مختار سعد شحاتة يقرأ “زووم إن” لـ حسين عبد الرحيم

حسين عبد الرحيم

ورطة لا مناص منها

يورطني جيلي في قراءة هذه المجموعة “زووم إن” لحسين عبد الرحيم، فكما فهمت؛ فالكاتب ينتمي إلى جيل له خصوصيته في كتاباته شعرًا ونثرًا، وحتى إبداعًا، ربما أميل إلى وصف صديقي الشاعر “و. ع”؛ بأنه جيل مأزوم بدرجة ما، ولعله هنا ـ صديقي ـ يعبر عن صوت كثير من جيلنا اللاحق على هذا الجيل، وهو ما يُصعب أمر تلك القراءة، ولات مناص من هذا الاستهلال الذي تأسست عليه قراءتي الشخصية للنصوص بتلك المجموعة، وهو ما ـ ربما ـ سيراه البعض استفزازًا.

لا يُخفى عن هذا الجنس الأدبي كونه تليدًا في تاريخنا العربي، وما للقص والحكي من سلطة على الإنسان، والمبدعون في هذا الفن ـ وبشكل عام ـ يتفاوتون بين الجذب والإملال، أو المباشرة والإيحاء، ولأن البدايات الناجحة هي التي توصل إلى قصة ناجحة، كما قال “ألن بو”، ومن دون إغفال لجماليات النص الأدبي، وطرائق عدة أخذتها القصة القصيرة والنص النثري السردي بشكل عام، لكن يظل تعريف “إمبرت” لهذا الفن في كتابه (القصة القصيرة ـ النظرية والتقنية) بأنها: “سرد نثري موجز يعتمد على خيال قصاص فرد، برغم ما قد يعتمد عليه الخيال من أرض الواقع”، لذا توجب علينا أن ننطلق من تلك البداية في قراءتنا هذه، إلى جانب بعض الملاحظات على نصوص المجموعة.

 

المجموعة الإهداء وعناوينها

تحمل المجموعة عنوانًا لواحد من نصوصها، وعلى الترتيب هو النص الأخير ويحمل الرقم (21) بين مجموعة نصوص تفاوتت بين الطول والقصر، وهو العنوان “زووم إن”. وهو عنوان له دلالة من حيث الصورة البصرية أكدها بتفصيل سريع، فبعد الإهداء بقوله (إلى هؤلاء..) وما للفظ من دلالة عددية، فيقول “لقطة قريبة للزمان والمكان”، ثم يعود فيخصص هذا الإهداء بالقول “إليهن..”، ويتابع بتسمية ثلاثة أسماء نسوية، وهو ما يشي بحضور نون النسوة في نصوص المجموعة وبين ظلالها بدرجة بائنة، سنذكرها في مكانها من تلك القراءة.

اعتمد الكاتب ـ إذن ـ على تلك اللقطة القريبة، وقرر أن يعتمد هذا “الفوكس البصري” في نصوصه، وهو ما يستدعي على الفور التساؤل (هل التزم الكاتب بتلك النظرة القريبة عنوانًا ومتنًا؟). نحن بصدد العناوين الآن لا المتن السردي، وهو ما يجعلنا ننظر بعين فاحصة إلى بعض العناوين التي جاءت ـ وعلى طريقته التي ألزمنا إياها رغبة منه “زووم إن” ـ ولها احترامنا وتقديرنا؛ فجاءت بعض العناوين وكأنها “زووم آوت”، وتم فتح “عدسة” العنوان إلى أقصى اتساع لها؛ فتجد عناوين مطلقة فضفاضة مثل “مشوار، فرح، طريق، سفر، يوم جمعة، طفولة، دخان”، وهو ما بدا عجيبًا مع متون النصوص بداخل المجموعة، وهو ما سنتبينه بعد قراءة النصوص. فمثلا في نص “يوم جمعة”، ص55، نجد العنوان يرمي إلى احتمالية المصادفة، ثم يجيء المتن السردي للنص في النهاية بالتركيب “أيام الجمع”، فيجعلنا نسأل: (أثمة لعبة ذهنية مارسها الكاتب؟)، وهنا ينبغي ألا نغفل الإشارة إلى امتلاء النصوص بتلك الألاعيب الذهنية، وهي متقنة وممتعة.

