ربما أنا ياسر الزيات

ياسر الزيات

نعم، أنا ياسر الزيات:

تركت لكم كل شيء على حاله: المحبة الحارقة والموت الفجائي، القصائد الخربة والحياة المؤجلة، العزلة الوراثية والقسوة الأبدية. تركت لكم كل شيء على حاله، فرتِّبوه إن استطعتم، أو اتركوه على حاله، وتخلصوا مني لتحرِّروني؟ حرِّروني، أنا الهائم في جحيم ذاته، حرِّروني.

***

نعم، ياسر الزيات:

وحدي، وحيد، خائف. ربما أنا لا أحد، أو لا شيء. فما الذي يعنيه هذا الوجه؟ ما الذي تعنيه العينان المزدحمتان؟ ما الذي يعنيه القلب الغائم الطري؟ ما الذي تعنيه هذه الكتابة العرضية المعلّقة في الأصابع؟ ولماذا أبكي هكذا كعاشق خائب، كإرهابي، كمنفيّ في ذاته، كنصف برتقالة؟ كشتات بلا نهاية؟

 

من أنا حقا؟

***

ربما أنا ياسر الزيات:

وحده، أو بعضه، أو بقاياه، أو أثره، أو نبضه الأخير المتلاشي في اسم بلا معنى، يفتش عن جسد بلا معنى، ليكون شيئا، مجرد شيء مكتمل، له نهاية واحدة تجعله وحيداً أو خائفاً، أو ميتاً حقيقياً تحضنه ربما حقيقة، يبعثرها هواء حقيقي، كلّما مرّت حبيبته عليه.

***

نصف ياسر الزيات

يا زوجتي، يا حبيبتي، كوني عادلة قليلاً: خذي نصف جسدي ونصف روحي، وهكذا يصبح لديك ياسر الزيات كامل. واتركي لي نصف جسد ونصف روح أهديهما إلى بقية العالم.

أنا عادل تماما. وأريد نصف جسد ونصف روح، أكتبهما أو أمزقهما أو أبعثرهما في رمال الزمن، لعل حفّاراً أركيولوجياً يعثر على فتاتي ذات يوم، فأكتشف أنني كنت موجوداً حقاً في ذلك العالم.

أنا تحت غطائي الآن، أفكّر في كل شيء في وقت واحد: في الزعماء الخالدين، في المقابر الجماعية، في حبيباتي المؤجلات، في بائعة الجرائد الصغيرة، في الجوعى الذين يندهشون عندما أصفهم بأنهم جوعى، في الأوطان الخائنة تلك، أفكّر في كل شيء، ولكن لا شيء يفكّر الآن فيَّ، ليجمع نصف جسد ونصف روح، ولعلني أكتمل في مكان آخر، تحت غطاء آخر، وأفكّر في الزعماء الخالدين، والضحايا الخالدين، والحروب الخالدة، والمشردين والجوعى الخالدين، وفي أنصافي التي لن تكتمل أبداً.

***

ورقة بيضاء لا تلوثها إلا الكتابة

لا أريد أن أكتب شيئاً هنا. أريد أن أبكي فقط. أريد أن أبكي على هذه الورقة، لكي تنمو دموعي بجوار دموعك. سوف تنمو دموعنا معاً، ترقص معاً، وتضحك معاً، وتنتحر على حافة الورقة معاً. فاطمئني إذاً، لن يحدق ما هو أكثر، لن نلتقي أبداً، ولن نحبّ أبداً، ولن نتذكر شيئين ولن نترك أي أثر لنظراتنا الهاربة. فاطمئني إذاً: نصف روحي الذي كنت تختبئين فيه، سأزرع فيه قتلى وجائعين ومجانين وأحجاراً ميتة إذا استدعى الأمر. نصف روحي الذي كنت تتعرّين وتضحكين وترقصين فيه، لن يكون أبداً لك، اطمئني إذاً.

لن أراقبك وأنت تضعين أحمر الشفاه، ولن أتمنى أبداً، أبداً لن أتمنى أن أقبّلك، لن أدّخر دروس اكتشاف الأنوثة إلى يوم تسكنين فيه نصف روحي، وان أسجنك في غرفتي السرية، في صخرتي الأبدية، فاطمئني إذاً. تحرّري من ذاتك وذاتي، وصفّفي شعرك بالسيشوار كما تشائين، لا يهمّك أن يتساقط شعرك، فأنا لن أكون موجودا بعد اليوم.

***

لو أنني أبكي، فقط لو أنني أبكي على هذه الورقة، حيث سقطت دموعكِ، فنظرت إليها دموعي بحسرة قبل أن تحضنها للمرة الأخيرة، وإلى الأبد. إلى الأبد ستنمو دموعنا معا، لتصبح بشراً كاملين، يحبذون ويرقصون ويضحكون ويبكون، كأنهم وحدهم، كأنهم أحرار حقا، على ورقة بيضاء، بيضاء لا يلوّثها إلا الكتابة.

