هذه ليلتي وحلم حياتي.. عادل عبد الظاهر

عادل عبد الظاهر

يتذبذب الوجود دائماً بين طرفين:

نور وظلام،

سالب وموجب،

 ليل ونهار.

وكَمْ توالى الليل بعد النهار، وطال بالأنجم هذا المدار.

ويتحدد الإيقاع حسب إرادة عليا.

وتلتحم الذبذبات في اطرادات مختلفة، لتخرج المعنى.

كما تعتنق ذُكران السحب إناثَها، فيخرج لنا برقٌ عاصفٌ أرعن.

ويلتقي الليل مع الفجر الدامس ليتولّد عن لقائهما صباح مشرق مزدان ببهجة الزهر وتغريد الحقول، ويلتقي الموجب بالسالب لينبثق من التقائهما الطاقة، وما أجمل اللقيا وأمتع التوقف عند مملكة من مروج الحاضر الرائع، أملكها، بين ماض تَفَلَّت من بين أصابعي وذهب بحلوه ومُرّه، ومستقبل لم أمسك بتلابيبه بعد، ولا أعلم عنه شيئاً، فأنا إذن هنا الملك، المتربع على عرش السعادة بين مسندين، واحد عن يميني والآخر عن يساري، أريحُ عليهما ذراعيّ، ومسند خلفي ينبسط إزاءه ظهري، ومجال رؤية منفتح أمامي، ينطلق فيه البصر مسافراً بفؤادي.

 

هذه ليلتي وحلم حياتي، بين ماض من الزمان وآت.

خُلق لنا الزمان بطرفين: ماض ومستقبل، وبينهما فراغ الصمت الذي يمتلئ بألحان قلوبنا، وهي التي تعزف اللحن الثالث بين طرفي الزمان الميت، فتبعث فيه الروح التي تجعله يزهو ويتألق ويتأنق فكأنه في ليلة عرسه، يُبدع في الغرام ويبدعه الغرام، فهو هنا الملك الأوحد في زمانه، يمتلك روعة المنتصف، بين الحياة والحياة، في ليلةٍ بين النهار والنهار!

فهل علمنا الآن لماذا يتغني المغنون بالليل وبالعين؟

 

هذه ليـلتي وحلم حيـاتي

بين مـاض من الزمـان وآت

الهوى أنت كله والأماني

فاملأ الكأس بالغــرام وهات

بعد حينٍ يبـدل الحــب دارا

والعصافير تهجر الأوكارا

وديار كانت قديما ديـارا

سترانا كما نراها قفارا

سوف تلهو بنا الحياة وتسخر

فتعالى أحبك الآن أَكْثرْ

فإذا كانت هي ليلتي، فهي إذن لحظة نادرة في الزمن، هي لحني أنا، فيها اختزَل الخالق كياني كله، فلأكن كما أُريدَ لي أن أكون، فغداً يمضي كل شيء لحاله، وبعد حين يبدِّل الحب داره، والعصافير تهجر الأوكارا، ولسوف ينتقل طائر الحب ليمارس طقوسه في مكان آخر في أرض الفناء، فهو روح منتقلة سابحة في الأزمنة، تسكن زماناً إلى حين، وتهجره إلى زمان آخر، ويغادر دياراً كانت قديماً ديارا، أيامَ كانت تملأها أهازيج الحب وضحكات العشاق، وبعد أن يذهب العشاق إلى حيث يرحل كل راحل، تصبح الدور قفاراً تملأ الوديان المهجورة، نرى فيها الماضي السحيق لوديانٍ ترسبت فيها أجساد كائنات البحر وشجيراته، فأصبحت تلالا من الصخور الصامتة، وغداً نصبح مثلها، وربما تكون هي قد بُعثت من جديد، لتنظر إلينا، وترانا على نفس الحال التي نراها عليها الآن، وكما تلهو بها الرياح وتعبث وتنحت فيها أصابعها وتنثر ترابها، فلسوف تلهو بنا الحياة وتسخر، فتعالَ أحبك الآن أكثر!