 

المجموعة، وبدايات النصوص

نجح الكاتب في أن يستثمر مقولة “ألان بو” فعمد ـ بخبرة السيناريست والصحفي ـ إلى البداية المؤسِسة باستخدام الفعل والجملة الفعلية في أغلب نصوصه كبداية للسرد منذ نصه الأول “عبده فلاش”، وجملته الفعلية “لا أعلم”. وهي بداية عززت هذا القلق الجيلي من جيل أنتمي إليه حين يقرأ نصوص الجيل الثمانيني، وتستمر بدايات النصوص معتمدة الجملة الفعلية، فتجد “ووجدتني” في نص “يا حمام روح”، و”نزل من السيارة” في “مشوار”، وتتابع الجمل الفعلية في البدايات مثل “دخل علينا”، و”قام من نومه”، و”دار رأسي”، و”كرر العبارة”، و”مرّ بي”، و”لم أكن أعرف”، و”جاء من أقصى المدينة”، والجملة الأخيرة لها تناص مع الآية في سورة “يس”، وربما له إحالة ما قصدها الكاتب،…”، وغيرها من الجمل الفعلية التي بلغت من بين “21 نصًا” ما يربو على نصف المجموعة، وهو ما مكَّن للبدايات أن تتخطى ملفوظها الكلامي إلى دلالات إخبارية وبلاغية وفنية للنص، وهي تقنية كتابية لسانية في فن القصة القصيرة اعتمدها الكاتب وأجاد فيها بغض النظر عن زمن الفعل في حدث الجملة السردية، وما له من إحالات اختلفت بين التوتر والاضطراب والحركة وغيرهم. إذن فلنقل بأريحية بأن البدايات جيدة حققت شطر قاعدة “إدجر ألان بو” فكانت النصوص ناصعة وبديعة إجمالا. لكن ينبغي أن نلفت الانتباه إلى أن لتلك البدايات شبهة من أثر العمل الصحفي، وهو ما يجب التنبيه عليه من هكذا شبهة لها وجاهتها. وهي شبهة لا تنفي عن الجملة الفعلية دلالاتها والتي فطن لها الصحفي وأدرك كيف تزيد من حيوية النص والحدث الفعلي.

 

السمت اللساني والتراكيبي للمجموعة

* أوضحنا في العنوان كيف اعتمد الكاتب على الجملة الفعلية، فأعطى نصوصه حيوية بانت طوال النصوص كلها على اختلافها، وهي في كثير جاءت ذات محمول فعلي واحد فزادها حركة وتوترًا وحيوية، والمجموعة تفيض بهذا الأمر والمستخدم ببراعة عززتها خبرة الكاتب الصحفية. والحقيقة هي أفعال لها دلالتها الحدثية المتعاقبة، مثلما لها من دلالتها على الخيبة والانكسار وحتى الخيانة. وهذا الاستخدام ـ في قراءتي الشخصية ـ لم يمنع الكاتب من استخدامه لجمل فعلية مركبة تضمنت أكثر من محمول واحد، وذلك من خلال جمل وصفية طالت في بعض الأحايين في المجموعة.

* يأتي سمت التخصيص محدثا نوعًا من “التبئير” معتمدة النظرية العمدة ـ كما رأيتُ من عنوانها، نظرية الـ”زووم إن” ـ وهو ما يستدعي تقديم مجموعة لغوية على الفعل في بعض الجمل حتى في العنوان كالإزاحات اللغوية “عمن تبحث” عنوان نص “فرح”، و”منذ 42 سنة وأنت تحلم” في عنوان “كم أنت بعيد يا فرح”… وهو كثير في الجملة السردية بالمجموعة، وله دلالاته الشخصية على المجموعة بطولها، ولعل هذه التراكيب والإزاحات في بنية الجمل هي ما أفضت إلى جو من التنصيص والتشديد على سوداوية بعض المواقف وكآبات البطل الشخصية.