***

كل شيء ناقص، كل شيء غير مكتمل، كل شيء نصف ناقص، كروحي التي خبأتكِ سنين في ذوبانها، كذنوبي التي كتبتها ألف مرة بدون أن أفعلها مرةً واحدة، كحريتي التي وزّعتها قطرةً قطرة على قبور أصدقائي، كجنوني الذي دفنته في المرآة، كحلمي الذي بكيته مرة واحدة، على هذه الورقة، هنا، حيث ترقد دموعك كجسد مكتمل ينتظر مدفناً سرياً في نصف روح تفتش عن شقائها.

***

اطمئني إذاً، لن أستيقظ غداً، سيصبح العالم أوسع، لن أحب مرةً أخرى، ولن أبكي مرة أخرى، ولن أكتب شيئا ـ لن أكتب شيئا هنا، في تلك المقبرة التي تضم دموعنا معاً.

***

من أنت حقا يا الله؟

يحلم المجنون بأنه يبكي فيستيقظ باكياً، ويحلم بأنه يعشق فيستيقظ عاشقاً. ليس لديه ما يبكيه، وليس لديه من يعشقه. إنه وحيد، كسرب عصافير في سماء عابرة. يبحث عن أوطان يبنيها المجانين وحدهم، بأحلامهم وأوهامهم، ببكائهم الحرّ المتواصل. لذلك يبكي المجنون ليبني وطناً بدموعه، ويبكي ليخلق امرأة يعشقها من دموعه، يبكي ليفقدها، ويبكي ليبكيها، ليتحرر من بكائها، ليحرّرها من بكائه، يبكي لينتحر من أجلها، ويبكي ليموت حقاً في بكائها. إنه وحيد، وحيد حقاً، كسري دموع في ورقة عابرة.

***

يهرب المجنون من الكتابة كمن يهرب من عينين باكيتين. يهرب من البكاء كمن يهرب من الموسيقى. يهرب من الموسيقى كمن يهرب من عزلته. يهرب من عزلته كمن يهرب من أنقاضه. لا تصدِّقوه. لا شيء حقيقياً. وهو يكتب عوضا عن أن يحب، ويحب ليموت موتاً حراً مستمراً لا كتابة فيه ولا حبّ ولا بكاء.

***

يموت المجنون فيرى أوطانه الافتراضية تنكّس دموعها، ويرى أصدقاءه الافتراضيين يحملون نعش أحلامه، ويرى حبيباته الافتراضيات يوزّعن أسراره على العشّاق العابرين، ويرى غرفه السرية مهجورة من فئران حبه، وروحه معلّقة في سقف عزلته، وجسده يذهب بعيداً، بعيداً في الرمال والنباتات والحيوانات الأليفة. لن يوقفه شيء، فلا شيء حقيقياً سوى ذلك الموت الفجائي، ذلك الموت الافتراضي الذي يلقيه وحده في جحيم ذاته.

***

عندما يقابل الله، سيقول له: يا الله، أنا ياسر الزيات، الشاعر الافتراضي، الاسم التائه ـ الجسد الذائب، الروح الوحيدة السجينة، العاشق السري، المذنب الأبدي، الموصوف بصفاته كلها، الموجود في أحلامه وأوهامه، المتجسد في دموعه، الهائم في عزلته وجنونه، أنا ياسر الزيات، فمن أنت؟ من أنت حقاً يا الله؟

وربما يبكي الله فيخلق من دموعه امرأة يعشقها، وربما يبكي ليفقدها، ليحرّرها من بكائها وبكائه، لينتحر من أجلها، ليدفن نفسه في دموعها، ليشعر مرة واحدة بأنه وحيد حقاً، كسرب دموع في سماء عابرة.

***

إذا لم نتألم من أجل الحب

أنصحكم: لا تكتبوا هكذا. أنصحكم: ليس بكل هذا الألم. حتى الشعر لا يستحق ألماً من هذا النوع. والحب أيضا لا يستحق أن تتألموا من أجله.

ولكن إذا لم نتألم من أجل الشعر، وإذا لم نتألم من أجل الحب، فمن أجل ماذا نتألم؟ أيّ ألم نختار من بين آلام كل هذا العالم؟

أنصحكم: لا تتألموا هكذا. أنصحكم: لا تكتبوا آلامكم، فالعالم في النهاية يبحث عن تاريخ لنفسه، يبحث عن مجد شخصي، يبحث عن بقاء أبدي، ولن يحركه سوى تلك الآلام، فانتبهوا.

أين نذهب بآلامنا إذاً؟ أين يمكننا أن نتأمل خيباتنا؟ كيف يمكننا أن نقول إننا قتلى وجرحى ومجانين وغرباء؟ أين ندفن عزلتنا وحبيباتنا؟ أين نترك وصايانا للذين يريدون أن يتألموا؟

أنصحكم: لا تكونوا موجودين حقا، ولا تبكوا هكذا كالأطفال.