وتعالَ نسكب قطرة الخلد على الأرض البوار، فلربما تصيب في أعماقها بذوراً جافة، فتستحيل أجنة في أرحامها، فتهتز فيها الحياة وتربو، وتمضي حاملة رسالتنا إلى الزمان القادم عندما يغدو كياننا الحي قشة جافة تلهو بها الحياة، وتسخرُ، من هوان قيمتها، الرياحُ.

 

فها هو ذا المساء الستور يتهادى إلينا ليصغي إلى صلوات الحب التي تذوب في شفتينا، ما بين سؤال عن الهوى وجواب، فادنُ مني، وخذ إليك حناني، ثم أغمض عينيك حتى تراني.

وليكن ليلنا طويلا طويلا، فكثير اللقاء كان قليلا!

ما أروع لحظة البَوْح وأبدعها!

فهل نستطيع أن نَفرَّ بها من وحش الفناء؟ بأن نملكها ونحملها في راحتينا؟، لحظةٌ أهدت الوجود إلينا، وأتاحت لقاءنا فالتقينا، في بحار الفوضى والظلام، ضاع فيها المجداف والملاح، فاستحالت بظهورنا الفوضى إلى نظام، فكل ليل إذا التقينا صباح!

 

وإذا كان للزمان صُبْحه ومِساه، فمن أين يأتي صباه وعنفوانه وحسنه وجماله؟

نحن مصدر ذلك الصبا وذلك الجمال الذي يزهو به الزمان، فنحن ليل الهوى، ونحن ضُحاه!

 

إنه الشوق الهادر الذي يملأ قلبي، يصنع أروع الألحان، التي تجعل الزهرةَ في أبدع أثوابها، والفتاةَ تتفجر بالصبا والجمال، هي لحظة قصيرة نصنع فيها لحننا، لا نريدها أن تمضي، فهل لنا أن نتمنى على الزمان أن يتوقف وأن يثبت مكانه؟

 

قد أطال الوقوف حين دعاني،  لِيلُمّ الأشواق عن أجفاني!

فادنُ مني وخذ إليك حناني ثم أغمض عينيك حتى تراني

وليكن لـيلنا طــويلاً طويلا، فكثير اللقاء كان قليـلا

***

ياحبيبي طاب الهوى ماعلينا، لوحملنا الأيام في راحتينا

صدفةٌ أهدت الوجود إلينا وأتاحت لـــقاءنا فالتقينا

في بحار تئن فيها الرياح، ضاع فيها المجداف والملاح

كـم أذل الفراقَ منا لقاءٌ، كــل ليل إذا التقينا صباح

يا حبيباً قد طال فيه سهادي وغريباً مسـافراً بفؤادي

***

تُرى كيف عرف الشاعر، مبدع الأغنية، أن الوجود جاء هديةً لنا في بحار تئن فيها الرياح؟ ولا مجداف فيها ولا ملاح؟

هل كان يعلم أن من قوانين الوجود إذا التقى الضدان ينشأ عنها مخلوق ثالث؟ فيتحول بالتقائنا كل ليل إلى صباح، وهل يمتلك الإنسان قوانين الصخور التي ينشأ من قرع بعضها البعض النار والنور؟

وفي اللقاء النادر يحدث ما هو فوق مستوى المعجزات.

في الصمت بوحٌ، وفي النطق تعبير وتفجير، وفي الهمس تتوالى أمواج السرور.

ويقينٌ ماثل للعين:

مهما أطال الوقوف حين دعاني، ليلملمَ الأشواق عن أجفاني، أن الحياة حتماً سوف تلفظنا، وسوف يجفُّ الشاطيء وينحسر البحر ويخلفنا دياراً مهجورةً وقفارا.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s