 

الزمن في المجموعة

* يجب أن ننتبه في تلك المجموعة إلى أن ثمة خيطًا دقيقًا بين زمن الحكاية وبين زمن الحكي في المجموعة كلها، فالحكايات الآنية ـ التي تجيء بأفعالها المضارعة أو مستقبلية الزمن ـ مضفرةٌ بعناية مع زمن الحكاية الماضي وذكرياتها، والحقيقة أن زمن الحكاية يسيطر أكثر من زمن الحكي، والكاتب فيه ينتبه بوعي متى التزمه القاريء حصّلَ متعة طاغية، حين يبدو له هذا الخط الوهمي بين الزمنين، وهو ما يخلق جوًا تراكيبيًا في عقدة النص، وفي ذلك اعتمد جملا قصيرة وصفية وسريعة، ورطتنا في أزمة الكاتب الشخصية السارد علينا طوال تلك المجموعة، والتي وباعتبار هذا التورط يمكننا القول بأريحية إنها متواليةٌ محكيةٌ ببراعة ظهرت في خط زمني واضح متى تتبعتَ خط الزمن في الحكي أو الحكاية في تلك المجموعة، وهو ما أفضى إلى كثير من مشاهد درامية بالغة الجمال وصور ماتعة الكادر.

* يفيض زمن الحكي الآني بحزن ولوم، ويستمر في ضربه على “ثيمة الحزن” تلك، محاولاً ترسيخ قاعدة مفادها أن لنا من أسمائنا نصيبا، لكنه يجيء هنا بشكل معكوس لتلك القاعدة لتكتمل السخرية من هذا الزمن برمته وليس الأمل فيه، فتنغلق علينا دائرة الألم، وهو ما جاء بديعًا في نص “فرح” ومن خلال الوصف المورط الجميل، وحتى إن كانت مواجهة هذا الحزن أفضل، إلا أننا هنا في هذا النص نكتشف جمالاً جديدًا في متعة الهروب من هذا الحزن.

 

لغة المجموعة

* ينصع هنا سيطرة الشاعر حسين عبد الرحيم ولغته على القاص، فجاءت اللغة شعرية آسرة، وهو ما يجعلنا ننتبه إلى الفرق بين الشعر النثري وشاعرية النثر، والخط الرفيع بينهما، والكاتب كأنه اعتمد تلك التقنية في رسم خطوط دقيقة بين زمن الحكاية والحكي، وبين الحكي والسيرة الذاتية هنا، وهو أمر بالغ الحرفية. وكما قلنا جاءت كثير من نصوص المجموعة معتمدة آلية الجمل الفعلية والقصيرة بما تحدثه من حركة درامية متسارعة وما له من دلالات. لكن حين ننظر إلى النص “كم أنت بعيد يا فرح” ص 37-40، وبملاحظة “بلاغة الالتفات” بين الضمائر فيه، سنجدنا أمام نص ملغز، والملغز خلاف الغامض، إذ في فقرته الأخيرة تبدو حرفية الحالم الدائم وألمه، وهو ما فسرته الجملة الأخيرة في النص “كم أنت قاسية يا ليلة وكم أنت بعيد يا فرح”.

* ويتبادر سؤال عام، وله علاقة بتلك الثنائية من الخطوط الرفيعة التي نجح فيها الكاتب، فنسأل (أثمة “ثيمة صوفية” في هذا النص على التحديد؟ وهل نعي الفرق بين أن نكتب كتابة ظلالها صوفية أو أن تكون كتابتنا صوفية مكتوبة؟). الحقيقة أن تلك الشبهة الصوفية هنا في النص لم تضف كثيرًا ـ وهو رأي شخصي لا علاقة له بجودة الأسلوب أو رصانته ـ ولعل هاجسًا تملكني فيه، فثمة محاولة لفرض رأي، والتنظير له بحِكَمِية بين السطور، حتى وإن جاءت بجمال المزج الواعي بين مقاطع الواقع مع مقاطع الداخلي النفسي.

