضاءل خروج فييرّا إلى العمل، وبدا ذبولها واضحا، فكثيرا ما سألها معارفها عن سبب هذه الكآبة التي تغزو ألقها منذ قدم الكلب المتشرد في يوم ماطر.

كانت الموسيقا منهكة وكأنها تنكسر رفقة المطر وأوراق الكاليبتس.. وكان الحشد كبيرا بما يكفي ليعرفا أنها شخصية معروفة من تُندفن الآن.. رافق الصمت عينيهما الحزينتين يتوخيان البكاء مثل أيامهما الأولى حين اكتشفا أمر الدفن والقبور والحشود والمطر.

خرج الحشد بعد إكمال الدفن في مشهد جنائزي حزين، وما أثار فضول فري أن حشودا أخرى من النساء توالى مجيؤها لزيارة القبر الجديد، ما لم يحصل منذ انصهاره في تلك الشرفة.. حشود كثيرة.. بكاء، عويل، ومطر لا يكف هذا المساء.. احتسى ما تبقى في قعر الكأس من نبيذ وقد خلى الشارع والمقبرة من الوافدات.. خرج مسرعا، قصد القبر الجديد، لم يجد شيئا سوى اسم على الشاهدة “هنا ينام سي لخضر”، وقبر صغير وفارغ بجنبه، كان فضوله قويا ومخيفا ما دفعه إلى نبش القبر.. وجد كهلا ينام وسط صندوق من الخشب الثمين ما يميزه هو طول عضوه، قطع العضو بسرعة، وأغلق الصندوق وعاد به إلى الشرفة.. أشعل سيجارة وتأمل العضو والمدينة تخبو ضياؤها وسط الضباب.. حين سقطت الصينية النحاسية من يد فييرّا، التي أطلقت صرخة عظيمة لا شك أنها أيقظت الجيران، “لقد مات سي لخضر” ما جعل فري يرمي نفسه من الشرفة ثم لحقت به فييرّا.

دُفنا برفقة العضو في القبر الصغير جنب السي لخضر، وكُتب على شاهدة قبرهما “قبور صغيرة للكلاب”.. وكانت الشرفة تطل وحيدة على حشود الكلاب التي حضرت جنازتهما.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s