ولكن المسرحية لن تنتهي على خير. سيغضب الجمهور، الجمهور الذي يحب آلامنا سيغضب، فكيف يمكننا أن نتألم بدون جمهور؟

أنصحكم: لا تعيشوا هكذا، ولا تموتوا هكذا، لا تكتبوا هكذا، ولا تتألموا هكذا، ليس بكل هذا الألم تستمر الحياة.

***

أصحو من النوم، فلا أجد اسمي في دليل الهاتف. هل كنت حقاً هنا، في هذا الوجود العبثي؟ وأبحث عن أسماء أصدقائي: كيف استطاعوا البقاء في هذا الدفتر الموحش؟ لماذا يحتملون أرقامهم وآلامهم؟ وكيف يحتملون أسماءهم هذه؟ هؤلاء المساكين، هؤلاء الجبناء، كيف لا يقفزون قفزة واحدة، خارج الحياة؟

***

كل ليلة، عندما يزورني الموت قبل نومي، قبل نومي مباشرة، أقول له: لماذا لم تكتب اسمك مرة واحدةً في دليل الهاتف؟

ما الذي كان يفعله في هذا العالم؟

لا أحد يتصل بي: لا القاتل، ولا المؤرخ، ولا حفّار القبور. لا أحد يتصل بي، والموت يقف في نهاية الشارع، يقف في قلب المحبة، يقف مزهواً بأسلاكه المزهرة. يقف الموت وحيدا في نهاية الشارع، ولا أحد يتصل بي.

القاتل مثلا: القاتل يجلس ملقيا رأسه بين يديه، يفكر أو يبكي، ولا أحد يراه، ولكنه أيضا وحيد، وحيد وخائف من عينيَّ الوحيدتين الخائفتين، يفكر أن يرقص، ويفكر أن يبكي، ويفكر أن يكتب أحلاماً تطارده، لكنه لا يجد رأسا بين يديه، ولا يجد قدمين تحته، ولا يجد محبة كافية للكتابة. لا يعرف من أين تأتي كل هذه الدموع، ولا يعرف كم هو خائف لأن الموت يقف في نهاية الشارع، ولا كم هو وحيد لأن أحداً لا يتصل به، لذلك يجلس ملقيا رأسه بين يديه، يفكر أو يبكي، وحيداً وخائفاً، لا أحد يراه، وهو يقتل نفسه بعينين وحيدتين خائفتين.

والمؤرخ أيضا: المؤرخ حائر أمام هذا الشاعر القتيل. لا يملك قصة مثيرة، ولا حياة درامية. شاعر مملّ كئيب، مجرد شاعر مملّ وكئيب يبعثر قصائده في بيوت أصدقائه، يحب ويرقص ويضحك داخل جسده، وهو أيضاً لا يمتلك جسداً كافياً للكتابة، كما أن أحداً لا يعرفه، ولا أحد يحزن عليه، فما الذي يغري المؤرخ في حياة شاعر ممل وكئيب؟، يسأل المؤرخ نفسه، وما الذي كان يفعله في هذا العالم؟ أي لعنة جعلته يحب مصادفة، ويبكي مصادفة، ويموت مصادفة؟ إنه شاعر ممل وكئيب، يقول المؤرخ. المؤرخ حائر، وهذا ما يُبكيه، هذا ما يجعله خائفاً ووحيداً، ينتظر أحدا يتصل به، ولكن الموت في نهاية الشارع، يقف هناك في قلب المحبة، والشاعر يبكي بعينين وحيدتين وخائفتين. والمؤرخ يبكي.

… وكذلك حفّار القبور: ما هذه الجثة العجيبة؟ كل طلقة دخلتها نبتت مكانها امرأة، وكل امرأة خرجت منها تحدثت عن ثقوب سوداء ونيازك وأقمار. ما هذه الجعة التي تحلم كل دقيقة بنسائها، وتغنّي وحدها، وتضحك وحدها، وترقص في موتها وحدها، وتحيا وحدها في رائحة امرأة واحدة، قبّلتها مرة واحدة في خيالها، ونظرت اليها نظرة أبدية، بدون أن تعرف أن الموت هناك، يقف هناك في نهاية الشارع؟ يفكر حفّار القبور، ويسأل، ولا أحد يتصل به، لا أحد يراه، ولا أحد يحبّه، لذلك يجلس وحده، حائرا، ملقيا رأسه بين يديه، ويبكي.

أما أنا، فلا أحد يتصل بي، لا القاتل، ولا المؤرخ، ولا حفّار القبور. إنهم خائفون، لأن الموت يقف هناك في نهاية الشارع. وأنا وحيد وخائف، ولا أعرف كيف أقول لهم إن الموت يقف هناك، يقف وحيدا، ويقف خائفا من الحياة. ولذلك أبكي، بعينين وحيدتين، وخائفتين.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s