* جاءت بعض الجمل في لغة النصوص بلغة يقينية من خلال الجمل التقريرية، وهو ما أقلقني بشكل شخصي، لما يرمي به إلى شبهة مباشرة وخطابية، وتأمل نص “يوم جمعة”، وبداياته، وما بين السطور من محاولة لتصدير هذا اليقين، وربما ننسى أن من يملك اليقين الكامل اعتقادًا، حمل دلالة ما على نقصان هذا اليقين. وفي نفس النص تصدمك جملة كأنها استعطافية تشبه حال الممثل حين يستجدي استعطاف جمهوره.

* اعتمدت لغة المجموعة على مجموعة من “الثيمات” منها الفقد والموت والحزن والمكان والاغتراب، وهو ما يبدو في تلك المقاطع من الفلاش باك، وفيها ـ كما حدث في نص يوم جمعة ـ يمزج الكاتب بين التدين الشعبي حول تلك الثيمات وبين طرحه القصصي في مجموعته.

* جاءت المجموعة مفعة بحوارات داخلية كانت أمتع من حواراتها وجملها المحادثاتية المباشرة، وهي نقطة ناصعة طوال المجموعة، وتأمل نص “طفولة”، وهذا الحوار الداخلي بين الموروث الديني والشعبي وبين محطات السيرة الذاتية والحكاية، ومعاناة المهجرين من مدن القناة، وكيف يمكن التعرف على الإنسان من خلال موته، وكيف صار الاغتراب فيروسًا ضرب العديد من هؤلاء الذين عاشوا هناك أو ممن شهدوا تلك المرحلة والنكسة وعانوا من محنة التهجير.

 

السرد والشخصيات في المجموعة

* يتضح بقراءة متأنية أن ثمة راويًا ومرويًا إليه وهو خلاف القاريء، وهو ما يزكي أن احتمالية شبهة بين طغيان شخص الروائي والسيناريست على شخص القاص، وإن لم يكن مأخذًا يمكننا اعتماده على المجموعة، فالكاتب ـ وهو شاعر وسيناريست وروائي ـ اعتمد تقنية السارد المشاهد، ومشاهد “الفلاش باك” فنقلنا بين دواخله كراوٍ يحكي من لاوعيه واستدعاءاته المشاهدية، ثم يأخذنا إلى نقطة وعي تام، وهو التفات بليغ استخدمه مع شخوصه والضمائر ما بين الغائب والمخاطب والمتكلم، إلا أنه ثمة إشكال هنا وخوف، أنه ربما يحدث خلطًا ما بين “الصيغة النحوية” و”الصيغة السردية” التي تنفتح على تيار الوعي، إذ أن “الصيغة النحوية” وتكوين الجملة يمكن أن يستدعي دلالات بعينها، وفي هذا الخلط يمكن مراجعة دراسة قيمة عن أثر العلاقات النحوية في تشكيل الصورة البلاغية للناقد د. محمد شحاته في دراسته لعفيفي مطر. ويلاحظ أن ضمير المتكلم يطل بوضوح بين جنبات هذا الالتفات، وهو طبيعي ما دامت النصوص ذاتية وشديدة الخصوصية رغم انفتاحاتها الدلالية المورطة للقاريء في قلب الحدث بما يحدثه تكنيك “الزووم إن” من تورط، وهو ما يخلق لنا رؤية مصاحبة في خلفية نصوص المجموعة. واللافت في هذا التنقل والالتفات  أنه يولد لنا نصًا يمكنه أن يكسر حاجز الزمن، فتتحرك شخوصه كيفما شاءت، وهو ما يبرر لنا ما يمكن اعتباره تقنية “القطع السريع” بالجمل القصيرة والفلاش باك، مما يشي بشخصية السيناريست على طول القراءة وظلالها. وهو أمر طبيعي فالكاتب مهما وصَّفناه كتابيًا فهو روح واحدة لها كل تلك التجليات بين السيناريو والرواية والقصة والشعر. وبقى هنا أن نسأل الكاتب إن كان اعتمد هذا الالتفات بين الضمائر للهروب من “الأنا” لضمان فصل زمن الحكاية عن زمن الحكي؟! وكيف العمل مع ضمير المخاطب وما يردفه من تورط باكتشاف القاريء لعالم الكاتب وقصدية ذلك ودلالاته.

* اعتمد الكاتب هذا الالتفات بين الضمائر فجعل شخصية المروي إليه تتوحد مع الكاتب نفسه، وهي شخصية قليلا ما ينتبه لها، وكأن الكاتب يحتاج أن يستمع إلى هذا المحكي أكثر منا، وهو ما يميل إلى إيمان الكثير بأن الكُتاب حين يبدأون بالكتابة، فهم يكتبون إلى أنفسهم قبل القاريء.

* ويحق الإشارة ما دمنا بصدد السرد إلى نص “كليني كلر”، وهو نص بديع السرد يعلو خطه، وإن جاءت اللعبة الأدبية فيه سهلة الكشف والتوقع، إلا أن بداعة السرد المستمرة في محاولة الكاتب لنفض غبار وظلال سنة 56، وما تلاه ومحاولة المصالحة معه، جاء في صالح المجموعة، والجدير أن تلك المصالحة الشخصية بين الكاتب ولاوعيه الرافض لما حدث في زمن المحكي عنه في بور سعيد، كان سمتًا بارزًا طوال المجموعة.

* نجح الكاتب في رسم الشخصية الرئيسية في المجموعة، وهي شخصية مأزومة منذ نصها الأول، ومورطة في قلقها هذا والناتج عنها، ومحدثة نوعًا ما من هروب أو حيرة مورطة، ولعل أبدع ما في ذلك ما يستدعيه ويحدثه من “تناص ذهني” مهمته تخيل ما كان قبل ذلك الحال الآني.

* وتجيء “بور سعيد” ـ في رأيي ـ هي الشخصية الرئيسية والمحورية، وقاسمها البطل تلك البطولة بذكرياته فيها وعنها، وهو ما استثمر فيه الكاتب الشخصية الظاهرة للدلالة على الشخصية الخفية، فاستثمر بور سعيد وذكرياتها للدلالة على بطلنا هنا، والذي لم يسمه لنا في غالب النصوص، وفي بعضها صرح لنا بفهم ضمني أن الكاتب نفسه هو المحكي عنه.

* صور الكاتب شخصياته بشكلين مختلفين، فإما كان تصويرًا مباشرًا بهدف استدعاءات بعينها، وإما كان تصويرًا ملتفًا غير مباشر جاء من خلال استدعاءات الذاكرة والوصف واستنطاق الأمكنة بمخزون ذكرياتها وأحداثها. وثمة خطورة هنا إن لم ينتبه القاريء، فبين هاتين الآليتين ومع ما تحدثه الضمائر من الالتفات، وجب الانتباه لخط رفيع في هذا النوع من الكتابة بين السيرة الذاتية والكتابة الإبداعية، وهو أمر بالغ الخطورة والدقة يقع فيه الكثير من الكُتاب والقراء إذ يتم اعتماد ضمائر الذات في اللغة المحكية. وأظن الكاتب كان منتبهًا لهذا الخط الدقيق، فحكى منه لكنه لم يسرد لنا عنه ـ أقصد سردًا لسيرة شخصية.

 

“هي” في نصوص المجموعة

* لأعترف هنا أولاً بحبي الشخصي للضمير “هي”، وتقديري لكل من أحبه، واستحضره، وهنا يكفيني الإشارة إلى نص “جيب مووف” وأكتفي بوصف واحد له “نص بديع”، وفيه حضور رائع لتلك الحبيبة الأولى وزميلة الصف، وهو ما استدعى في ذهني تناصات كثيرة لعل أنصعها كان ما أورده د. محمد متولي في نصوصه “مذكرات درعمي في بلاد الفرنجة” وحكاية حبيبة الصف.

* كما جاءت في نص “فرح” بكل ألمها وقهرها وفضحها لهذا المجتمع القميء، وكيف أنه سيتعين عليها حروبًا معلنة وغير معلنة ستستمر تخوضها بمرارة وغير عدل، وذلك متى فرغنا النص من رمزيته المباشرة الأولى.

 

ثمة أسئلة تستدعيها المجموعة

بعد القراءة المتأنية لتلك المجموعة، تبدو مجموعة من التساؤلات، وهي ليست للكاتب بقدر ما توجه إلى القاريء الناقد للإجابة عنها، أرصدها فيما يلي:

1- اعتمدت تقنية السرد هنا الجملة الإيقاعية القصيرة السريعة، وهو واضح في نص “عبده فلاش” وغيره، والمكونة مع بعضها مشهدًا كاملاً ومتكاملاً، دون أن تنسى في لحظات الوصف الدقيق منمنمات الأشياء التي ربما لا تنتبه لها أعين الكثير، والسؤال هنا (هل غلبت روح السيناريست وتوارت شخصية القاص؟).

2- قدمت لنا تلك المجموعة جرعة من حنين زائد وحزن بالغ، بدأت مع نصها الأول “عبده فلاش”، واستمرت في “يا حمام” وحتى الأخيرة، وتجلت في هذه الجرعات مجموعةٌ من الحوارات الداخلية وجاءت ـ للحقيقة ـ أقوى من الحوارات المنطوقة المباشرة والتي جاءت على مباشرتها بلغة عامية، وهو بشكل شخصي تمنيت ألا أجده وسط تلك اللغة الشاعرية وحوارها الداخلي البديع، وهو أمر وموقف شخصي من تخلل النص المكتوب بلغة فصيحة حوارٌ مكتوبٌ بالعامية، والسؤال هنا (عن تلك المبالغة والحاجة إليها وإلى تكرارها بشكل متلاحق وضاغط على المتن).

4- في نص “يا حمام” تجد تجسيدًا لجيل كامل تملكه الحنين لزمن ما دون أن أحدده أنا، وإن حددته النصوص، لكن هذا الحنين رمى بشبهة “غموض” ما، تمامًا يقارب شبهة الاتهام إلى جيل شعراء الثمانينيات، وربما بالنظر إلى نص “سفر”  ص48 تتضح تلك الشبهة، وراجع في ذلك المقطع  الأول ص 21، وهو ما يجعل أزمة الهوية تطل من زاوية النص حين نقرأ منتوج هذا الجيل، وربما فقط أرصده كوني من جيل لاحق له مباشرة، وهو ربما يراه الجيل الآني أمرًا ممتعًا أو له دلالة ما. والسؤال هنا (أيمكن للكاتب أن يتخلص من نعرة الثيمات ومشاكل المجايلة أم يظل يكتب من منطقته  الأدبية التي هو ابن شرعي لها حتى وإن طور في لغته بقدر ما؟).

5- تخللت بعض النصوص رمزية ما، وللحقيقة لا أعلم إن كانت في صالح النص، أم تعمل ضد جودته، وفقط لتلاحظ معي في نص “مشوار” ص 24 الفقرة الأولى، ورمزية ما حدث للشرطة المصرية في بور سعيد في زمن الحكاية، وهو ما يحيلنا إلى السؤال هل هناك اعتراف ما بطّنه الكاتب ولم يصرح به عن دورها في المدينة زمن الحكاية في النص. وتتجلي الرمزية في نص “سبعة وجوه من رماد”، وصوت “ثعلب”، وهي رمزية رائعة متقنة واعية لم يفسدها سوى شبهة المنبرية والمباشرة في فقرتها الأخيرة ص 30، وهو ما تنافى مع جمال ما فعله النص من لعب بدماغ القاريء فجاءت الفقرتان الأخيرتان في النص مفسدتين ـ لي بشكل شخصي ـ تلك المتعة واللعبة الدماغية في طول النص. وتستمر تلك الرمزية وفي لحظات تسقط في أسر المباشرة، لكنها جاءت في صالح النص بما حملته من دلالات استلهما الكاتب في نصوصه، كما حدث في استلهام مفردة “الفرح” من العنوان في النص ص 33 وص34 مع نص فاض بالحنين والحزن ويعود ليستلهم المفردة ص 37 وص 40. وهنا السؤال (كيف يمكن للكاتب أن يلعب تلك الألاعيب الدماغية الرائعة دون الوقوع في فخ الثيمات والمنبرية والمباشرة والرمزية؟).

6- يثار سؤال في ص25 حين يتحدث بجملة وصفية عن ذعر العصاة يوم الحشر، هل يجوز للكاتب أن يتخيل شعورًا ما؟ أم لم لا؟ وهل الخيال إن جاز لنا في خلق واقع ما، هل يمكن اعتماده في الحديث عن المشاعر خاصة تلك التي لم يختبرها إنسان واحد ولا رصيد لنا في عقلنا الجمعي الإنساني ولا خبرة يمكن البناء عليها؟ وهل يضرب ذلك منطق الخيال في الكتابة الإبداعية والتي لا ينتبه لها كثير فيخلط بين المنطق العقلي ومنطق الخيال وهما منطقان لا يجتمعان؟ وكيف يغفل البعض منطق الخيال ويكتفي بأن الفعل الإبداعي فعل غير واعٍ؟

7- وعن رمزية النصوص أيضًا نسأل: كيف سمح لتلك الرمزية بأن تختلط علينا في النهاية في بعض النصوص؟ وهو ما يجعلني أكرر أن ثمة تلغيزا وصل حد الغموض، وربما أفاد أو أفسد المتعة القرائية لي بشكل شخصي، لكن خذ مثلا في نص “كم أنت بعيد يا فرح”، وكيف اختلط هذا الرمز فتحول إلى حلم في النهاية في محاولة ما لهروب ما، فيحيل إلى “الحبيبة والزوجة والأم والابنة وحتى أزمة الحلم نفسها، بل يمكن أن نحيله إلى المدينة والبلد بأسره”.

8- نلحظ في نصوص المجموعة كلها كيف سعى الكاتب لترجمة الهم الإنساني كله حول فكرة “الخلود”، وذلك بطرحه للسؤال عن المكان والذكريات، وهل يكمن خلودنا في أماكننا وذكرياتنا ولو مؤلمة أم يبقى خلودنا في شعورنا بأننا ما دمنا نحفظ كل محطاتنا فإننا لن نموت أبدًا، وهو ما يبرره لنا الكاتب بتفتيشه عن أماكنه ضمانًا لخلود ما.

9- في نص “ساحل الغبار” تتأكد فكرة خروج القصة القصيرة عن فكرة اعتماد السرد وكلاسيكيات القصة القصيرة، وإمكانية قبض هذا السرد بشكل آخر من تحليلات المشهد وحواراته الداخلية، وفيه إحالة لضرورة الوعي بين فارق القصة القصيرة والخاطرة، ورغم ذلك فالمجموعة لم تخلُ من كلاسيكيات وأدبيات القصة القصيرة، حيث وحدة الزمان واقعي ونفسي والمكان في كثير من نصوصها، والإيجاز، والإيقاع المتلاحق السريع بالجمل الفعلية، وما يبقى من وحدة الانطباع بعد القراءة.

تبقّى أن أضيف أن المجموعة بديعة تخبر عن موهبة طاغية وامتلاك لنواصي المهنة واللغة ووعي يُحسد عليه صاحبها.

……………

* تُنشر في نفس توقيت قراءتها بندوة لمناقشة المجموعة في مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية.

Advertisements

شارك برأيك.. كتابة الإيميل والموقع ◄ «اختياري»

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s